هرب الأسد بعد أن ترك سوريا مُدمَّرة على جميع المستويات والأصعدة. ولكن الأخطر فيما دمّره الأسد ونظامه، هو تدمير النسيج الاجتماعي السوري، في ظل نسيج مُعقَّد ومُركَّب في مكوناته العرقية والطائفية.
استولت "هيئة تحرير الشام" على دمشق في 8 ديسمبر 2024، ودخلت سوريا في مرحلة جديدة. عاش فيها السوريون في أشهرها الأولى خليطًا من الفرح والحذر. وتابعتها دول على الصعيد الدولي بحذر وترقُّب. سارعت "الهيئة" إلى عقد ما سُمِّي "مؤتمر النصر" الذي بايع الجولاني (أحمد الشرع) رئيسًا لسوريا1. والذي أعلن بدوره عن حل الهيئة وتشكيل الجيش الوطني السوري، وتشكيل حكومة مؤقتة اقتصرت على أعضاء من داخل الهيئة.
دعت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني إلى عقد مؤتمر وطني عام يشمل القوى السياسية وكافة الفعاليات المدنية والسياسية بهدف رسم طريق لبناء الدولة السورية الجديدة. لكن الشرع تجاهل الطلب وذهب إلى عقد مؤتمر للحوار الوطني غابت عنه كل القوى السياسية. واقتصرت جلساته على جلسة واحدة لم تتجاوز الثماني ساعات، أعقبها إصدار ما عُرف بالإعلان الدستوري الذي حدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات وأعطى لرئيس الجمهورية صلاحيات لم يتمتع بها حتى الملوك في الأنظمة الملكية المطلقة. تم تشكيل حكومة انتقالية برئاسة الشرع واحتل معظم مقاعدها أعضاء من هيئة تحرير الشام.
كما أُحدِثت الهيئة العامة للشؤون السياسية ضمن وزارة الخارجية، والتي تشرف على جميع الوزارات ومؤسسات الدولة كافة. فمندوب الهيئة العامة للشؤون السياسية (يُطلق عليه تسمية "الشيخ") حيثما وُجد في مؤسسات وإدارات الدولة له الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بشؤونها2.
بدا من الواضح لكل مُراقب أن الشرع يبني دولة الهيئة/الشرع لا الدولة السورية.
لم تحظَ سلطة جديدة في العالم باستقبال ودعم مثلما حصلت عليه سلطة الشرع بهذه السرعة وبهذا القدر من الاعتراف. فقد تقاطرت الوفود العربية والإقليمية والدولية إلى دمشق، مُبارِكةً أو داعمةً للسلطة الجديدة. كان من أبرز عُرَّابِيها: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والأمير محمد بن سلمان (السعودية) والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إضافة لأمير قطر تميم بن حمد. إن هذا الاعتراف والدعم الذي حظي به الشرع (أبو محمد الجولاني) كان ضروريًا أكثر من أي شيء آخر باعتباره مُصنَّفًا على قوائم الإرهاب أمريكيًا ومن قبل مجلس الأمن الدولي. كما منحه شرعية دولية وشعبية في أوساط السوريين.
مُعضلات السلطة القائمة في دمشق اليوم
تواجه سلطة الشرع اليوم العديد من المشاكل التي تتطلب حلها. بعضها داخلي وأخرى في العلاقات الدولية. وسأحاول ذكر أبرزها:
على الصعيد الداخلي
1-العدالة الانتقالية
يواجه الشرع ضغوطًا داخلية من منظمات حقوقية ومواطنين يطالبون بمعرفة مصير أبنائهم. يتمثل طلبهم في تأسيس مسار للعدالة الانتقالية عبر تأسيس هيئة مستقلة، تضم خبراء ومنظمات ومحاكم، بالتعاون والدعم من الأمم المتحدة للسير في هذا المسار المعقد والصعب. قام الشرع بتشكيل لجنة دُعيت "هيئة العدالة الانتقالية" من شخصيات لم تتمتع بالكفاءة اللازمة لهذه المهمة، وحصر عملها بالانتهاكات التي وقعت من قبل نظام الأسد فقط. رافضًا اعتبارها مسؤولة عن كشف جميع الانتهاكات سواء التي قام بها النظام الأسدي أو المنظمات العسكرية الأخرى (داعش، القاعدة، جبهة النصرة، هيئة تحرير الشام أو غيرهم من الفصائل المسلحة)، كما استبعد منظمات حقوقية سورية اشتغلت على الموضوع لسنوات طويلة.
2-النازحون والمُهجَّرون
تتمثل في عودة المُهجَّرين داخل سوريا إلى مدنهم وبيوتهم، والمُقدَّر عددهم بستة ملايين ونصف والذي عاد منهم حتى الآن مليون وستمائة ألف فقط. مدنهم وبيوتهم معظمها مُدمَّر بشكل كامل. والسلطة حتى الآن لم تُبدِ أي تحرك بهذا الاتجاه، بل منعت بعض سكان هذه المدن من العودة وترميمها بأنفسهم تحت حجة إعادة تنظيمها من جديد. تُضاف إليها مشكلة اللاجئين في دول الجوار (لبنان، الأردن).
3-الوضع المعيشي
قدرت الأمم المتحدة أن حوالي تسعين بالمئة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر قبل سقوط النظام الأسدي. ويمكن الآن رؤية الأوضاع بشكل أكثر تدهورًا من خلال ارتفاع أسعار الغاز المنزلي بحدود ستة أضعاف والخبز بحدود ثمانية أضعاف والكهرباء بعد آخر تسعيرة بـ 600 ضعف. كما أن تسريح عشرات الآلاف من الموظفين والعسكريين ترك جيشًا من العاطلين عن العمل. في ظل هذا الوضع، تخرج احتجاجات شعبية في مناطق ومدن متفرقة، ولكنها غير موحدة المطالب وشاملة حتى الآن.
4-الوضع الأمني
تعيش معظم المدن السورية وضعًا أمنيًا سيئًا للغاية جراء عمليات القتل والخطف والتهجير القسري والموت في المراكز الأمنية للسلطة. فإذا استثنينا المجازر الطائفية التي وقعت بالساحل في 6 آذار/مارس ومجازر السويداء التي وقعت في 14 تموز/يوليو وراح ضحيتها في كل منهما بضعة آلاف من الأبرياء، فإن القتل خارج القانون واختطاف النساء من قبل عصابات السلطة وبمعرفتها ما زالت مستمرة في مدن اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة بشكل يومي. يومًا بعد يوم، تزداد الأصوات الرافضة والمُستاءة من سلطة الشرع. لكنها لم تتبلور حول مطالب موحدة، ومازالت متفرقة وغير ممركزة.
على الصعيد الخارجي
أصبح معلومًا للجميع أن الجولاني/الشرع تم تأهيله بريطانيًا وأمريكيًا قبل دخوله دمشق بسنوات. وقد جاءت اللحظة المناسبة بعد تدمير غزة وإضعاف حزب الله وإيران. فكلِّفت تركيا، وبموافقة روسيا وإعلام السعودية وقطر وإسرائيل، لتنفيذ هذه الخطة التي هرب فيها الأسد ودخلت "هيئة تحرير الشام" إلى دمشق3. كثيرة هي الدول الإقليمية أو الدولية التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر بتسليم السلطة من الأسد إلى الجولاني/الشرع. وجميعها لها أحيانًا مصالح مشتركة وأحيانًا أخرى مُتناقضة. ومطلوب من الشرع أن يرضي الجميع وهو شيء صعب - وإن كان أعقدها إرضاء جيران سوريا الأقربين جغرافيًا (تركيا وإسرائيل) - ولذلك تلعب إدارة الرئيس الأمريكي ترامب دور العَرَّاب للتهدئة بينهما من خلال تأمين مصالح كل منهما دون أن يتضح ذلك بشكل فعلي حتى الآن كيف يمكن أن تستقر
قد يلفت الانتباه الاهتمام والصراع الإقليمي والدولي على سوريا. فسوريا ليست من البلدان الغنية بثرواتها، ولكنها تتموضع في موقع جيو-سياسي يجعلها ساحة للصراع الإقليمي والدولي. عاملان في هذا الموقع هما الأكثر تأثيرًا:
الأول: وجود المشروع الصهيوني/الإسرائيلي في فلسطين على خاصرتها الجنوبية، وبالتالي ينصب العمل على الحفاظ على هذا المشروع آمنًا ومستقرًا وقابلًا للتوسع من قبل القوى الإمبريالية في الغرب.
الثاني: موقعها الجغرافي كممر عبور لقوى الطاقة والتجارة من دول الخليج وآسيا إلى الدول الغربية.
يتضح الآن من مجمل السياسات الأمريكية، باعتبارها العامل الرئيس في التحكم بمصير سلطة الشرع تجاه سوريا حاليًا، هو جعل سوريا دولة ضعيفة وفاقدة للسيادة، وهو جوهر الهدف الإسرائيلي.
الاتحادات والنقابات4
منذ سيطرة حزب البعث على السلطة في عام 1963، حاول حزب البعث السيطرة على نشاط وهيئات الاتحادات الشعبية (العمال، الفلاحين، الشبيبة، الطلبة، المرأة... الخ)5. ولكن ظل إمكانية وجود قوى أو شخصيات غير بعثية ضمن هذه الهيئات ممكنًا ما دام الأمر يجري وفق انتخابات حرة وديمقراطية نسبيًا. أما النقابات المهنية (أطباء، محامين، مهندسين.... الخ) فقد ظل الأمر يجري بحرية أكبر حتى في ظل سيطرة الأسد على السلطة حتى عام 19796.
هذا الوضع من إعطاء هامش للاتحادات والنقابات المهنية لاختيار مجالسها وممثليها والذي رافقها حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي قد انتهى في تموز عام 1979، بعد أن احتدم الصراع الدموي بين الإخوان المسلمين والنظام على أثر ما عُرف بمجزة مدرسة المدفعية التي ارتكبها الإخوان المسلمون7. أصدر رئيس الجمهورية حافظ الأسد قرارًا بحل كل المجالس النقابية وتعيين مجالس بديلة موالية للنظام. وقد استمر العمل على هذا النهج مع بعض الإجراءات "الديمقراطية" في عملية اختيار المجالس حتى سقوط النظام وسيطرة "هيئة تحرير الشام". حيث قام الشرع بحل كل المجالس النقابية وتعيين مجالس جديدة من أنصاره8
الأحزاب والقوى السياسية
هناك ميزتان رافقت الساحة السياسية السورية منذ فشل تجربة الوحدة السورية-المصرية وسيطرة حزب البعث على السلطة في عام 1963:
الأولى: أنه لم تُؤسَّس أي أحزاب أو حتى تيارات ليبرالية قبل العقد الأول من الألفية الجديدة.
الثانية: أن جميع الأحزاب التي كانت موجودة في ذلك التاريخ -1963- فكانت إما قومية يسارية أو يسارية شيوعية، بالإضافة إلى حركة الإخوان المسلمين. وهي بمجملها لم تزد عن أصابع اليد الواحدة إلا قليلًا.
ولم تنشأ أي أحزاب جديدة بعد ذلك التاريخ وإنما تكاثرت بالانقسام – مع الحفاظ على الاسم - دون ميزات جوهرية فيما بينها سواء كانت قومية أو يسارية شيوعية، ما عدا معارضتها أو تحالفها مع الديكتاتورية الأسدية – الاستثناء الوحيد هو تأسيس حزب العمل الشيوعي عام 1976- جميع هذه الأحزاب في المعارضة تعرضت للقمع بنسب متفاوتة خلال أكثر من نصف قرن، ولا سيما إبان المرحلة الأسدية9.
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تابعت انقسامها أو تفككها وتحولاتها الليبرالية، وهو ما زاد من ضعفها وتأثيرها في الحياة السياسية. في عام 2005، حاولت هذه الأحزاب المعارضة توحيد صفوفها فيما عُرف حينها بـ "إعلان دمشق"10. عادت وتفتت بعد انضمام الإخوان المسلمين إلى هذا التجمع وخروج التيارات اليسارية القومية منها والشيوعية.
بعد انطلاقة الثورة في عام 2011، جرت محاولة لتوحيد القوى والأحزاب المعارضة، ولكنها باءت بالفشل. إذ رفضت التيارات السياسية الليبرالية الانضمام مع التيارات اليسارية القومية والشيوعية وشكلت المجلس الوطني السوري الذي سيطر عليه الإخوان المسلمون. بينما شكلت القوى القومية واليسارية ما عُرف بـ "هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي".
بعد عام 2012 وسيطرة القوى المسلحة السلفية والجهادية على المشهد العسكري والسياسي، بدعم وتمويل من الدول الخليجية وحضور تدخلات دولية عديدة في الحرب السورية، استطاعت ان تجعل القوى المعارضة رهن اجندة هذه الدول. لم يعد للقوى السياسية أي فعالية حقيقية على الأرض. في هذا المشهد الذي وصلت إليه القوى السياسية "القديمة"، ومع تزايد الهجرة والهروب من القمع الذي وصل إلى حد التوحُّش من قبل الأجهزة الأمنية للنظام، أصبح معظم الناشطين السياسيين وأفراد هذه الأحزاب خارج الساحة السورية. ومن هذا الوضع انبثقت العديد من الأحزاب والتكتلات الجديدة المعارضة التي تبنت الليبرالية كمنهج وإيديولوجيا لها، حتى صار من الصعب معرفة عددها او أسماءها.
هكذا بدت الساحة السياسية السورية ليلة سقوط دمشق بيد "هيئة تحرير الشام".
يمكن اليوم رسم الموقف من رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وسلطته شعبيًا وقوى سياسية ونُخبًا كما يلي:
هناك تيار شعبي كبير يدعم الشرع وسلطته، ويتركز في الأرياف والمدن الصغرى مُشكِّلًا الرديف الشعبي والعسكري للشرع. وكذلك يتلقى دعم وتأييد المُهجَّرين في الخارج وقواته على صفحات التواصل الاجتماعي. كما أن أحزابًا وقوى ونخبًا سياسية قديمة رافقت انطلاقة الثورة في جميع مراحل الصراع والحرب وكانت قريبة من الإخوان المسلمين، ولم تُظهِر نقدًا للفصائل العسكرية السلفية أو حتى الجهادية حينها، تؤيد الشرع تحت شعار لا بديل للشرع
التيار الثاني هو تيار سياسي وحزبي ومنظمات مدنية يُعلن معارضته للشرع وسلطته. يجمع بين أحزاب قديمة وجديدة ليبرالية. ويعمل على تشكيل تحالفات سياسية لمواجهة مشروع الشرع في بناء نظام استبدادي. أبرزها حتى الآن في داخل سوريا: تحالف "تماسُك" (تحالف المواطنة السورية المتساوية) الذي يضم أكثر من ثلاثين حزبًا ومنظمة مدنية، والكتلة الوطنية السورية التي أُعلن عن تأسيسها في الخارج، باعتبارها تكتلًا سياسيًا مدنيًا ديمقراطيًا.
التيار الثالث هو "تيار الرماديين" حتى الآن. وهو تيار شعبي يتركز في المدن الكبرى - العاصمة دمشق وحلب - ويضم كل الذين اعتادوا على حياة اجتماعية منفتحة وبعض أصحاب المهن والورشات الصغيرة التي تضررت من الانفتاح الاقتصادي والتحولات الليبرالية الجديدة المتطرفة. كما يضم نُخبًا سياسية وفكرية، تنتقد الوضع الجديد ولكنها لا تُعلن معارضتها له.
قوات سوريا الديمقراطية "قسد"
أحد أكبر معضلات الشرع
إذا استطاع الشرع السيطرة خلال الأشهر الماضية على أكثر من نصف مساحة سوريا بشكل هادئ نسبيًا، فإن ثلاث مناطق ما زالت السيطرة عليها تشكل معضلة لسيطرة الشرع.
الساحل السوري (العلويون): التي يتم السيطرة عليه - ولا سيما بعد مجازر شهر آذار الماضي - من خلال استمرار القتل والاعتقال والخطف والترويع.
السويداء في الجنوب: التي عرفت مجزرة في شهر تموز الماضي، فإنها اليوم تقع تحت حصار خانق لسلطة الشرع، مُعلِنة انفصالها عن الدولة السورية.
المنطقة الواقعة في شمال وشرق سوريا (الجزيرة السورية). والتي تضم معظم الثروات السورية (النفط، الغاز، الحبوب) وأكثر من ربع مساحة سوريا بيد "قسد"، وهي بذلك تشكل المعضلة الأكبر لسلطة الشرع.
تأسيس "قسد"
في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، شكلت سوريا إبان حكم الأسد الأب قاعدة لوجستية لحزب العمال الكردستاني PKK (تدريب مقاتلين، تمويل، تسليح). انتهى شهر العسل بين نظام حافظ الأسد وعبد الله أوجلان في 22 تشرين الأول عام 1998 بتوقيع اتفاقية مع تركيا، تضمنت بالإضافة لبنود أخرى طرد عبد الله أوجلان من سوريا ومنع نشاط حزبه واعتقال أعضائه (اعتقل أوجلان في عام 1999 في نيروبي من قبل السلطات التركية). عاد حزب العمال الكردستاني P K K في عام 2003 بتأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي في سورياPYD كامتداد له في سوريا، ولكن السلطات السورية لاحقته واعتقلت العديد من أنصاره.
عندما انطلقت الثورة السورية عام 2011، شاركت المنظمات والأحزاب الكردية في التظاهرات - في مناطق تواجد الأكراد - التي شملت معظم المناطق السورية. ولكن حزب الاتحاد الديمقراطي تدخل في الاحتجاجات ضد المتظاهرين ومارس عمليات قمع ضدهم ورفع علم كردستان بدلاً من علم الثورة. وبدأ توافد الناشطين والمقاتلين من حزب العمال الكردستاني من تركيا وقنديل إلى شمال وشرق سوريا لدعم الفرع السوري.
بدءًا من عام 2012، سيطرت مجموعة من الفصائل العسكرية السلفية منها والجهادية على مساحة واسعة وبعض المدن من الجزيرة السورية. وأمام عجز النظام عن مواجهة هذه التنظيمات، أعطى حزب الاتحاد الديمقراطي حرية في العمل، مع تسليم كثير من المواقع ومدّه بالسلاح.
كانت معركة عين العرب (كوباني) هي النقطة الأبرز لظهور قوات سوريا الديمقراطية "قسد". فقد حاصر تنظيم الدولة مدينة عين العرب (كوباني) ذات الأغلبية الكردية، ولكن مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية تصدت لهم واستطاعت هزيمتهم بدعم من التحالف الدولي لمكافحة "الإرهاب". بالاتفاق مع الأمريكيين، أصبحت القوات الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، على أن ينحصر عملها في هذه المهمة دون خوض أي معارك مع النظام السوري. هكذا تأسست "قسد" والتي ضمت لاحقًا بين صفوفها الكثير من المقاتلين والتنظيمات العسكرية من عرب وآشوريين وسريان و يزيدين، بعد أن كانت مقتصرة على الأكراد فقط. لقد استطاعت "قسد" تطهير الجزيرة السورية من تنظيم الدولة، مُقدِّمة الآلاف من مقاتليها في هذه المواجهة.
ماذا تريد "قسد" اليوم؟
مسيرة ما يقارب عقد من الكفاح
في السنوات الأولى لحضور حزب الاتحاد الديمقراطي في الصراع العسكري وسيطرته فقط على المناطق ذات الأغلبية الكردية، من خلال وحدات حماية الشعب الكردية وقبل أن يُعلن عن تأسيس قوات سورية الديمقراطية "قسد" في عام 2015، أطلق الحزب على المناطق التي سيطر عليها اسم "روجآفا" (كردستان الغربية). وقد اعتُبرت دعوة للانفصال، وأثارت رفض قطاعات واسعة من السوريين.
ولكن بعد السيطرة على كامل الجزيرة السورية أثناء ملاحقته لمقاتلي الدولة (11) وحضور القواعد العسكرية الأمريكية في أكثر من نقطة ودخوله التحالف الدولي ضد الإرهاب، تخلت عن اسم "روجآفا" مُستخدمة تسمية أصبحت حاضرة في وسائل الإعلام: مناطق "شمال وشرق سوريا". وأصبح التركيز في سياسته على الوصول إلى اتفاق مع النظام الأسدي سابقًا أو مع سلطة الجولاني/الشرع حاليًا، يُعطي لمناطق سيطرتها شكلًا من الإدارة اللامركزية (تطمح أن تكون شكلًا من الفدرالية).
على مدار عقد من السنوات قبل سقوط الأسد، أجرت "قسد" مفاوضات عديدة مع النظام الأسدي للوصول إلى صيغة يقبل بها النظام لشكل من الإدارة لمناطق سيطرتها. ولكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل.
بعد سقوط النظام الأسدي وقيام السلطة الانتقالية/الشرع، وقّعت "قسد" مع الشرع في 10 آذار اتفاقية لدمج قوات "قسد" مع قوات الحكومة الانتقالية/الشرع برعاية أمريكية. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، لم تتم أي خطوة في هذا الاتجاه. باعتقادي وفي ظل الدعم والثقة الأمريكية بـ "قسد"، لن تتخلى عن هدفها لإقامة كيان لها في "شمال وشرق سوريا" قريباً من شكل الكيان الذي أقامه الأكراد شمال العراق.
كلمة أخيرة حول "قسد": من المفاوضات مع النظام الأسدي خلال العقد الماضي، إلى مفاوضاتها اليوم مع الشرع، فإنها غير معنية بشكل أو طبيعة الحكم القائم في دمشق. وهدفها يبقى ما يمكن أن تحصل عليه كحركة قومية كردية. أما أن يُستفاد من قوتها لبناء دولة سورية حديثة تقوم على احترام كل مكوناتها، دولة مدنية ديمقراطية علمانية تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، دولة حقوق وقانون ومؤسسات مستقلة، فهذا ليس من أجندة قسد. وهو ما لا يتعارض مع أهداف كل القوى الإقليمية والدولية الحاضرة في سوريا اليوم باستثناء تركيا.
إن تركيا هي الطرف الوحيد من بين كل الدول الإقليمية والدولية التي ساهمت بشكل فعلي بوصول الشرع إلى دمشق. تركيا ترى في مشروع "قسد" خطرًا وتهديدًا لأمنها القومي. ما بين الضغوط التركية على الشرع لمنع قيام كيان كردي على حدودها والضغوط الأمريكية عليه، يقف الشرع عاجزًا عن القيام بأي عمل عسكري في مواجهة "قسد". ولا سيما أن قواتها قادرة على هزيمته حتى إن لم تتدخل أمريكا بشكل مباشر إلى جانبها. وهنا يكمن أكبر معضلات الشرع لبسط سيطرته على كامل التراب السوري الذي استلمه من الأسد.
خارج الصندوق, جيل Z السوري
نظرًا لكون ثلث سكان سوريا عاشوا في مخيمات النزوح داخل سوريا وفي لبنان والأردن، فإن هذا الجيل لم يعرف إلا الفقر والتشرد والحرمان والقهر وفقدان التعليم وعاطلًا عن العمل. لذلك فهم اليوم أحد عناصر قوات الشرع سواء بالجيش أو الأمن أو بعض المواقع المدنية لدولة الشرع. محتفظةً محافظة ادلب - حيث اقام الجولاني امارته لعقد من السنوات - بالحصة الأكبر سواء داخل الجيش او الامن او المواقع الأخرى من مؤسسات السلطة، بما فيها النقابات.
أما الثلث الآخر التي استطاعت عائلتهم مغادرة سوريا إلى بلدان اللجوء ولا سيما أوروبا وكندا وأستراليا وغيرها، فإن ارتباطهم بسوريا أصبح ضعيفًا ويقتصر على مواقع التواصل ليس أكثر. وباعتبارهم غادروا في العقد الأول من العمر، فإن اندماجهم كان سريعًا في موطنهم الجديد.
يبقى الثلث الأخير الذي نشأ وكبر في مناطق سيطرة الأسد، مع كل الظروف الصعبة والخوف الدائم سنوات الحرب، فجل اهتمامهم بعد أن أكمل دراسته أن يغادر إلى حيث يوجد عمل يؤمن له مستقبلًا، بعد أن سُدت أبواب المستقبل أمامه ليس فقط أيام الأسد وإنما اليوم في أيام الشرع.
4 ديسمبر 2025
- 1
ضم مؤتمر النصر الذي عقده الجولاني في قصر الشعب أكثر من 40 فصيلًا مسلحًا. بعضها مُنضوٍ تحت "هيئة تحرير الشام" وبعضها يتبع تركيا تحت اسم "الجيش الوطني السوري" وآخرين انضموا إليها بعد بدء العمليات العسكرية التي أُطلق عليها اسم "ردع العدوان".
- 2
"الشيخ" احتل بمهامه مكان مندوب حزب البعث في مرحلة سيطرة الأسد.
- 3
يتواجد على الأرض السورية، إضافة لاحتلال الجولان من قبل إسرائيل:
قوات تركية في الشمال السوري.قواعد عسكرية لروسيا في اللاذقية وطرطوس والقامشلي.
قواعد أمريكية في شمال وشرق سوريا (مع الحديث عن قاعدة جديدة لها قرب دمشق).
قاعدة عسكرية للتحالف الدولي في التنف (في المثلث الحدودي - الأردن، العراق، سوريا).
- 4
عقب مؤتمر النصر، أصدر الشرع قرارًا حل بموجبه "هيئة تحرير الشام" وحزب البعث وجميع الأحزاب التي تعاونت معه، وكافة الأحزاب والاتحادات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الثورية التي انبثقت ما بعد الثورة.
- 5
في الميثاق الذي أُسِّس بموجبه "الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا" عام 1974، التي حكمت سوريا لما يقارب نصف قرن، مُنع نشاط أي حزبي ما عدا حزب البعث العربي في منظمات الشبيبة والطلبة.
- 6
في عام 1974، كنت أعمل في مصنع الجرارات (حلب). انتقلت إلى معمل المحركات الكهربائية في اللاذقية كعامل فني. خلال أشهر، استطعت تشكيل خلية عمالية ماركسية. وحدث أن جرت انتخابات للجنة النقابية في المعمل. وعندما جرى الترشيح، قمنا بترشيح مندوب لنا في النقابة، ولكن لم نحصل سوى على 16 صوتًا – لا يزيد عمال المعمل عن مئة عامل -. وهكذا خسرنا الانتخابات. في عام 1976، تمت دورة جديدة لانتخاب اللجنة النقابية، فقمنا بترشيح قائمة في مواجهة قائمة السلطة. لقد خسرنا الانتخابات لكن بفارق صوت واحد. صحيح كانت هناك ضغوط كبيرة على العمال، ولكن جرت الانتخابات بنزاهة. بعد انتهاء الانتخابات، تعرضت لهجوم دامٍ من قبل أزلام مدير المصنع، لكن القرار لم يكن أمنيًا من النظام وإنما رد شخصي من المدير.
- 7
في تموز 1979، قامت مجموعة من تنظيم ما عُرف حينها "بالطليعة" المقاتلة للإخوان المسلمين بالهجوم على مدرسة المدفعية لطلاب الضباط. تم إعدام حوالي ستين طالب ضابط (علوي)، وذلك من خلال تعاون الضابط المناوب في المدرسة مع المهاجمين.
- 8
راجع الهامش (4).
- 9
كان حزب العمل الشيوعي أكثر الأحزاب اليسارية تعرضًا للقمع. فقد توالت حملات القمع والاعتقال منذ السنة الأولى لتأسيسه عام 1976 وحتى توقفه عن النشاط عام 1992، حيث تم اعتقال أكثر من 1500 رفيق ورفيقة بلغت سنوات اعتقال بعضهم أكثر من 16 عامًا.
- 10
يُعتبر "إعلان دمشق" أكبر وأوسع تحالف للقوى السياسية ومنظمات وجمعيات وشخصيات وطنية معارضة في تاريخ الدولة السورية بعد الاستقلال. وقد سيطر عليه التحالف الليبرالي الذي برز من خلال أحزاب شيوعية سابقًا وشخصيات شيوعية تركت أحزابها وتحولت إلى الليبرالية.