كيف نقرأ الاتفاق الأخير بين الحركة الكردية السورية والحكم السوري الجديد؟ هل يشكّل نهايةً لعقد من الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي السوري؟ أم هو اتفاق مؤقت سوف يلتحق بالقائمة بالغة الطول للاتفاقات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط وقد جرى الإعلان عنها كاتفاقات نهائية، فما لبثت أن انهارت؟ تحيلنا الإجابة عن هذا السؤال بالطبع إلى تقدير طبيعة الاتفاق والظروف التي أدّت إليه.
إن أول ما يُقال في هذا الصدد هو أن الاتفاق الذي أُعلِن يوم الجمعة الماضي هو مساومة تَرجح الكفة فيها لصالح النظام القائم في دمشق. فهو مساومة لأنه تمّ بين طرفين لم يفقد أي منهما القدرة على مواصلة المعركة، بل إن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، بعد حصرها بمكوّنها الكردي الرئيسي بصورة أساسية، تحتفظ بقوة عسكرية لا يُستهان بها في موازين القوة الراهنة في الساحة السورية. فهي لا زالت تضمّ عشرات آلاف المقاتلين والمقاتلات المتمرّسين، الذين تلهمهم قضية قومية صلّب عودها قرنٌ من التقسيم والاضطهاد، فضلاً عن انتماء عمودها الفقري السياسي إلى فصيل أيديولوجي كيّف أيديولوجيته مع التحولات التاريخية بحيث بقيت راسخة. وفي المقابل، فإن قوات النظام السوري الجديد ليست بأكبر بكثير من القوات الكردية، بل وينقصها الانسجام، إذ إنها جمعٌ هجين بين قوات «هيئة تحرير الشام» وقوات جهادية أخرى التحقت بها، بعضها غير سوري، وقوات موالية بصورة مباشرة لأنقرة، هي وحدات ما أطلِق عليه اسم «الجيش الوطني السوري».
هذه الحالة تعني أن ميزان القوى الراهن يتيح للجانب الكردي أن يصمد طويلاً في وجه قوات دمشق، لو توفَّر له سندٌ خارجي يحول دون انعزاله وإحكام الطوق حوله. بيد أن الطرفين اللذين كان بإمكان أي منهما لعب هذا الدور قد طعنا الحركة الكردية السورية في ظهرها. أهم الطرفين المقصودين هو طبعاً الولايات المتحدة التي انتقلت، تحت إدارة ترامب الحالية، من الاتكال على «قسد» في الحرب على «داعش» إلى الاتكال على تركيا والحكم السوري الجديد الذي ترعاه أنقرة. أما الطرف الثاني فهو «حكومة إقليم كردستان» في شمال العراق التي يتزعمها آل بارزاني، وهم حلفاء أنقرة (أنظر مقال الأسبوع الماضي «في القضية الكردية والحالة السورية»، القدس العربي، 27/1/2026).
في المقابل، تحوز قوات نظام دمشق الجديد في مواجهتها للحركة الكردية على دعم حازم غير محدود من قِبل تركيا. إزاء هذا الوضع باتت «قسد» تواجه خيارين أحلاهما مرّ: الاستسلام أو خوض حربٍ صوناً للكرامة، تُنذر بأن تستحيل حرباً انتحارية على غرار تلك الملاحم البطولية التي شهد لها التاريخ، لكنها كانت يائسة. لذا فضّلت «قسد» المساومة كسباً للوقت على أمل أن تتبدّل الظروف، سواء أكانت الإقليمية منها، والحال أن المنطقة لا تزال على كف عفريت، أو الظروف الدولية، والحال أن دونالد ترامب رجلٌ غريب الأطوار، يمارس عليه نتنياهو ضغطاً معاكساً لضغط أردوغان ويبقى ممكناً أن ينقلب موقفه.
من جهته، فضّل حكم دمشق المساومة على الخوض في حرب ضروس في الشمال قد تضعف مساعيه لإحكام سيطرته على سائر الأراضي السورية، أو تُفاقِم تبعيته لأنقرة بما يسيء لصورته ويقلّص طموحه. وقد قامت المساومة على تخلّي دمشق عن اشتراط حلّ فوري للإدارة الذاتية الكردية وقواتها المسلحة، كما عن اشتراط دخول حشد هام من قوات النظام السوري الجديد إلى قلب مناطق سيطرة «قسد». عوض ذلك، نصّ الاتفاق على البدء بخطى متواضعة، يبقى تفسيرها قابلاً للجدال، نحو دمج تلك المناطق في الإطار العسكري والإداري والقانوني للدولة السورية بحلّتها الجديدة.
لا شكّ بالتالي في أن المساومة الراهنة لم تنهِ الصراع، بل أدخلته في طور سياسي بعد الطور العسكري. وسوف يشهد هذا الطور الجديد صراعاً سياسياً هو مواصلة للحرب بطرق أخرى، مثلما الحرب هي مواصلة للسياسة بطرق أخرى حسب القول المأثور. فسوف يحاول الجانب الكردي الاحتفاظ فعلياً بإدارته الذاتية، بعد أن نعم بها لعقد من الزمن تحقيقاً لتوقه المشروع إلى ممارسة حقه في تقرير مصيره، ولو جرى دمج الإدارة اسمياً بالسلطة السورية، بينما ستسعى أنقرة باستمرار وإصرار لدفع دمشق إلى مواصلة الضغط على الجانب الكردي في سبيل استسلامه وخضوعه التام للحكم المركزي.
فيصبح السؤال في هذه الحال إن كانت واشنطن قادرة على لجم الطرفين، الكردي والتركي، لإبقاء الأمور في إطار المساومة التي يتظاهر كل طرف فيها بأنه راضٍ عنها. هذا رهانٌ صعب للغاية، والأرجح هو ألّا تلبث هشاشة اتفاق يوم الجمعة الماضي أن تتجلّى، وقد تعود معها لغة الحرب، بل وممارستها، إلى الطغيان على لغة التوافق، بحيث تتبع الاتفاق اتفاقات مؤقتة أخرى على نسق معهود في هذه المنطقة من العالم.