سقطت الديكتاتورية التي حكمت سوريا لأكثر من نصف قرن، بعد أن تسببت في مقتلةٍ شملت البشر والحجر. وسيطرت فصائل جهادية على دمشق بعد أن شاركت في هذه المقتلة لأكثر من عقد، وعيّنت قائدها "أبو محمد الجولاني" رئيساً للبلاد، والذي أعلن بدوره أن دمشق "أموية إلى الأبد".
قامت سلطة "الجولاني/الشرع" بمجازر متنقلة، وأخرى يومية نتيجة أفعال وُصفت بأنها "فردية"، تبعها نزوح وتطهير عرقي للسكان، وتسريح مئات الآلاف من الموظفين والعاملين في أجهزة الدولة (الأسدية سابقاً). كما تم حل جميع الأحزاب والمنظمات والنقابات، وتأسيس سلطة يتحكم بها "المشايخ". وفي ظل مهرجانات واحتفالات ضخمة بالصورة البصرية كرمز للسلطة الجديدة، وتبرعات شكلية للمدن السورية بملايين الدولارات من رموز السلطة ومنتفعيها وقادة ميليشياتها، يصارع ملايين السوريين في الخيام قسوة الطبيعة والحرمان من أبسط مقومات الحياة.
تعيش سوريا اليوم، بعد سنة من سقوط نظام الأسد، واقعاً مأساوياً؛ حيث إن حوالي 80% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر. وتبث وسائل إعلام السلطة تحريضاً طائفياً وعرقياً، مع دعوات للإبادة ضد المواطنين غير "الأمويين". وتعمل السلطة كمكتب تنسيق بين المتصارعين الإقليميين والدوليين تحت الإشراف الأمريكي (ترامب)؛ وهذه باختصار هي "سوريا الشرع" اليوم بعد سنة من سقوط" سوريا الأسد"
المسار الوطني الغائب
بعد صدور قرار مجلس الأمن 2254 في عام 2015 كطريق لحل الصراع السوري، عمل ناشطون ومثقفون وحقوقيون وخبراء قانون لرسم مبادئ أولية للانتقال من النظام الديكتاتوري الاستبدادي إلى دولة القانون والمؤسسات الدستورية. وقد أخذ هؤلاء بعين الاعتبار المرحلة القاسية من تدمير البنية الاجتماعية والنسيج المجتمعي، سواء عبر عقود الديكتاتورية أو ما خلفته الحرب الأهلية في العقد الأخير.
خلصت الدراسات (مع اختلاف بعض التفاصيل) إلى أنه ينبغي على السوريين إجراء عقد اجتماعي وطني جديد يتفق عليه الجميع للخروج من دائرة الاستبداد. لذا، فإن أي صفقات أو تفاهمات منفردة بين سلطة "الجولاني/الشرع" ومجموعات طائفية أو قومية للحصول على مكاسب في السلطة والثروة ستكون كارثية، ليس على صعيد سوريا ككل فحسب، بل على تلك القوى التي أبرمت الصفقات بمعزل عن الإجماع الوطني.
لقد كشف الهجوم الأخير في حلب من قبل السلطة الانتقالية على أحياء يقطنها مواطنون كرد، وتهجيرهم وممارسة عمليات قتل وتمثيل بالجثث، وممارسة اذلال وتحقير وتخوين وغيرها من الممارسات العنصرية، عن استمرار نهج العنف والحل العسكري. هذا الأسلوب أصبح الناظم الأساسي لسياسة السلطة تجاه المكونات المجتمعية (كما في الساحل والسويداء)، كبديل للحوار السياسي.
ذكرت في مقالة سابقة على الموقع. إن المعضلة الأساسية في مشروع "الشرع" اليوم، هو حل الخلاف مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد". ويختلف الصراع مع "قسد" عن الصراع في الساحل لذ يغيب عنه حتى الان أي حضور إقليمي او دولي، أو الصراع مع السويداء التي حضرت فيه الدولة الصهيونية كطرف فاعل. نظراً لحضور أطراف إقليمية ودولية فاعلة، في مقدمتها الولايات المتحدة، وتركيا، والكيان الصهيوني. ولكل من هؤلاء حسابات ومصالح تتقاطع أو تختلف مع مصلحة الكرد والسوريين عامة.
ماذا تريد تركيا؟
سعت تركيا منذ عام 2015 إلى تحجيم "قسد" التي سيطرت على مساحات واسعة من "شمال وشرق سوريا". وعملت على رعاية وتسهيل عمل ما يعرف بـ "هيئة تحرير الشام" وإنشاء "الجيش الوطني" من مقاتلين تم ترحيلهم من مناطق مختلفة بموجب اتفاقيات "أستانا".
قامت تركيا بعمليات عسكرية (غصن الزيتون 2018 ونبع السلام 2019) لطرد المقاتلين الكرد، وأصبحت معظم الحدود تحت سيطرتها. واليوم، يتم السيطرة على ما تبقى من جيوب (مثل حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب) بضوء أخضر أمريكي. إن العداء التركي لـ "قسد" ينبع من ربط مشروعها بحزب العمال الكردستاني، وهو ما تعتبره تركيا خطراً على أمنها القومي. لذا، ترفض تركيا أي شكل من أشكال اللامركزية أو الفيدرالية في سوريا، وتؤثر بقوة في مواقف سلطة "الشرع" الانتقالية.
ماذا يريد الكيان الصهيوني؟
يسعى الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى للحصول على ضمانات لحماية حدوده من السلطة الانتقالية، خاصة بعد أحداث "طوفان الأقصى". وهم لا يسعون لتوقيع معاهدة سلام رسمية لعلمهم أن سلطة "الشرع" تفتقر للشرعية الدولية والشعبية. وبالنسبة لهم، فإن بقاء سوريا ضعيفة وغير مستقرة لعقود هو الوضع الأفضل، لذا لا تدعم إسرائيل وجود مركزية قوية أو فيدرالية مستقرة.
ماذا تريد الولايات المتحدة (ترامب)؟
يلعب الدور الأمريكي المحور الأساسي في الصراع؛ حيث تنتظر باقي الأطراف الموقف الأمريكي لتحديد بوصلتها. وبينما يعلن ترامب دعمه لسلطة "الشرع" لبسط سيطرتها، فإنه يضغط عليها لتوقيع تفاهمات تجعل الجنوب السوري منزوع السلاح ومسرحاً لعمليات القوات الصهيونية. في حين يصرح المندوب الأمريكي "توم بارك" بأن اتفاقية "سايكس-بيكو" لم تعد صالحة للمنطقة.
"الشرع" و"عبده": صراع على تقاسم الثروة والسلطة
لا يخفى على أحد كيف وصل "الشرع" إلى السلطة بتنسيق تركي إقليمي، مما يجعل قراراته مرهونة بموافقة هذه الأطراف. تظهر سياسته اليوم كديكتاتورية بلباس ديني، وتتجلى في السعي لإخراج "قسد" من غرب الفرات تماشياً مع الرغبة التركية التي ترى حلب منطقة نفوذ لها.
على الجانب الآخر، يرى "مظلوم عبده" أن حق تقرير المصير للكرد ضمن سوريا موحدة (لامركزية أو فيدرالية) هو مطلب أساسي. وبعد سنوات من المفاوضات غير المثمرة مع النظام السابق، يأمل "عبده" في تحقيق مكاسب من سلطة "الشرع". لكن الوقائع تشير إلى أن الجولات المكوكية بين الطرفين تتمحور فقط حول تقاسم السلطة والثروة (النفط، الغاز، المعابر) بضغوط دولية، مما يجعل أي اتفاق بينهما يفتقر للديمومة أو الاستقرار.
ان مطلب الشعب الكردي في سوريا بحق تقرير المصير واجب على كل الديمقراطيين دعمه. ويبقى شكل وطبيعة الدولة القادمة رهن الإرادة الحرة للسوريين جميعاً وليس تحت ضغط القوى الدولية في ظل سلطة مؤقته او انتقالية في أفضل الأحوال.
16/1/2026