مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

البوتينية: هل هي شكل جديد من أشكال الفاشية؟

بقلم Ilya Budraitskis
Poutine lors d'un défilé militaire sur la place Rouge à Moscou, le 9 mai 2022. Photo Kremlin CC BY 4.0
numéro

منذ ستةٍ وعشرين عاماً، يتربَّع فلاديمير بوتين على سدَّة الحكم في روسيا، سواء كرئيس أو كرئيس وزراء للاتحاد الروسي. وقد اتخذت سيطرته أشكالًا استبدادية متزايدة، لا سيما منذ الغزو الذي شنه على أوكرانيا مطلع عام 2022. كيف يمكن وصف البوتينية اليوم؟ يقترح الباحث والناشط الروسي إيليا بودرايتسكيس، المقيم حالياً في المنفى، مقاربة الديكتاتورية البوتينية انطلاقاً من مفهوم الفاشية

إيليا بودرايتسكيس هو مؤرخ وباحث في العلوم السياسية، وناشط اشتراكي روسي يعيش اليوم في المنفى. وهو عضو سابق في الحركة الاشتراكية الروسية (RSM/RSD)، وهي منظمة مناهضة للرأسمالية تأسست عام 2011 وحلت نفسها في عام 2024 إثر تصنيفها "عميلة أجنبية". درّس في جامعة موسكو وشارك في تنظيم الحركة المناهضة للحرب في روسيا حتى نفيه عام 2022. ومن أبرز مؤلَّفاته: "المعارضون وسط المعارضين: الأيديولوجيا والسياسة واليسار في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي (دار فيرسو، 2022). نُشر هذا المقال أصلاً بالإنجليزية في موقع حملة التضامن مع أوكرانيا، وترجمه عن الإنجليزية لمجلة كونتراتون كريستيان دوبوك.

بعد الرابع والعشرين من فبراير 2022، عندما شنت روسيا بقيادة بوتين غزوًا واسع النطاق على أوكرانيا، لم يجد العالم نفسه أمام تحدٍ للهيمنة الجيوسياسية الغربية وحسب. فوراء السياسة العدوانية للكرملين تكمن واقعية تحيل إلى الأيديولوجية الإمبريالية الكلاسيكية، التي تنص على أن العلاقات بين البلدان لا تخضع الا لشريعة الأقوى. في خطاباته، انتقد فلاديمير بوتين التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق أو أفغانستان، غير أن ما كان يعترض عليه أساسا هو ادعاء واشنطن امتلاك حقوق حصرية في مجال التدخلات الإمبريالية، وتوسيع نطاق نفوذها، وإدانة القوى الأخرى التي تجرؤ على فعل الشيء نفسه. لذا، كان تحديه للغرب يقتصر على فضح «نفاق» الولايات المتحدة: لماذا يحق للبعض فعل ما يُحظر على الآخرين؟

ما كان، حسب بوتين، حكرا على الإمبريالية الأمريكية في السابق وحدها، يجب أن يصبح من الآن فصاعداً القانون الوحيد والمعترف به في السياسة الدولية (1). في رؤيته للعالم، ثمة دول معينة مُقدر لها «بشكل عضوي» أن تكون إمبراطوريات، مزودة بقدرة «سيادية» على شن الحروب، في حين أن دولاً أخرى محكوم عليها بأن تبقى مجرد «مستعمرات»، أشياءَ وجب السيطرة عليها وغزوها. وحقُ هذه الدول «السيادية» في ممارسة سلطة تعسفية خارج حدودها يتوافق مع حقها في ممارسة سلطة تعسفية داخلها: فاذا كانت القوة الغاشمة هي السند الأخير للحق، فإن حقوق الإنسان أو الحق في التمثيل الديمقراطي تعتمد هي الأخرى على القوةوبالتالي فهي لا تعدو كونها سلاحا في خدمة النفوذ الخارجي.

ينبثق عن هذه المنطق الإمبريالي حتمًا موقف معادٍ للثورة ومعادٍ للديمقراطية متسق من جانب النخب الروسية: فجميع الاحتجاجات والانتفاضات لا تعدو في نظرهم أن تكون مدبرة من الخارج من قبل قوى معادية، بدءًا من احتجاجات المعارضة الروسية في عام 2011 إلى الربيع العربي، بل وحتى الثورة الروسية عام 1917، التي يعتبرها بوتين هي الأخرى نتاجاً لأنشطة أجهزة الاستخبارات الأجنبية (2). يبدو بوضوح أن هذا النمط الأيديولوجي يُماهي بين الدول والأفراد الذين، في مجتمع السوق، ينخرطون هم أيضاً في صراع دائم من أجل النجاح والهيمنة والاعتراف.

نفس القانون «الطبيعي» يحكم الدول والمجتمعات القومية والحياة البشرية الفردية: إما أن تؤكد حقك في الوجود على حساب الآخرين، أو تصبح ضحيته. وفي روسيا بوتين اليوم، تحولت هذه الأيديولوجية بشكل نهائي من خطاب إلى ممارسة للسلطة: فهي لا تستند فقط إلى الأفكار الرجعية أو الشوفينية الموجودة في جزء من المجتمع الروسي، بل إلى العقلانية النيوليبرالية للسوق التي تهيمن عليه. وبانقسامه إلى أفراد منفصلين ومتعارضين، يصبح مثل هذا المجتمع مادة طيعة بين أيدي النخب، ويقبل بعجزه الذاتيعدم قدرته على العمل بتضامنكنتيجة لمصير تاريخي يُزعم أنه ثابت، ولقوانين شبه عضوية لا جدال فيها تحكم الحياة الاجتماعية.

أرسى غزو أوكرانيا بشكل نهائي في روسيا بوتين صلة لا تنفصم بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية: فالواحدة منهما هي استمرار حتمي للأخرى. وقد بدأت الحرب في تحويل النظام الروسي إلى شكل جديد، مختلف نوعياًديكتاتوريةحيث أن أي تعبير علني يختلف عن الخط الرسمي يصبح جريمة، وكل محاولة للعمل الجماعي تعتبر خيانة للدولة القومية. هذا التداخل بين مناخ الخوف والخضوع مع الشوفينية والعدوان الإمبريالي، فضلاً عن التماهي التام للإرادة الوطنية مع قرارات الزعيم الاستبدادي، دفع الكثيرين، في الأشهر الأخيرة، إلى مقارنة روسيا بوتينعن حق، في رأييبالفاشية.

هل يجب استخدام كلمة «الفاشية»؟

ومع ذلك، عندما نستخدم هذه "الكلمة التي تبدأ بحرف الفاء" الخطيرة في التحليل الاجتماعي، يجب توضيح كيفية استخدامهاوكيفية عدم استخدامها. أولاً، لا يجب استخدام «الفاشية» كمرادف للشر المطلق الذي يجب على «العالم الحر» أن يتحد ضده. هذا التناول الأخلاقي للفاشية ليس سوى عودة إلى الثنائيات المتعارضة للحرب الباردة، حيث يتم استبدال الشيوعية السوفيتية بشكل ميكانيكي بـ«فاشية بوتين» باعتبارها العدو الخارجي للغرب.

ثانياً، لا ينبغي أن يستند تحليل الفاشية المعاصرة في روسيا (كما الاتجاهات الفاشية خارج روسيا) إلى تشبيهات تاريخية تخمينية. يجب أن نتذكر أن صعود الفاشية في النصف الأول من القرن العشرين كان محدداً بمجموعة من الظروف التاريخية الفريدة، وأن عقيدتها كانت متناقضة وانتقائية. في هذا السياق، يمكننا أن نستعيد هذه الملاحظة التي أبداها بيير-أندريه تاغييف في أوائل التسعينيات:

"لن تسدي لنا «الفاشية» ولا «العنصرية» معروفاً بالعودة في صورة تمكننا من التعرف إليهما بسهولة. لو كانت اليقظة مجرد لعبة تعرف على شيء معروف سلفا، لما احتاج الأمر سوى الى التذكر. وعندئذ، ستختزل اليقظة في لعبة اجتماعية قوامها استعادة الذاكرة والتعرف عبر المطابقة، أي في وهم مُطمِئن لتاريخ تابت مليء بأحداث تستجيب لتوقعاتنا أو مخاوفنا (3)".

أخيرًاوربما هذا هو الأهمفإن تطبيق مفهوم الفاشية على النظام الروسي الحالي يجب ألا يؤدي إلى إضفاء طابع غريب عليه، أو الاعتقاد بأن انزلاق روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي نحو الفاشية يشكل حالة فريدة، محددة سلفًا بتاريخ قومي خاص. على العكس، يجب أن يساعدنا وصف نظام بوتين بالفاشي على تمييز السمات المشتركة بين التيارات اليمينية المتطرفة المختلفة الناتجة عن أزمة النظام الرأسمالي النيوليبرالي. أنا مقتنع بأن وصف روسيا بالفاشية لا يبرره سوى نظرنا إليه بكونه مؤشرا مقلقا على اتجاهات عالمية قد تنتج عنها أنظمة مماثلة على الصعيد الدوليبما في ذلك في العالم الغربي. اليوم، بعد أربع سنوات من حرب بوتين العنيفة ضد أوكرانيا، من الواضح أن هذه الرؤية الفاشية للسياسة الدولية لم تعد ظاهرة منعزلة. فعدوان أذربيجان الاستبدادية في عام 2023، الذي انتهى بتطهير عرقي واسع النطاق للسكان الأرمن في كاراباخ، وعملية الابادة العسكرية الجماعية التي شنتها إسرائيل في غزة، وأخيراً، الإجراءات الأخيرة التي اتخذها ترامب في فنزويلا: كل هذه الوقائع تشير بوضوح إلى أن حق الأقوى يتجه ليصبح القانون الجديد للسياسة العالمية. وكلها تعيدنا حتماً إلى ضرورة إعادة التفكير في ظاهرة الفاشية وفهم التطور الخاص لنظام بوتين كجزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي العالمي

تعريف الفاشية: عقيدة أم حركة أم نظام؟

في الأدبيات التاريخية والسياسية-الفلسفية الواسعة حول الفاشية، يمكن تمييز ثلاث مقاربات: الأولى تعتبرها قبل كل شيء أيديولوجية (أو بالأحرى مجموعة من السمات الأيديولوجية)؛ والثانية تعتبرها حركة جماهيرية راديكالية؛ والثالثة تعتبرها نوعاً خاصاً من الهيمنة، وشكلاً جديداً جذريا من أشكال الأنظمة السياسية، وبشكل أعم، من أشكال السلطة الاجتماعية.

وهكذا، فإن التعريف الشهير للمؤرخ روجر غريفين (1948) – الفاشية كشكل من أشكال «القومية المتطرفة ذات النزعة الانبعاثية»، أي القائمة على أسطورة بعث تجديدي للأمةيهدف إلى تعريف الفاشية بطريقة معيارية، من خلال بناء «نموذج مثالي» يميزه عن الأشكال الاستبدادية الأخرى. فالفاشية، حسب غريفين، ترتبط دائماً بخصائص مثل: إحياء عظمة الأمة المفقودة؛ الرفض الثوري للأشكال السابقة من الشرعية؛ تكريس تصور عضوي للأمة؛ تنظيم تحركات جماهيرية لفرض النظام على المستوى الداخلي كما على المستوى الخارجي. وتُظهر المناقشات الأخيرة حول الطابع الفاشي لنظام بوتين أو عدمه بوضوح حدود هذا المقاربة.

تيموثي سنايدر (1969)، على سبيل المثال، يسعى إلى الكشف عن الأسس الأيديولوجية للنظام الروسي الحالي (4). وهو بذلك يبالغ في التأثير الذي تحدثه على بوتين كتب إيفان إيلين (1883-1954)، المنظر الأيديولوجي للبيض المضادين للثورة المهاجرين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. كما يعتقد أنه يستشف في الخطاب العسكري للرئيس الروسي "عبادة للموت" مشابه لعبادة الزعيم الفاشي الروماني في فترة ما بين الحربين العالميتين كورنيليو زيليا كودريانو (1899-1938). على العكس من ذلك، يؤكد منتقدوه أن دولة بوتين لا تعتمد، مثل «الفاشية الكلاسيكية»، على تعبئة جماهيرية مُحفزَة أيديولوجياً (5).

من الواضح أن التعريف المعياري للفاشية، القائم على وجود أو غياب خصائص محددة، يحرف التحليل عن النظام نفسه وتطوره التاريخي. ولا شك في أن بوتين قد بلور في خطاباته، خلال غزو أوكرانيا، برنامجًا أيديولوجيًا متكاملا، وأن ذلك أطر الدعاية الروسية بطريقة رجعية للغاية. ومع ذلك، عندما وصل بوتين إلى السلطة قبل عشرين عامًا، لم يكن بوضوح رجل أيديولوجيا، كما أن سياساته الملموسة لم تكن تستند الى التمسك بأي مذهب فكري.

بل يمكن القول بالأحرى إن آراءه تشكلت كتركيب لـ«حقائق عملية» استوعبها خلال المناصب التي شغلها. فقد قادته سنواته الأولى في أجهزة الأمن السوفياتية إلى تفكير تآمري. كما أن دوره في عملية الخصخصة بصفته نائب عمدة سانت بطرسبرغ في التسعينيات كوَنه على أخلاقيات العنف والسيطرة الغاشمة التي تميز الأوساط شبه الإجرامية والمافيا التي كان مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً. وأخيراً، فإن سنواته الطويلة في السلطة كزعيم استبدادي لا منازع له قد رسخت لديه رؤية قائمة على فكرة المُنقذ المنتظر: استعادة القوة الجيوسياسية المفقودة لروسيا. لم تُحدد ممارسته بأيديولوجيا، بل ممارسته هي التي أجبرته على استيعاب «حقائق» أيديولوجية متنوعة يعتبرها بديهية. إن الاقتباسات من المفكرين الرجعيين التي أدرجها بعناية في خطاباته لا تفعل سوى تأكيد الاستنتاجات المستمدة من تجربته.

تتحدد التناقضات والقطائع في هذه الأيديولوجية بطبيعتها كممارسة مادية، لاستخدام تعبير ألتوسير (1918-1990). ينطبق مفهوم الأيديولوجية التي تحددها ممارسة السلطة على الفاشية كظاهرة تاريخية بشكل عام. يوضح المؤرخ روبرت أو. باكستون (1932)، على سبيل المثال، أن تصريحات الحركات الفاشية كانت دائماً مختلفة تماماً عن ممارسات القادة الفاشيين بمجرد وصولهم إلى السلطة (6).

لا تشكل هذه التصريحات كلاً متماسكاً: فقد كانت عبارة عن مجموعة عشوائية من الشعارات الموجهة إلى مجموعات اجتماعية متنوعة، وكانت تتغير وفقاً لظرفية الصراع السياسي. بل وأكثر من ذلك، فقد رُفعت الانتقائية الأيديولوجية للفاشية إلى مرتبة المبدأ: فلم يتوقف القادة الفاشيون عن تكرار ارتكازهم على «الحياة» البحتة بدلاً من المذاهب الجافة. بالنسبة لهم، تبقى «النظرية كسجن»، وفقاً للمقولة الشهيرة لبيتو موسوليني.

يتجلى البرنامج الحقيقي للفاشية قبل كل شيء في ممارساته كنظام، التي لم تكن أبداً مجرد امتداد للفاشية كحركة تهدف إلى الاستيلاء على السلطة. كما يؤكد باكستون، كان النظامان الفاشيان الألماني والإيطالي توليفة معقدة بين الأحزاب ذات السيطرة الشاملة، وجهاز الدولة القديم (7)، وعقلانية النخب التقليدية (الجيش، البيروقراطية، الكنيسة، إلخ)، ما شكل نوعًا من «الدولة المزدوجة». لم يكن هذا التوليف أبدًا متجانسًا؛ فقد كانت أزمات الأنظمة الفاشية تنشأ دائمًا عن تناقضاتها الداخلية. تورط في مؤامرة عام 1944 ضد هتلر أعضاء بارزين من النخبة العسكرية؛ وقد تم تدبير سقوط موسوليني في عام 1943 من قبل المقربين من الملك فيكتور إيمانويل (بالإضافة إلى بعض فصائل القيادة الفاشية)، الذين كانوا حتى ذلك الحين جزءًا لا يتجزأ من النظام.

الباحثون الذين يعتبرون الفاشية في المقام الأول حركة جماهيرية (مثل إرنست نولتي، 1923-2016) فسروها على أنها قوة رجعية في مواجهة التهديد الثوري للحركة العمالية المنظمة والأحزاب الاشتراكية، كما لو كانت تحل محل دولة برجوازية شائخة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. من المستحيل إنكار هذا التوجه المعادي للثورة. في إيطاليا في أوائل العشرينات، على سبيل المثال، كان الفاشية حركة رجعية عنيفة مباشرة ضد حركة إضرابات جماهيرية وضد التأسيس العفوي للمجالس العمالية في المراكز الصناعية الرئيسية. لكن وصول موسوليني وهتلر إلى السلطة ما كان ليكون ممكناً لو لم تقرر النخبة التقليدية بشكل جماعي دعمهما. وفي الأماكن التي لم تر فيها الطبقات الحاكمة ضرورة للتحول الفاشيفي فرنسا، في بريطانيا أو رومانياهُزمت الحركات الفاشية في النهاية، على الرغم من آفاق نموها في الثلاثينيات.

لذلك يمكننا أن نؤيد تمامًا تأكيد عالم السياسة الأوكراني المقيم في الولايات المتحدة ألكسندر ج. موتيل (1953)  :"ربما يكمن مفتاح فهم ماهية الفاشية في فهم ماهية النظام الفاشي" (8). أو كما كتب ميرلو-بونتي (1908-1961)، اذا كانت "الثورات حقيقية كحركات وزائفة كأنظمة (9)"، فيمكننا أن نقول العكس فيما يخص الفاشية: فدلالتها وأهدافها تتجلى على وجه التحديد كنظام سلطة دولة، في حين أن خصائصها، في شكل أيديولوجية أو حركة، تبدو غير مكتملة ومضللة.

الفاشية المعاصرة مفروضة من الأعلى

إن تعريف الفاشية كنظام تكون فيه السمات الأيديولوجية أو الوجود المسبق لحركة جماهيرية أمراً ثانوياً وغير ضروري يسمح بتعميم الظاهرة. في مثل هذه المقاربة، لا تعد الفاشية انحرافًا غير عقلاني عن المسار العقلاني للحضارة الغربية (كما يعتقد الباحثون الليبراليون غالبًا)، بل ظاهرة تنبثق مباشرة من طبيعة مجتمع السوق ذاته.

صاغ هذا الموقف بأوضح صورة كارل بولاني (1886-1964)، الذي رأى في كتابه "التحول الكبير" أن الفاشية هي التطلع إلى الانتصار النهائي للمنطق الرأسمالي على كل أشكال التنظيم الذاتي والتضامن الاجتماعي (10). كان هدف الفاشية، حسب بولاني، هو التذرير الاجتماعي الكامل وانصهار الفرد في آلة الإنتاج. وهكذا كانت الفاشية أعمق من مجرد رد فعل على خطر الحركات الثورية المناهضة للرأسمالية "من الاسفل" . كانت لا تنفصل عن الارساء النهائي لسيطرة الاقتصاد على المجتمع. لم يكن هدفها تدمير الأحزاب العمالية فحسب، بل جميع أشكال الرقابة الديمقراطية القادمة من الاسفل.

وصف كارل بولاني الفاشية ليس كــ «حركة»، بل كتحول مفصليبل وحتى كانقلاب قسري، أي إجماع النخب رداً على الأزمة الاقتصادية، بهدف تشكيل بديل للاشتراكية. لكن، على عكس أطروحة معروفة للكومنترن، لم تكن هذه الاستجابة، وفقاً لبولاني، نابعة من رد فعل مباشر على خطر ثورة اجتماعية: بل كانت متجذرة بعمق في طبيعة المجتمع الصناعي ذاتها، مع التناقض الجوهري بين السوق الرأسمالية والديمقراطية. وهكذا، كانت الفاشية تمثل حلاً جذرياً لهذا التناقض المتأصل (ما يسميه بولاني «الحركة المزدوجة») من خلال إعادة تعريف «الطبيعة البشرية» القائمة على إنكار أساسي لوحدة البشرية.

في تحليله، شدد كارل بولاني على حقيقة أن "الوضع الفاشي يشبه الوضع الثوري" ، وأن هذا "الانقلاب" الذي تقوم به النخب ليس ممكناً إلا "في ظل الأزمة المعقدة للمؤسسات الديمقراطية". وبالتالي، تتطور الفاشية في لحظة أزمة اقتصادية وسياسية شاملة، عندما يصبح التناقض بين مصالح المجتمع ومصالح السوق حاداً لدرجة يستحيل معها تحقيق أي توازن مؤقت. بالنسبة لكارل بولاني، كان المنعطف الفاشي نتيجة مباشرة للكساد الكبير، الذي اعتبره نهاية حضارة السوق في القرن التاسع عشر.

تُنتج الأزمة الحالية للرأسمالية النيوليبرالية تناقضات مماثلة واتجاهاً سياسياً نحو فاشية مفروضة من الأعلى، كحل لإعادة فرض النظام داخل منظومة في حالة أزمة. بالطبع، لا يتطور هذا الاتجاه بشكل موحد أو متزامن في كل مكان، لأن التطور غير المتكافئ والمركب للرأسمالية العالمية وأزماتها لا ينتج بنية زمنية متجانسة. وهكذا، ولأسباب هيكلية متنوعة، أصبحت روسيا «الحلقة الضعيفة» في عصر الأزمة هذا، ما دفع بوتين إلى التخلي عن الديمقراطية الموجهة لصالح الفاشية.

رافق هذا التحول في النظام تدمير لجميع المؤسسات السياسية القادرة على التوسط في فرض إرادة الحاكم بشكل مباشر. في روسيا اليوم، لم تعد هناك "دولة سياسية" بالمعنى الذي تتمتع فيه محكمة أو برلمان أو حكومة محلية باستقلالية نسبية. فجميع المؤسسات تنفذ أوامر صادرة من الأعلى.

كان هذا الاخضاع التام لمؤسسات الدولة لـإرادة الحاكم" سمة مميزة للنظام الهتلري. ومن المعروف أن أحد أول المراسيم التي أصدرها هتلر، بمجرد وصوله إلى السلطة، كان إعلان «حالة الطوارئ» – أي، وفقاً للتعريف الشهير لكارل شميت (1888-1985)، "قانون يلغي جميع القوانين الأخرى"والتي ظلت سارية حتى انهيار النازية في عام 1945. ونرى كيف تتآكل المؤسسات الديمقراطية وتتجلى عناصر «حالة الطوارئ» اليوم في أنظمة مثل نظام ناريندرا مودي في الهند، أو رجب طيب أردوغان في تركيا، أو فيكتور أوربان في المجر. ومع ذلك، وعلى عكس روسيا بوتين، تعبر هذه الأنظمة بالأحرى عن نزعة فاشية كامنة أكثر من تحول فاشي مكتمل، حيث لا تزال فيها استقلالية جزئية للمجتمع والمؤسسات.

تحتوي سياسات إدارة دونالد ترامب منذ بداية عام 2025 بوضوح على عناصر «حالة الطوارئ» هذه التي تهدف إلى إحداث تحول جذري في النظام السياسي الأمريكي. دون الاعتماد على حركة جماهيرية، يستخدم ترامب أدوات جهاز الدولة لقمع المعارضة، وتقييد الحقوق الديمقراطية الأساسية، وترهيب المجتمع من خلال تعزيز المؤسسات القمعية مثل إدارة الهجرة والجمارك. إن «الترامبية»، بعد أن استولت على مقاليد سلطة الدولة، تختلف جذريًا عن ولاية ترامب الأولى؛ ويمكن النظر إليها على أنها محاولة للفاشية من الأعلى. ومع ذلك، لا يزال ترامب يواجه حدود النظام السياسي الليبرالي الأمريكي (بما في ذلك أسسه الفيدرالية)، ويجب عليه أن يأخذ في الاعتبار نطاق الدعم الانتخابي ويواجه مقاومة نشطة لجزء من المجتمع.

كما سنرى أدناه، كان لدى بوتين وقت أطول بكثير لتدمير التضامن في المجتمع الروسي بشكل منهجي وكذلك العناصر الضعيفة لثقافة ديمقراطية. وبالتالي، تمثل روسيا بوتين اليوم الشكل الأكثر نضجاً لهذا المسارعلى عكس أمريكا ترامب، التي لا يزال انتقالها خطيراً وغير متوقع.

تشتيت المجتمع وتحييده سياسيًا

لكي توصف هذه المجتمعات بالفاشيةحتى في ظل حكومات اليمين المتطرفيجب أن تمر بتحول نوعي. تسلط هانا أرندت (1906-1975) الضوء على عمق هذا التحول في أصول الشمولية.

وتتوصل إلى استنتاجات قريبة من تلك التي توصل إليها بولاني (11)، وإن كان ذلك من منظور نظري مختلف. فهي ترى أن الفاشية لا تربطها علاقة مباشرة بالتقاليد الفكرية السابقة، وأنها لا تمثل ظاهرة سياسية بل ظاهرة اجتماعية: التجسيد الأكثر تطرفًا لاتجاهات محورية في الحداثةتشتيت المجتمع وتدمير أي شكل من أشكال الحياة العامة.

بالنسبة لأرندت، لا يكمن جوهر المجتمع الفاشي الشمولي في تدخل السياسة في كل جوانب الحياة الاجتماعية، بل في إفراغ المجتمع من السياسة على نحو كامل، أي اختفاء أي مفهوم لـ«المصلحة العامة». وقد أدرك والتر بنجامين بدقة ملحوظة هذه الوظيفة السلبية والمفككة للتعبئة التي تؤديها الفاشية. في خاتمة كتابه العمل الفني في عصر قابليته للتكرار التقني (12)، كتب أن الفاشية "تضفي الجمالية على السياسة": فهي تحول الأفراد إلى متفرجين مبهورين، ومستهلكين مستلبين لسياسة غدت مجرد فرجة؛ بينما الشيوعية، على العكس، "تضفي السياسة على الجمالية"، مما يجعل العرض الثقافي مكاناً للمشاركة الإبداعية المباشرة للجماهير. وبذلك يمتلك العرض الفاشي طابعاً هرمياً حصراً: إنه إنتاج ديكتاتوري يجب على كل فرد فيه أن يؤدي الدور المخصص له، بأقصى درجات الانضباط والطاعة.

في روسيا، وتجد هذه الحالة تعبيرها الرمزي اليوم في «التظاهرات العلنية للتضامن» التي تدبرها الدولة بالتعاون مع الجيش الروسي: على سبيل المثال، أجراء وأجيرات القطاع العام والطالبات والطلاب المصطفون لتشكيل حرف Z، الشعار المشؤوم للعدوان الروسي. هذا العرض السياسي عمودي بحت؛ ولا يترك مجالاً لأي مبادرة قادمة من الأسفل، ولو كانت حتى فاشية. خلال أربع سنوات من الحرب، أرسل النظام الروسي إلى السجن ليس فقط نشطاء مناهضين للحرب، بل أيضاً جميع القوميين الإمبراطوريين البارزين الذين تجرأوا على إظهار أدنى قدر من الاستقلالية (على سبيل المثال إيغور ستريلكوف (1970)، أحد المهندسين الرئيسيين للتدخل الروسي في دونباس عام 2014). وفي هذا الصدد، يمكن مقارنة تصفية مجموعة المرتزقة «فاغنر»، التي تتمتع باستقلالية نسبية، والاغتيال المثير لزعيمها يفغيني بريغوجين في صيف 2023 بـ«مذبحة السكاكين الطويلة» في ألمانيا عام 1934.

إن الدعم الجماهيري للحرب لا يمكن ولا يجب التعبير عنه إلا في أشكال أقرتها السلطة بشكل صارم: الحفلات الموسيقية الوطنية و"فلاش موب"، أي التجمعات الخاطفة المنسقة، التي تنظمها السلطات. هذه التشكيلات الجماهيرية الاستعراضية لها نفس المعنى الذي كانت عليه قبل قرن، عندما كتب سيغفريد كراكاور (1889-1966) في زخرفة الجماهير: تفكك الفرد إلى عناصر جسدية منفصلة، التي تُدمج في عملية الإنتاج الرأسمالي وإعادة الإنتاج الأيديولوجي (13).

بعبارة أخرى، نحن نواجه ليس فقط نتائج تفكك المجتمع إلى ذرات، بل أيضًا تجزئة البشر أنفسهم إلى أجزاء، مدمجة في الآلة السياسية والاقتصادية وخاضعة لضبطها العقلاني. إن العقلانية التجارية، التي تهدف إلى تجزئة الشخصية البشرية، أي تشييئها، بالمعنى الذي يقصده جورج لوكاش (1885–1971)، قد وصلت إلى نهايتها المنطقية: فهي تمتد لتشمل تنظيم السياسة والمجتمع. إذا كانت الطبيعة البشرية تتمثل في النضال من أجل السيطرة على أقرانها، فإن طبيعة الدولة ستكون في تشكيل نفسها كجسم موحد (زينة من شظايا الأجساد)، «كيان» منخرط في صراع وجودي ضد «كيانات» أخرى. في عالم كهذا، تُختزل مفاهيم مثل الثقافة والسيادة إلى مجرد سمات لهذا الطابع الدولتي.

الدولة الفاشية ورأس المال

تظهر الفاشية هكذا كشكل جديد للدولة البرجوازية، قائم على اندماج مباشر بين جهاز الدولة ورأس الماللدرجة أنه يمكن القول إن رأس المال، في ظل الفاشية، يتخذ شكل الدولة. لم تعد الدولة تقوم بدور الحكم فوق المجتمع، ولا دور الوسيط بين المصالح الطبقية المختلفة (كما في البونابارتية الكلاسيكية): بل تصبح الأداة المباشرة لسيطرة صريحة.

بهذا المعنى كتب تروتسكي أن رأس المال «يمسك، بشكل مباشر وفوري، كملزمة فولاذية، بزمام جميع أجهزة ومؤسسات السيادة: السلطات التنفيذية، والإدارية والتعليمية للدولة». ويضيف أن جوهر الفاشية في ذاتها هو «تجريد البروليتاريا من كل شكل وبنية، وخلق نظام إداري يتغلغل بعمق في الجماهير يعمل على منع أي تبلور مستقل للبروليتاريا» (14).

يقدم الفقيه القانوني والسياسي الألماني فرانز نيومان (1900-1954)، في كتابه الشهير بيهموث (15)، تحليلاً مشابهاً للدولة الفاشية. بالنسبة له، الفاشية هي السلطة المباشرة لرأس المال، الذي لم يعد بحاجة إلى الدولة كقوة وسيطة. مستنداً إلى النظريات الماركسية للإمبريالية، يوضح نومان أن الانتقال إلى النازية كان محدداً بموقف الرأسمالية الألمانية، التي حُرمت من الأسواق الخارجية في عصر إعادة التقسيم الإمبريالي للعالم.

كان الاتجاه السائد في ألمانيا هو احتكار الصناعة وتحويل الغالبية العظمى من السكان إلى بروليتاريين يمكن حشدهم كجنود وكعمال. يؤكد نيومان أن رأس المال، في شكله النهائي، يندمج مع الدولة: فهو لم يعد بحاجة إلى التجارة الحرة ولا إلى سوق عمل حرة. لا يتم الابقاء على الشركات الضعيفة في حالة من المساواة الشكلية مع الشركات الكبرى: فالدولة تعتبرها غير فعالة وتعيد توزيع أصولها على الكارتلات (وتندرج مصادرة ممتلكات اليهود ضمن نفس المنطق). في ظل الفاشية، لم تعد الملكية مضمونة بموجب القانون بل بموجب الإجراء الإداري. بعبارة أخرى، لا يعتمد حق الملكية الخاصة على معيار مشترك، بل على قرار خاص من الحاكم. يختفي أي تمييز بين السياسي (الدولة) والاقتصادي (رأس المال)؛ ولم تعد المساواة القانونية الشكلية تخفي عدم المساواة الحقيقية في الحقوق التي تميز الرأسمالية.

وسمح التوظيف الكامل الذي أعلنه هتلر، وفقاً لنيومان، بحرمان العمال من أي حرية في الاختيار: فهم لا يتمتعون بحقوق جماعية ولا بحقوق فردية، ويجب أن يندمجوا في الوحدة العضوية لمقاولتهم. وهكذا تتحقق في الواقع العملي صيغة النازية القائلة بأن «السياسة فوق الاقتصاد»: يتجاوز رأس المال ضرورة الأسواق الحرة والمنافسة بتحويل الدولة إلى أداة لتوسعه الخاص. وبالتالي، فإن الفاشية تقيم علاقة جديدة بين رأس المال والدولة.

وبالطبع، لا يخلق هذا الاندماج تجانساً ولا هوية كاملة: بل يعني بالأحرى تطويع منطقهما ليتطابقا. لا يمكن القول، على سبيل المثال، إن المحرقة كانت «في مصلحة» رأس المال الألماني، لكنها اُديرت وفقاً لعقلانية تدبيرية رأسمالية، ومثلت الآلة الإنتاجية الرأسمالية في شكلها المتطرف والوحشيوهو ما حلله ببراعة عالم الاجتماع زيغمونت باومان (1925-2017) في الحداثة والمحرقة(خاتمة بقلم إنزو ترافيرسو، بروكسل، دار كومبليكس للنشر، سلسلة «كومبليكس بوش»، 2008).

الفاشية وأقاربها

من المذهل أن نرى إلى أي مدى يشبه تفسير نيومان للهتلرية «الاستبداد الرأسمالي» التي يتبناها عدد من أبرز المنظرين لتيار اليمين البديل في الولايات المتحدة مثل نيك لاند (1962) أو كورتيس يارفين (1973) (16. فـ«تسارع» الرأسمالية سيؤدي حتماً، حسب رأيهم، إلى تخلي الدول عن أي استقلالية للقانون والشرعية الديمقراطية. وستُستبدل الدولة الديمقراطية، بمساواتها الشكلية الزائفة بين الأقوياء والضعفاء، بـ«Gov-corp» (حكومة-مقاولة)، وهي مؤسسة هرمية يديرها مديرون حازوا على سلطة مطلقة عن طريق الانتقاء الطبيعي.

بالنسبة لنيك لاند، لن تنتج مثل هذه الدولة عن صراع سياسي ولا عن تشكل حركة جماهيرية، بل عن «تسارع» الاقتصاد الرأسمالي، الذي تدمر ديناميته جميع الأشكال السياسية وتتجاوزها. تبدو هذه اليوتوبيا الاستبدادية -التحررية، على نحو مفارق، كأنها الوجه الآخر لرأسمالية الدولة البوتينية: فهذه الأخيرة تستند إلى رابط لا ينفصم بين حقوق الملكية والسلطة السياسية، وإلى تصور راسخ بعمق للطابع الأرستقراطي، شبه طبقي صارم، لبيروقراطية الدولة (أجهزة الأمن في قمة الهرم).

إن التشابه الغريب بين رؤية العالم لدى رجالات الأجهزة السيادية (رجال الأجهزة والأجهزة الأمنية: الاستخبارات، الجيش، الشرطة) الذين وضعهم بوتين وتلك التي لدى معجبي نيك لاند في وادي السيليكون يصعب تفسيره بالتكوين الأيديولوجي أو القراءات المشتركة. فبينما يستشهد نيك لاند بتوماس هوبز (1588–1679) وجيل دولوز (1925–1995)، يستشهد بوتين بـ إيفان إيلين (1883–1954) أو فيودور دوستويفسكي (1821–1881). المراجع الفكرية ثانوية  هنا، ما يهم أكثر هو عقلانية فاشية، تم استبطانها عبر الممارسات الأيديولوجية اللاواعية للرأسمالية النيوليبرالية، وهي سمة مميزة لنوع الذاتية التي تنتجها.

لم تعد الفاشية المعاصرة بحاجة إلى حركات جماهيرية رجعية. لم تعد بحاجة إلى أساليب الحرب الأهلية لسحق الطبقة العاملة المنظمة وتحجيمها إلى حالة «عديمة الشكل والبنية» عن طريق العنف. جرى إنجاز هذا العمل إلى حد كبير خلال عقود التحول النيوليبرالي في الدول الغربية، وعن طريق إصلاحات السوق لــ«العلاج بالصدمة» في الدول ما بعد الاشتراكية في التسعينيات. كل ما كان يتطلبه الأمر هو «انقلاب» يأتي من الأعلى، يدفن نهائياً أي مشاركة ديمقراطية ويمنح رأس المال شكلاً من أشكال الدولة الديكتاتورية. فكما هو الشأن بالنسبة للفاشية القديمة، فإن فاشية القرن الحادي والعشرين هي تيار وُلد من رحم أزمة الرأسمالية العالمية.

في هذا الصدد، من المذهل أن نرى إلى أي مدى تتوافق البوتينية، التي ولدت من ظروف التحول في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، مع هذه الاتجاهات العالمية. فهي لا تحركها ديناميكية وطنية محددة. في أسلوبها الدعائي، يصعب العثور على شيء غير مألوف لأي ناخب من أنصار لوبين، أو مؤيد لأوربان، أو معجب بتاكر كارلسون: نفس النزعة العدوانية المناهضة للكونية؛ نفس الذعر حول «الأقليات»؛ نفس الدفاع عن «الأسرة التقليدية» و«القيم الروحية» ضد الليبرالية و«الماركسية الثقافية »؛ ونفس استغلال الكراهية تجاه «النخب» المجردة.

يبدو أن الفرق الأساسي الوحيد في البوتينية هو أنها قد حولت الدولة بالفعل إلى نظام فاشي للقرن الحادي والعشرين. وبهذا المعنى، فإنها لا تجدي نفعا تذكيرنا بالماضي بقدر ما تقوم بتحذيرنا من المستقبل. ولكن لماذا لقيت روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي هذا المصير وأصبحت هذا المثال المرعب؟ 

البوتينية: تاريخ موجز  لــ"تحول نحو الفاشية"

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما خرج فلاديمير بوتين لتوه منتصرا من اعادة انتخابه لولاية ثانية، كان كاتب هذه السطور يشارك بالفعل بنشاط في الحياة النضالية اليسارية في موسكو. كان أحد الشعارات الأكثر شعبية خلال المظاهرات العديدةالتي كانت السلطات لا تزال تتسامح معها في وسط العاصمةهو: «روسيا المتحدة، بلد فاشي!» (17) كان الشباب الاشتراكيون واللاسلطويون الذين يرددون هذا الشعار يعتبرونه كمبالغة ضرورية. في بداية عهد بوتين، كانت الحريات المدنية لا تزال موجودة، وكذلك وسائل الإعلام المستقلة، ومرشحو المعارضة، والنقابات التي تتمتع بحق الإضراب.

ومع ذلك، بدأ يبرز بالفعل مزيج خطير من توطيد السلطة الفردية، وتجريد الجماهير من الوعي السياسي، ونشر الآراء الشوفينية والعنصرية. كانت مسيرة بوتين السياسية وطبيعة شعبيته مرتبطتين منذ البداية بالحرب. في أواخر عام 1999، عندما عيّنه بوريس يلتسين (1931-2007) خليفةً له، كان الجيش الروسي قد بدأ بالفعل «عملية مكافحة الإرهاب» واسعة النطاق في الشيشان.

شكل فوز بوتين الساحق في الانتخابات الرئاسية في مارس 2000 ظهور ما أطلق عليه بعض المحللين المؤيدين للكرملين اسم «الأغلبية البوتينية» . وكانت المشاعر السائدة لدى هذه الأغلبية هي الإحباط والتعب والخوف: الإحباط من الديمقراطية، المرتبط بالتقلبات السياسية والاجتماعية؛ والتعب من الفقر وانعدام الأمن الاقتصادي؛ والخوف الذي غذته وسائل الإعلام من تهديد إرهابي يُنسب إلى «المتطرفين الإسلاميين»، ممزوجًا بالعداء تجاه «الآخرين» من القوقاز الذين "يملأون مدننا".

ومن الملفت للنظر أن هذه العقلية الداعية إلى الالتفاف حول الراية  لم تكن موجهة ضد الغرب. بل على العكس، قدم بوتين العملية الشيشانية كجزء لا يتجزأ من الحملة الصليبية ضد «الإرهاب الدولي» التي أطلقها جورج دبليو بوش بعد 11 سبتمبر. كانت سياسته الداخلية تشبه بشكل مدهش مشروع المحافظين الجدد في الغرب: خصخصة شرسة للقطاع العام، وإصلاحات نيوليبرالية للقانون، مقترنة بتعزيز الرقابة البوليسية وخطاب قومي عن «الوحدة الوطنية». شهدت السنوات الأولى من حكم بوتين اعتماد قانون شغل جديد يحد بشكل كبير من حقوق العمال، وقانون إسكان جديد يسهل خصخصة الفضاءات الحضرية، وضريبة جزافية بنسبة 13٪ حولت روسيا إلى جنة للشركات الكبرى.

في الوقت نفسه، سمح الارتفاع المذهل في أسعار النفط بزيادة الأجور والمعاشات مع الحفاظ على ميزانية متوازنة. ومن هنا تم إرساء أسس المزيج المتناقض بين النيوليبرالية ورأسمالية الدولة، الذي يميز مشروع بوتين (18). وضع النظام تدريجياً الشركات المربحة المرتبطة بالموارد الطبيعية تحت سيطرة الدولة المباشرة أو غير المباشرة، مع إخضاع القطاع العام (التعليم والصحة) لتقشف نيوليبرالي دائم.

في عهد بوتين، فقد «الأوليغارشيون» – أصحاب الشركات الضخمة التي تم شراؤها بأسعار زهيدة خلال عمليات الخصخصة في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتيالنفوذ السياسي المباشر الذي كان لديهم في عهد يلتسين. لكنهم اكتسبوا إمكانيات هائلة للاستحواذ على شركات أخرى عبر الخصخصة المستمرة والحصول على عقود مربحة مع الدولة. أعاد النظام، مدعومًا بـ«الأغلبية البوتينية» الافتراضية، إليهم الشرعية التي فقدوها في التسعينيات. في عهد يلتسين، كانت الفكرة السائدة هي أن الخصخصة غير عادلة وإجرامية. مع الانتعاش الاقتصادي، قدم النظام البوتيني هذا النهب على أنه «صفحة طُويت»، محذرًا من أن أي مراجعة ستؤدي إلى الفوضى الاجتماعية وتفكك البلاد.

حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان البوتينية قائمة على تجريد الجماهير من الوعي السياسي، مقترنا بزيادة الاستهلاك، ومتعة «الاستقرار»، واعادة التركيز على الحياة الخاصة. خلال تلك الفترة، لم يظهر النظام باعتباره محافظاً بقدر ما ظهر باعتباره «ما بعد السياسة» (بالمعنى الذي يقصده جاك رانسيير): إدارة بحتة، تتعارض فعاليتها مع المشاعر السياسية وشعارات الديماغوجيين في الشوارع. في هذه الأجواء، في عام 2008، في نهاية ولايتي بوتين الأوليين، انتُخب ديمتري ميدفيديفشخصية عاديةرئيساً بناءً على توصية به من قبل «الأغلبية البوتينية» نفسها . فما أهمية اسم الرئيس إذا كان أسلوب الإدارة هو نفسه؟ 

الأزمة المالية العالمية، المقاومات والمنعطف الفاشي

تغير كل شيء في نهاية عام 2011، عندما أعلن بوتين عن نيته العودة إلى الرئاسة. شكل ذلك منعطفًا نحو سلطة فردية صريحة. في أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012، هزت شوارع موسكو ومدن كبرى أخرى عشرات الآلاف من المتظاهرين والمتظاهرات اللواتي والذين نددوا بالتزوير الانتخابي لصالح حزب «روسيا المتحدة» وانتقدوا استبداد النظام. كانت هذه التعبئات تعيد النظر في النموذج التكنوقراطي ونموذج «ما بعد السياسية" (19) .

رداً على ذلك، أطلق بوتين عملية «تحول فاشي». فقد اختلفت حملته الانتخابية لعام 2012 عن سابقاتها: تم تصوير المظاهرات على أنها مناورات لأعداء خارجيين وداخليين يسعون إلى تقويض الوحدة الوطنية وفرض قيم أجنبية. تظاهر بوتين بأنه مدافع عن «الأسرة التقليدية»، في حين تم رفع كراهية المثليين والسلطة الأبوية إلى مرتبة أيديولوجية الدولة. أعيد تشكيل «الأغلبية البوتينية» لتصبح «أغلبية محافظة صامتة»، توحدها عقيدة مسيحية مشتركة والولاء للأمة الروسية.

على الرغم من إعادة انتخابه وسحقه للاحتجاجات، استمر بوتين في فقدان دعم الجماهير. كان من الممكن أن تتضافر المطالب الديمقراطية (الحقوق المدنية، والانتخابات النزيهة) التي رفعتها المعارضة الليبرالية مع تجربة الفقر المتزايدة وعدم المساواة. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أفسح النمو الروسي، الذي أضعفته أزمة عام 2008، المجال للركود وانخفاض مستويات المعيشة.

في هذا السياق، رأى بوتين في حركة «يورومايدان» في كييف عام 2014 تهديداً مباشراً: فقد بدا له أن تغيير السلطة الذي تم انتزاعه من خلال التعبئة في الشوارع في أوكرانيا يمثل سابقة قد تكون معدية. ونظراً للقرب الجغرافي والروابط التاريخية والاهتمام الإعلامي، كان هذا السيناريو، في نظره، يهدد بتقديم مثال ملموس للمجتمع الروسي على الإطاحة بنظام يعتبر لا شرعيا. لذلك رد بتصعيد عدوانيضم شبه جزيرة القرم ثم التدخل في شرق أوكرانيافي آن واحد لإعادة تأكيد الهيمنة الروسية في «الخارج القريب» ولتعزيز منطق «القلعة المحاصرة». ومنذ ذلك الحين، أصبحت السياسة الخارجية والسياسة الداخلية متلازمتين: تستخدم واحدة لإحكام القبضة على الأخرى.

شكل ضم شبه جزيرة القرم والتدخل العسكري في شرق أوكرانيا منعطفا في تحول النظام. تم استعادة الشرعية المهزوزة للبوتينية من خلال الحرب والانتقال التدريجي إلى سياسة «القلعة المحاصرة ». حل«الإجماع القرمي» محل «الأغلبية المحافظة الصامتة» في البناء الأيديولوجي البوتيني: وهو توافق سلبي، واسع الانتشار، مع المغامرات الجيوسياسية للنظام. كل من عبر عن معارضته لهذا الإمبريالية كان يُنعت بـ«خائن الأمة». عندئذ، أفسحت السياسة الداخلية المجال للسياسة الخارجية: لم يكن من حق أحد أن يتصرف سوى الزعيم الوطني والقائد الأعلى، بينما انحصرت الواجبات المدنية للآخرين في تقديم الدعم السلبي له.

لكن «الإجماع القرمي» لم يدم طويلا. منذ عام 2017، ظهرت موجة جديدة من التسييس في روسيا، واتخذت أشكالا متنوعة: مظاهرات في الشوارع ضد الفساد بمبادرة من الليبرالي الشعبوي أليكسي نافالني؛ استياء جماهيري من إصلاح نيوليبرالي لنظام التقاعد؛ حركات قوية للدفاع عن البيئة؛ نضالات للحفاظ على استقلالية السلطة المحلية في المناطق. بكل تنوعها، طرحت هذه التعبئات مسألة التفاوتات الاجتماعية بشكل أوضح بكثير مما كان عليه الحال في عام 2011. لم يعد القمع والخطاب الجيوسياسي كافيين للنظام لضمان رقابة كاملة على المجتمع: كان عليه خوض حرب حقيقية.

نرى أن البوتينية، مستندة إلى أغلبية افتراضية غير سياسية (يُعاد تعريف مضمونها باستمرار من الأعلى)، انزلقت نحو الفاشية في محاولة لحل أزمتها الهيكلية، وقمع التحديات الداخلية والخارجية. فكلما كان التحدي جديًا، زاد خطر كشفه للتناقضات بين النخبة الرأسمالية والطبقة العاملة المُفقرة. وللحفاظ على نفسه، دُفع النظام نحو اتخاذ تدابير أكثر جذرية وذات نزعة فاشية.

النظام يسود في موسكو

إذا كانت الشكل الأول «التكنوقراطي» للبوتينية يتمتع بقاعدة انتخابية سلبية في بيروقراطية الدولة، والمقاولات الصغيرة وبعض الفصائل المذررة من الطبقة العاملة، فإن شكله النهائي يُظهر سلطة عارية: تفرض الدولة نظامًا قائمًا على عدم مساواة طبقية عنيفة. في الوضع الحالي، تدعم الطبقة الوسطى إلى حد كبير الخطاب الشوفيني المعادي لأوكرانيا، لكنها لا ترسل أبناءها إلى الجيش. تأتي معظم القوات الروسية في أوكرانيا من العمال الفقراء في الأقاليم والعاطلين عن العمل، الذين يمثل التجنيد بالنسبة لهم أحيانًا الفرصة الوحيدة للحصول على وظيفة براتب لائق.

في أوائل ربيع عام 2022، لم يستغرق النظام سوى بضعة أسابيع لفرض نظام سياسي جديد بعد غزو أوكرانياوبضراوة شديدة.

تم قمع مظاهرات مناهضة للحرب سيئة التنظيم بوحشية لم يسبق لها مثيل: تم اعتقال ومعاقبة أكثر من 16 ألف شخص خلال فصل الربيع. تم فرض رقابة عسكرية، مع عقوبات تصل إلى خمسة عشر عامًا من السجن. أصبحت أي معارضة علنية للغزو جريمةليس فقط التجمعات، بل أيضًا أي رسالة على شبكات التواصل الاجتماعي أو تعليق في مكان العمل. لا يزال القمع انتقائياً لكنه يشتد، وأحدث بالفعل تأثيراً ترهيبيّاً عامّاً.

إن الدعم الجماهيري للحرب، كما يظهر في استطلاعات الرأي التي تجريها في الغالب معاهد خاضعة لسيطرة الكرملين، له طابع استعراضي وقسري. يُنظر إلى الأجوبة على أنها بادرة ولاء تتيح الحفاظ على أمن الحياة الخاصة. من الصعب تحديد مدى استقرار هذه الوضعية. سيكون انخفاض مستوى المعيشة بسبب العقوبات والنفقات العسكرية، فضلاً عن حجم الخسائرالتي ظلت مخفية لفترة طويلةعوامل تسبب السخط. لهذا السبب، من المرجح أن تكون الحرب، بشكل أو بآخر، شرطاً لوجود النظاموربما سبباً لانهياره.

ومع ذلك، يمكن القول اليوم إن نظام بوتين قد شهد، على مدى أكثر من عشرين عاماً، تطوراً تدريجياً: من الاستبداد النيوليبرالي غير المسيس إلى ديكتاتورية وحشية. إنه تطور غريب ينبع منالوضع الطبيعيلمجتمع رأسمالي عندما يواجه أزمة اقتصادية، وتفاوتاً اجتماعياً هائلاً، ونظاماً قائما على القمع الداخلي والحرب الإمبريالية الخارجية. هذا هو الجانبالطبيعيوالمألوف في نظام بوتين: سلبية المجتمع وتفككه، والخطاب الرجعي المعادي للكونية، كل ذلك مضاعفاً بالعقلانية الساخرة للنخب. يجب وصفه صراحةً بأنه نظام فاشي، ليس فقط لأنه يتطابق مع هذا التعريف، بل أيضًا حتى تدرك الحركات التحررية الحالية حجم التهديد العالمي الذي يحدق بمستقبلنا المشترك.

27 أكتوبر 2022

1) فلاديمير بوتين، «خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المنتدى الاقتصادي الدولي في سانت بطرسبرغ» (ترجمة فرنسية)، 17 يونيو 2022، وزارة الشؤون الخارجية لروسيا (الموقع الفرنسي). https://france.mid.ru/fr/presse/vladimir_poutine_au_forum_conomique_/

2) فلاديمير بوتين، « النصر الروسي في الحرب العالمية الأولى سُرق »، كوميرسانت، 1 أغسطس 2014. https://www.kommersant.ru/doc/2537963

3) بيير-أندريه تاغييف، « المناقشة أم محاكم التفتيش: حالة آلان دي بينوا »، Telos، الأعداد 98-99، 1993-1994، ص. 34-54.

4) تيموثي سنايدر، « يجب أن نقولها. روسيا فاشية »، The New York Times، 19 مايو 2022.

5) غريغوري غولوسوف، «روسيا فاشية؟»، Riddle، 30 مايو 2022. https://ridl.io/fascist-russia/

6) روبرت باكستون، الفاشية في النشاط (باريس: Seuil، 2004).

7) باكستون، المرجع نفسه.

8) ألكسندر ج. موتيل،روسيا بوتين كنظام سياسي فاشي، دراسات شيوعية وما بعد شيوعية، المجلد 49، العدد 1، 2016، ص. 25-36.

9) موريس ميرلو-بونتي، مغامرات الديالكتيك (باريس: غاليمارد، 1955)، الفصل «سارتر والبلشفية المتطرفة».

10) كارل بولاني، التحول الكبير. الأصول السياسية والاقتصادية لعصرنا (باريس: غاليمار، 1983). انظر أيضًا جيروم موكورانت، «مقتطفات من هل قرأت بولاني؟خاتمة»، Contretemps، 29 أكتوبر 2011. https://www.contretemps.eu/bonnes-feuilles-de-avez-vous-lu-polanyi-de-j…

11) هانا أرندت، أصول الشمولية، المجلد 3: النظام الشمولي، باريس، سويل، سلسلة «بوينت/مقالات»، 2005.

12) والتر بنجامين، « العمل الفني في عصر قابليته للتكرار التقني »، في العمل الفني في عصر قابليته للتكرار التقني، باريس، غاليمارد، سلسلة « فوليو بلس فلسفة »، 2008.

13) زيغفريد كراكاور، زخرفة الجماهير. مقالات عن الحداثة الوييمارية (باريس: لا ديكوفرت، 2008).

14) ليون تروتسكي، «كيف انتصر موسوليني؟» (النسخة الفرنسية على الإنترنت).

15) فرانز نيومان، بيهموت. بنية وممارسة الاشتراكية القومية، باريس، بايو، 1987.

16) نيك لاند، « الاضواء السوداء »، Divergences، الجزء 1، 14 أكتوبر 2025، والجزء 2، 2 سبتمبر 2025. https://divergences.be/spip.php?article4130= ؛ https://divergences.be/spip.php?article4132=

17) روسيا المتحدة (Edinaïa Rossiïa) هي الحزب الرئيسي المؤيد للكرملين، والذي غالبًا ما يُصوَّر على أنه حزب النظام؛ وقد تأسس في 1 ديسمبر 2001 من خلال اندماج عدة حركات وأحزاب مؤيدة للكرملين.

18) إيليا ماتفييف، ”Russia Inc.“، openDemocracy، 16 مارس 2016. https://www.opendemocracy.net/en/odr/russia-inc/

19) ”The Weakest Link of Managed Democracy: How the Parliament Gave Birth to Nonparliamentary Politics“ [« الحلقة الأضعف في الديمقراطية الموجهة: كيف أدى البرلمان إلى ظهور سياسة خارج البرلمان »]، South Atlantic Quarterly، المجلد 113، العدد 1، 2014، ص. 169-185.