مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

خُدعة مُناهضة الاستعمار: الكرملين في أفريقيا

بقلم ساشا فوكينا
فلاديمير بوتين يلتقي إبراهيم تراوري، زعيم المجلس العسكري في بوركينا فاسو، خلال قمة روسيا-أفريقيا التي عُقدت في يوليو 2023. الصورة: AFP Getty Images
numéro

من بين المفاهيم العديدة المنبثقة عن الحرب الباردة، لا يزال مفهوم الاصطفافية ذا راهنية ملفتة في عالم اليوم الذي يتسم باستقطاب متزايد. وهو يقدم السياسة العالمية باعتبارها مواجهة بين معسكرين: من جهة، الغرب الإمبريالي، باعتباره المصدر الرئيسي للاستغلال وعدم الاستقرار العالميين، والذي يواجه، من جهة أخرى، خصومه المزعومين المناهضين للإمبريالية. وبالتالي، فإن مفهوم الاصطفافية يصف نزعة تقوم على دعم أي قوة تعارض الإمبريالية الغربية وحلفاءها، بغض النظر عن طبيعتها الرجعية أو الافتراسية أو حتى الإمبريالية.

في حالة روسيا، عادت هذه الذهنية إلى الظهور مجددا بشكل أكثر وضوخا بعد الغزو واسع النطاق لأوكرانيا في عام 2022. بينما كانت موسكو تشن هجومها على دولة مستقلة وترتكب جرائم استعمارية منهجية، سواء على خطوط القتال (1) أو في الأراضي المحتلة، (2) اختار البعض تجاهل هذه الفظائع، مبرّرين ذلك بأن توسع حلف الشمال الأطلسي لم يترك أي خيار آخر للكرملين.

في الوقت الذي يقمع فيه الكرملين بشكل متزايد حقوق الشعوب الأصلية في روسيا (3) ويكثف اضطهاد أصوات المعارضةلا سيما اليسارية (4) – فإن المنطق الاصطفافي يفصل الجغرافيا السياسية عن العلاقات الاجتماعية الداخلية (5). وفي روسيا المعاصرة، يزداد هذا الفصل حدة. فبينما تدعي موسكو التحدث باسم الجنوب العالمي، فإنها توسع طموحاتها الإمبريالية إلى ما وراء حدودها، لتطال ليس فقط الدول المستقلة المجاورة مثل أوكرانيا وجورجيا، بل أيضاً مناطق أبعد.

وسعيا لتقديم صورة مُناهِضة للإمبريالية، تستهدف روسيا بشكل متزايد البلدان الأفريقية، التي لا تزال تخضع لسيطرة استعمارية جديدة، تتسم بالتنافس بين القوى العالمية والإقليمية. وغالباً ما يُقدَّم التحالف مع موسكو، التي يُفترض أنها معادية للغرب، على أنه وسيلة لمقاومة الطموحات التوسعية للقوى الاستعمارية السابقة؛ فهو يتيح، وفقاً لهذا الخطاب، ضمان الاستقرار والنمو الاقتصادي للقارة. ومع ذلك، يكشف الواقع الفعلي للتدخل الروسي في أفريقيا شيئا آخر: فالخطاب المناهض للاستعمار لا يكفي وحده لتبرير هذا الانحياز، ناهيك عن تحقيق تحرر حقيقي للشعوب الأفريقية.

قصص الحرب الباردة

خلال الحرب الباردة، لعب الاتحاد السوفيتي، مدفوعاً بتنافسه مع الكتلة الرأسمالية الغربية، دوراً بارزاً في حركات التحرر من الاستعمار في العديد من البلدان الأفريقية. فقد وفر موارد أساسية لنضالات التحرر: أسلحة، ودعم اقتصادي، وثقافة أيديولوجية. في الوقت نفسه، درس عشرات الآلاف من الطلاب من جميع أنحاء أفريقيا في الاتحاد السوفيتي وبلدان أخرى من الكتلة الشرقية، مما عزز أكثر جاذبية المشروع السوفيتي ونفوذه. (6)

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تراجع حضور موسكو في أفريقيا بشكل كبير، حيث واجهت الدولة الروسية الجديدة أزمات داخلية. لكن بين منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين والعقد الثاني، بدأ الكرملين تدريجياً في إعادة توطيد العلاقات مع شركائه السابقين في القارة. وأصبحت عودته إلى أفريقيا موضوعاً مركزياً للنقاش العام في عام 2019، عندما استضافت روسيا أول منتدى روسي-أفريقي في سوتشي. في تلك المناسبة، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين عن افتتاح «صفحة جديدة» في العلاقات الروسية-الأفريقية (7). وقد غطت وسائل الإعلام الغربية الحدث على نطاق واسع، ونشرت عناوين مثل «قد أنهى بوتين للتو جولته الشرفية في الشرق الأوسط، وهو يتجه الآن نحو أفريقيا» و«القمة الروسية-الأفريقية، دليل على طموح موسكو في المنطقة» (8). ففي مواجهة العزلة المتزايدة في الدول الغربية ورغبةً في الظهور كقوة عظمى حقيقية، بدأ الكرملين في تعزيز نفوذه بنشاط في بلدان الجنوب العالمي، ولا سيما في أفريقيا.

أدوات تقليدية تعتمد على القوة الغاشمة

منذ عام 2019، اتسع نطاق تعاون روسيا مع الدول الأفريقية بشكل ملحوظ: فقد عمقت موسكو علاقاتها مع شركائها التاريخيين. كما وسعت روسيا شبكتها لتشمل الأنظمة الجديدة التي تواجه عزلة إقليمية ودولية، وكذلك الأنظمة غير المنحازة التي تسعى إلى تنويع شراكاتها.

على الصعيد الاقتصادي، لا يزال حضور موسكو في أفريقيا محدوداً: فروسيا ببساطة لا تملك الموارد المالية اللازمة لمنافسة الفاعلين الإقليميين الآخرين. ومع ذلك، أشادت وسائل الإعلام الروسية بالقيمة القياسية التاريخية الإجمالية للتبادل التجاري بين موسكو والدول الأفريقية، التي بلغت ما يقرب من 28 مليار دولار في عام 2025 (9). ومع ذلك، يتجاوز هذا الرقم 300 مليار دولار بالنسبة للصين والاتحاد الأوروبي، في حين تجاوز الرقم الخاص بالولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والهند 100 مليار دولار لكل منها (10). ومع ذلك، نجحت روسيا في احتلال مكانة اقتصادية متميزة من خلال تصدير مشاريع الطاقة النووية. وفي الوقت الذي يزداد فيه الطلب على الطاقة مع تزايد عدد السكان، تقدم موسكو خبرتها في هذا المجال، بالإضافة إلى تدريب الكوادر المستقبلية والوقود النووي اللازم لتشغيل هذه المشاريع على المدى الطويل (11).

ويتعلق بُعد آخر للتأثير الاقتصادي الاستراتيجي لروسيا في المنطقة بالأمن الغذائي. في عام 2025، أكدت وكالة أكروإكسبور(Agroexport) الروسية المعنية بالصادرات الزراعية أن موسكو أصبحت أول مورد للحبوب في أفريقيا، حيث تمثل ثلث سوق القمح في القارة (12). في المجموع، تصدر روسيا إجمالا الحبوب إلى حوالي أربعين دولة أفريقية، حيث زاد الطلب من الجزائر وليبيا وكينيا والمغرب وتونس وتنزانيا بشكل كبير في السنوات الأخيرة. في ظل سياق اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار- الذي يعزى جزئياً إلى الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا، فضلاً عن الصدمات المناخية والآثار المستمرة للوباء- اتهمت بعض الحكومات الأفريقية الكرملين باستغلال هذه التبعية لأغراض الضغط السياسي (13).

لكن صادرات الأسلحة هي في الأساس الدعامة الأساسية للحضور الروسي في المنطقة. ففي يناير، أكدت شركة روسوبورو إكسبورت(Rosoboronexport) - الوكالة الروسية المسؤولة عن المبيعات العسكرية - أن صادراتها إلى الدول الأفريقية قد وصلت إلى المستوى الذي كانت عليه في حقبة الحرب الباردة، عندما كان الاتحاد السوفيتي يوفر 40% من إمدادات القارة (14). لا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين ما إذا كان هذا يعكس الواقع أم أنه مجرد أمنيات الكرملين، بالنظر إلى محدودية قدرات روسيا على تصدير الأسلحة، في ظل حربها على أوكرانيا. ومع ذلك، تظل موسكو لاعباً أساسياً في سوق الأسلحة بالقارة. وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام(SIPRI)، استحوذت روسيا بين عامي 2020 و2024 على 21% من واردات أفريقيا من الأسلحة الثقيلة، متقدمةً بذلك على الصين (18%) والولايات المتحدة(16%). (15)

«حضور عسكري بوجه إنساني»

بالإضافة إلى صادراتها من الأسلحة التقليدية، تزود روسيا شركاءها الأفارقة منذ سنوات بخدمات شركة «فاغنر» العسكرية الخاصة. وقد تم الآن دمجمجموعة فاغنررسمياً في وزارة الدفاع الروسية وتغيير اسمها إلى «فيلق أفريقيا»  (ربما في إشارة إلىأفريكا كوربسالألمانية خلال الحرب العالمية الثانية)، عقب وفاة مؤسس الشركة العسكرية الخاصة، يفغيني بريغوزين، في عام 2023 (16).

تتجاوز الخدمات التي يقدمهاالمدربون العسكريونالروس - وهو مصطلح غامض يشير في الواقع إلى المرتزقة - خدمات الأمن المعتادة. وهي تشمل أيضًا المشورة السياسية، حول مواضيع تمتد من حملات التضليل (وتنظيم المظاهرات المزيفة)، إلى إدارة العقود المربحة والاستخراجية في مجموعة كاملة من القطاعات (مثل الذهب، والمعادن الأخرى، أو الخشب). (17)

وتعد جمهورية أفريقيا الوسطى (RCA) مثالاً نموذجياً على ذلك: فقد كان رئيسها، فوستين-أرشانج تواديرا، أول زعيم أفريقي يرحب علناً بالشركة العسكرية الروسية الخاصة منذ عام 2018. رسمياً، دعا الزعيم الأفريقي «مدربين روساً» لدعم الجيش الوطني في حربه ضد المتمردين المحليين. لكن في الواقع، أصبحوا الضامنين لبقاء تواديرا نفسه في السلطة. على سبيل المثال، دعموا الاستفتاء الدستوري لعام 2023، الذي سمحت نتائجه للرئيس بالبقاء في السلطة لولاية غير محدودة (18). حالياً، يروج «المستشارون السياسيون» في جمهورية أفريقيا الوسطى لقانون بشأن العملاء الأجانب: وهو آلية القمع الرئيسية للكرملين، التي يستخدمها ضد معارضيه منذ 15 عاماً، ويصدرها بذلك إلى الأنظمة الاستبدادية الحليفة التي تشهد تراجعاً (19). كما تشن المنظمات المدعومة من روسيا حملات عدوانية على شبكات التواصل الاجتماعي في جمهورية أفريقيا الوسطى، لترهيب منتقدي النظام (20). بل تلمّح مصادر لوكالة فرانس برس إلى أن القوات الروسية قد تتعقب معارضي-ات الرئيس باستخدام طائرات بدون طيار (21).

في تقارير واردة من بلدان أخرى شهدت وجود مدربين عسكريين روس، اتهمهم مدنيون بـالقتل والتعذيب والعنف الجنسي (22). وتزخر قنوات تيلغرام السابقة التابعة لفاغنر بأدلة على عمليات إعدام منهجية وتمثيل بالجثث، لا سيما في مالي (23). هذا ما تسميه الدعاية الروسية «حضوراً عسكرياً بوجه إنساني» (24).

علاوة على ذلك، تشير تقارير حديثة إلى أن شباناً أفارقة سافروا إلى روسيا للدراسة أو لشغل ما اعتقدوا أنه وظائف مدنية ذات رواتب جيدة، يتم إرسالهم في الواقع إلى الجبهة في أوكرانيا (25). تعتبرهم موسكو مصدراً للعمالة الرخيصة، لا غنى عنها لدعم جهودها الحربية. وبإجبارهم في الغالب على توقيع عقود بلغة لا يفهمونها، تم استخدام آلاف الأشخاص من 36 دولة أفريقية على الأقل كوقود بشري للحرب على الجبهة. وقد أحصى تحقيق أجرته منظمة INPACT أكثر من 1400 أفريقي جندتهم روسيا، لكن تقارير أخرى تشير إلى أرقام أعلى (26). في الأشهر التي أعقبت وصولهم، يُقال إن أكثر من 300 منهم قُتلوا. أما الناجون، فغالباً ما لا يتلقون أي تعويض مالي، ويواجهون عنصرية قادتهم، ويجدون صعوبة في مغادرة البلاد. في غياب الرقابة الدولية، أنشأ الكرملين بالفعل شبكة عابرة للحدود للاتجار بالبشر، وهو نظام استغلال يستفيد من الهشاشة الاقتصادية لأولئك الذين يدعي دعمهم في نضالهم المناهض للاستعمار.

«مناهضة الاستعمار الزائفة»

يبدو أن مثل هذه العمليات الهجينة تناسب تماماً الأنظمة الاستبدادية المضطربة التي تُعد من بين الشركاء التاريخيين لموسكو، وكذلك الأنظمة الناشئة التي تكون خياراتها للشركاء محدودة. على سبيل المثال، تعتمد الانقلابات في منطقة الساحلأنظمة مالي وبوركينا فاسو والنيجربشكل كبير على المشاعر المناهضة للاستعمار لدى السكان. ومن البديهي إن هذه المشاعر تنبع من استغلال فعلي دام لقرون، حيث كانت فرنسا لا تزال تشن عمليات عسكرية في المنطقة حتى وقت قريب (27). وتستشهد الأنظمة الناشئة بهذا الظلم التاريخي وترفض التعاون مع القوى الاستعمارية السابقة. لكنها عادة ما تنتهي باللجوء إلى روسيا (28).

يغتنم الكرملين أولاً الفرصة لترويج صورة تخدم مصالحه. وفقاً لنظريات المؤامرة التي يروج لها الكرملين، فإن الولايات المتحدة تدير مختبرات بيولوجية في جميع أنحاء القارة، وتقوم الشركات الغربية بإنتاج لقاحات قاتلة (29). يستقطب الكرملين دول الجنوب من خلال تقديم مجموعة بريكس (BRICS) على أنها مشروع يقاوم الهيمنة الأمريكية. ويشجب بوتين بشكل صريح التاريخ «المخزي» للاستعمار الغربي ويدعو بلا كلل إلى إقامة دولة فلسطينية. (30)

تساعد أجهزة دعائية متنوعة الكرملين في نشر هذه الروايات: سبوتنيك أفريكا، وRT، وTASS، بالإضافة إلى وكالة الأنباء المبادرة الأفرقية(African Initiative) التي أنشئت مؤخرًا. ويُترجم محتواها إلى جميع اللغات الرئيسية المستخدمة في القارة. ويضم طاقمها أعضاء من الشبكة السابقة لشركات فاغنر العسكرية الخاصة. وتدار وكالة الأنباء "المبادرة الأفريقية" من قبل تدير أرتيوم كورييف. إذ تشير التقارير إلى أنه عميل فيالمديرية الخامسةالمسؤولة عن الشؤون الخارجية في جهاز الاستخبارات الداخلي الروسي(FSB). (31)

في البلدان التي ترسخ فيها النفوذ الروسي بالفعل، أُسندت حملات الدعاية الهادفة إلى تشكيل الرأي العام على الأرض إلى منظمات محلية وشخصيات مؤثرة. خلال المنتدى الروسي-الأفريقي الثاني، أشاد رئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، بدعم موسكو للسيادة الأفريقية، بل وقارن التاريخ الحديث لروسيا بتاريخ البلدان الأفريقية، واصفاً كلاهما بـ«شعوب العالم المنسية» (32). وعلى مستوى أكثر تواضعاً، قامت منظمة غير حكومية إيفوارية تابعة لروسيا، تسمى «الدعم الكامل لفلاديمير بوتين في أفريقيا»، حتى بإطلاق جائزة دولية باسمه (33)، تكريماً لما وصفه مؤسس المنظمة بـ«عمل بوتين التحريري لأفريقيا» (34). من ناحية أخرى، تنظم وكالة الأنباء "المبادرة الأفريقية" رحلات صحفية إلى الأراضي الأوكرانية المحتلة، حيث يتحدث مدونون من أنظمة الحكم في منطقة الساحل عن «إعادة بناء مناطق جديدة» ويتلقون تدريباً على إدارة حملات إعلامية (35).

ضد الاصطفافية

كما هو مذكور أعلاه، فإن وجود روسيا في أفريقيا لا علاقة له بتحرير السكان المحليين، بل يهدف اساسا إلى دعم الأنظمة الحليفة. وتسلط جرائم الحرب، والاستخراجية، وتعزيز الأنظمة الاستبدادية الضوء على الدوافع الحقيقية لعودة الكرملين إلى القارةوهي دوافع لا تختلف كثيراً عن دوافع القوى الاستعمارية الجديدة الأخرى.

تظل العديد من الأسئلة مطروحة: هل تنجح هذه «المناهضة المزعومة للاستعمار»، المدعومة بجهود دعائية وحملات تضليل، في إقناع أي أحد؟ هل المظاهرات التي تظهر حشوداً ترفع الأعلام الروسية وأعلام فاغنر (36) مُدبَّرة أم أن هناك دعماً حقيقياً لروسيا في أفريقيا؟ هل تدرك غالبية الشعوب التأثير الذي تمارسه روسيا على حكوماتها وانتخاباتها واقتصاداتها؟ توفر البيانات السوسيولوجية العامة معلومات محدودة: تُظهر الطبعة الأخيرة من دراسة «أفروبارومتر» تباينات كبيرة من بلد إلى آخر (37). في مالي، أحد الشركاء الجدد الأساسيين لموسكو، ارتفعت النظرة الإيجابية للجمهور تجاه النفوذ الاقتصادي والسياسي لروسيا من 56% في الفترة ما بين 2019-2021 إلى 88% في الفترة ما بين 2023-2025. في الوقت نفسه، في غينياالتي ليست غريبة عن الأنشطة التجارية لروسيا (38) —، تراجعت النظرة الإيجابية للنفوذ الروسي من 63٪ إلى 49٪ خلال السنوات المذكورة. وفي الوقت نفسه، فإن متوسط النظرة الإيجابية لروسيا في أفريقيا(36%) أقل من ذلك الخاص بالصين (62٪)، والولايات المتحدة (52٪)، والاتحاد الأوروبي (50٪)، أو الهند(39%). (39)

لا تزال نتائج المعركة التي يخوضها الكرملين لكسب القلوب والعقول على أرض الواقع متباينة، على الرغم من أنه من الواضح أن بعض المجموعات تستفيد من وجوده. وفي الوقت نفسه، يبدو أن موسكو تأخذ المنافسة بين القوى العظمى في المنطقة على محمل الجد. ويتجلى ذلك في العدد المتزايد لمؤسسات القوة الناعمة التابعة للكرملين (مثل دار روسيا (40))، وتعزيز وجودها في مجال الأمن، واستثماراتها في مشاريع البنية التحتية طويلة الأمد.

من منظور عالمي، يبدو أن استغلال الكرملين الساخر للخطاب المناهض للاستعمار- بما في ذلك جهوده المزعومة لـ«تحرير» المجتمعات الأفريقية - قد لاقى نجاحاً محدوداً ولكنه ملحوظ لدى بعض شرائح اليسار. وإلى جانب الدعاة المرتبطين بالكرملين (41)، يلقى هذا الموقف صدى لدى المعلقين المعادين للفكر النقدي والمؤثرين عبر الإنترنت، وكذلك لدى الأحزاب السياسية (مثل الحزب الشيوعي الألماني)، الذين يدينون الإمبريالية الغربية بينما يتجاهلون الطبيعة المعادية للديمقراطية والرجعية لخصومها الجيوسياسيين. وفي هذا السياق، غالبًا ما يُستشهد بأنشطة روسيا في أفريقيا كدليل يدعم هذه الآراء.

هذا المنطق ليس فقط ذو نزعة غربية المركز بشكل عميق - من منظور اصطفافي، يُنظر إلى الغرب وحده على أنه العدو القادر على ارتكاب فظائع - بل هو أيضًا خطير تمامًا. فهو يعرض للخطر النضالات التقدمية ضد الأنظمة التي تقدم نفسها على أنها خصوم للغرب، سواء في روسيا أو إيران أو فنزويلا. في غضون ذلك، وعلى الرغم من انتمائها الظاهري إلى معسكرين متعارضين، تواصل النخب المحافظة في كل من روسيا والولايات المتحدة السعي وراء مصالح مشتركة، من خلال التآمر عبر أمميتهم الفاشية (43) ومصافحة بعضهما البعض في ألاسكا (44). في النظام العالمي الحالي الذي شكله رأس المال وفرضته الدول، فإن الحركات الأممية الحقيقية والمناهضة للاستعمار، المبنية على التضامن مع شعوب المعسكرين معًا، هي وحدها التي تقدّم طريقًا قابلًا للحياة نحو تحرير الطبقة المستغلة.

22 أبريل 2026

نُشر في الأصل على موقع مؤسسة روزا لوكسمبورغ.

هوامش:

  1. Ukraine.bellingcat.com
  2. «ترحيل روسيا للأطفال الأوكرانيين يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، بحسب الأمم المتحدة»، لورا غوتسي، 10 مارس/آذار 2026، هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
  3. «حقوق الشعوب الأصلية في أوضاع النزاع وما بعد النزاع: العدوان العسكري للاتحاد الروسي ضد أوكرانيا»، المركز الدولي لحماية حقوق الشعوب الأصلية (ICIPR)، ومؤسسة «إيه دي سي ميموريال – بروكسل» (ADC Memorial Brussels)، ومنظمة INFOE، 3 فبراير/شباط 2026.
  4. «رسالة من السجن حول وضع اليسار الروسي»، بوريس كاغارليتسكي، 1 أبريل/نيسان 2024، مجلة إنبريكور (Inprecor).
  5. «الأوجه المتعددة للاصطفافية  (Campism):نقد أممي»، أمير كيانبور ومورتضى سامانبور، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
  6. «العودة من الاتحاد السوفياتي: الأفارقة الذين تلقوا تعليمهم في الاتحاد السوفياتي، السياسة والعمل، من ستينيات القرن العشرين إلى العقد الأول من الألفية الثالثة»، قسطنطين كاتساكيوريس، 12 فبراير/شباط 2021، المجلة الكندية للدراسات الإفريقية.
  7. «انعقاد أول قمة "روسيا – إفريقيا" في سوتشي»، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2019، كونستانتين زافرازين وكيرا لاتوخينا، موقع RG.RU.
  8. ماري إليوشينا وديفيد ماكنزي، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2019، CNN World؛ وفرانس 24، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019.
  9. «التبادل التجاري بين روسيا والدول الإفريقية بلغ 27.7 مليار دولار سنة 2025»، 6 يناير/كانون الثاني 2026، Afrinz.ru.
  10. «التجارة الصينية–الإفريقية في عام 2025»، لوسي ستيفنسون-يانغ، 13 فبراير/شباط 2026، مشروع الصين والجنوب العالمي (China Global South Project)؛ «التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا: حقائق وأرقام»، 11 فبراير/شباط 2026، مجلس أوروبا؛ «إفريقيا»، 2025، مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة؛ «ارتفاع التجارة بين الإمارات وإفريقيا بنسبة 30% مع تزايد تدفقات الاستثمار»، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، CNBC Africa؛ «الزخم الهندي–الإفريقي: شراكة موجَّهة بالأهداف»، أغسطس/آب 2025، اتحاد الصناعات الهندية.
  11. «إصدار رخصة البناء لأول وحدة في المشروع النووي المصري»، 30 يونيو/حزيران 2026، أخبار الطاقة النووية العالمية (World Nuclear News).
  12. «روسيا–إفريقيا: موسكو تصبح أكبر مورّد للحبوب إلى القارة»، ساليماتا كوني، 17 مارس/آذار 2025، ذي أفريكا ريبورت.
  13. «انسحاب روسيا من اتفاق الحبوب طعنة في الظهر – كينيا»، أنطوانيت رادفورد وكاثرين أرمسترونغ، 18 يوليو/تموز 2023، BBC News.
  14. «التبادل التجاري بين روسيا والدول الإفريقية بلغ مستوى الاتحاد السوفياتي»، 30 يناير/كانون الثاني 2026، وكالة تاس.
  15. «اتجاهات نقل الأسلحة الدولية، 2024»، مارس/آذار 2025، معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).
  16. «تقاسم غنائم الفالكيريات»، ألكسندرا فوكينا، 6 سبتمبر/أيلول 2023، نوفايا غازيتا.
  17. «روسيا تشن حرباً معلوماتية في إفريقيا»، ساشا فوكينا، 5 فبراير/شباط 2025، Doxa؛ «وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على شركات ذهب غير مشروعة تموّل قوات فاغنر وعلى وسيط مرتبط بالمجموعة»، 27 يونيو/حزيران 2023، وزارة الخزانة الأميركية؛ «الرئيس والطباخ» (الجزء الأول: تحقيق حول كيفية قيادة يفغيني بريغوجين للهجوم الروسي في إفريقيا)، رومان بادانين وآخرون، 13 مارس/آذار 2019، Proekt؛ «تعالوا نتتبع أشجار السيكويا: استكشاف نشاط فاغنر في القطاع الغابوي بجمهورية إفريقيا الوسطى»، 26 يوليو/تموز 2022، All Eyes On Wagner.
  18. «رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى تواديرا يفوز بالاستفتاء بمساعدة فاغنر»، ناتاشا بوتي ويوسف أكينبيلو، 7 أغسطس/آب 2023، BBC News.
  19. «قانون "العملاء الأجانب" يحرج وزراء تواديرا»، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2024، Africa Intelligence؛ و«قوانين العملاء الأجانب في ترسانة الأنظمة السلطوية»، إسكرا كيروفا، 19 سبتمبر/أيلول 2024، نيو إيسترن يوروب.
  20. «"لا أفعل ذلك من أجلي فقط": اعترافات داعية سابق تكشف أسرار التضليل الإعلامي الروسي في جمهورية إفريقيا الوسطى»، ليا بيروشون، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، Forbidden Stories.
  21. «المعارضة في جمهورية إفريقيا الوسطى تكافح من أجل البقاء وسط التهديدات وتكميم الأفواه»، وكالة فرانس برس، 6 مارس/آذار 2024.
  22. «اتهامات لمرتزقة روس بارتكاب عمليات قتل بدم بارد في مالي – بي بي سي تتحدث إلى شهود عيان»، توماس نعدي، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، BBC Africa.
  23. «الغرفة الحمراء لفاغنر: كيف يتباهى المرتزقة الروس بجرائمهم على تلغرام»، ماتيو مايار، 25 يونيو/حزيران 2025، ذي أفريكا ريبورت.
  24. «نهاية الاستعمار الجديد: "العالم الروسي" بديلاً عن "فرانس أفريك"»، أرتيوم كوريف وألينا فوكينا، 18 أبريل/نيسان 2025، Afrinz.
  25. «تجارة اليأس: تجنيد الجيش الروسي لمقاتلين أفارقة»، فبراير/شباط 2026، Inpact.
  26. «تجنيد أكثر من ألف كيني للقتال إلى جانب روسيا في أوكرانيا، وفق تقرير»، همفري مالالو، 19 فبراير/شباط 2026، رويترز.
  27. «القوات الفرنسية في الساحل: نظرة إلى الوراء على عملية برخان»، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فرانس 24 الإنجليزية.
  28. «الفرنكوفونية: انسحاب النيجر وبوركينا فاسو ومالي، مؤشرات على "أزمة في التعددية"»، 19 مارس/آذار 2025، إذاعة فرنسا الدولية (RFI).
  29. «وزارة الدفاع الروسية: الولايات المتحدة تحاول تعزيز نفوذها في إفريقيا عبر المختبرات البيولوجية»؛ و«حملة تشويه: جهاز الأمن الفدرالي الروسي (FSB) أطلق حملة تضليل إعلامي في إفريقيا»، رومان دوبروخوتوف، خريستو غروزيف، دادا لينديل، 8 فبراير/شباط 2024، The Insider.
  30. «بوتين يصف الماضي الاستعماري للغرب وحاضره بالمخزي»؛ وكالة تاس: «بوتين: روسيا تدعم الفلسطينيين»، 13 أغسطس/آب 2024.
  31. «الدعاية السوداء: جهاز الأمن الفدرالي الروسي يطلق حملة تضليل ونظريات مؤامرة في إفريقيا»، رومان دوبروخوتوف، خريستو غروزيف، دادا لينديل، 8 فبراير/شباط 2024، The Insider.
  32. «رئيس بوركينا فاسو تراوري يلقي خطاباً مناهضاً للإمبريالية في قمة روسيا–إفريقيا»، 2 أغسطس/آب 2024، Orinoco Tribune.
  33. «فلاديمير بوتين: منظمات مجتمع مدني من بوركينا فاسو وساحل العاج تمنحه جائزة دولية»، 20 ديسمبر/كانون الأول 2023، Burkina 24.
  34. «بوركينا فاسو: "فعل تحرري لإفريقيا"، بحسب مؤسسه»، محمد نوح عثمان، 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، Sputnik Africa.
  35. «آلة الدعاية: الهجوم الروسي على الإعلام في منطقة الساحل»، ليا بيروشون، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، Forbidden Stories.
  36. «في النيجر، أعلام روسية ومظاهرات مؤيدة للانقلاب بعد الإطاحة ببازوم»، مانون لابلاس، 28 يوليو/تموز 2023، جون أفريك.
  37. «التصورات الشعبية لروسيا ما زالت متأخرة عن مستوى نفوذها المتزايد في إفريقيا»، سلسلة تقارير أفروباروميتر رقم 1139، أوبري غامبي، ألفريد تورسو، وكارولين لوغان، 27 فبراير/شباط 2026.
  38. «مجمع فريغويا للبوكسيت والألومينا»، شركة روسال (Rusal).
  39. «التصورات الشعبية لروسيا ما زالت متأخرة عن مستوى نفوذها المتزايد في إفريقيا»، أوبري غامبي، ألفريد كوادزو تورسو، وكارولين لوغان، 27 فبراير/شباط 2026، Afrobarometer.
  40. «الكرملين يفتتح "البيوت الروسية" لإبراز قوته الناعمة»، 17 ديسمبر/كانون الأول 2024، منتدى الدفاع الإفريقي.
  41. «فاغنر تدفع نقداً مقابل النفوذ الرقمي»، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، Africa Confidential، المجلد 64، العدد 23.
  42. «روسيا لا تزال تقاتل من أجل الشيوعية»، Infrared، 17 مايو/أيار 2023؛ وحساب socialista.champagne على إنستغرام (42).
  43. Doxa.team، «حلم مالوفييف اليميني المتطرف».
  44. «المصافحة الحارة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين». Donald Trump وVladimir Putin.