مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

ترامب، بوتين وأوكرانيا: نحو تقاسم مناطق النفوذ على حساب الشعوب

بقلم إريك توسان
Le président américain Donald Trump dépose une gerbe sur la tombe du soldat inconnu à l'occasion du Memorial Day.
Le président américain Donald Trump dépose une gerbe sur la Tombe du Soldat inconnu à l’occasion du Memorial Day.

منذ بداية ولايته الثانية، يعيد دونالد ترامب تعريف الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة وفقا لمنطق قاسٍ لموازين القوى بين القوى العظمى. وفي الوقت الذي يضاعف فيه السياسات العدوانية في الشرق الأوسط وفي الأميركيتين، شرعت إدارته في إعادة تموضع استراتيجي تجاه روسيا.

 

بعيدا من تقديمها بوصفها كعدو مركزي للنظام العالمي، باتت موسكو تُعامل الآن كخصم ثانوي يمكن التوصل معه إلى تسوية. هدف واشنطن واضح: منع روسيا من تعزيز تحالفها مع الصين، التي تُعتبر الخصم النظامي الرئيسي للولايات المتحدة(1). وهذا يمثل اختلافا مقارنة بولايته الأولى وولاية جو بايدن من 2021 إلى 2024.

تؤكد الوثائق الاستراتيجية التي نشرتها إدارة ترامب بين ديسمبر 2025 وبداية 2026 هذا التحول. حيث توصف روسيا فيها بأنها تهديد «مستمر ولكن قابل للإدارة»، بينما يُتهم القادة الأوروبيون بالمبالغة في تقدير الخطر الذي تمثله روسيا وبإبقاء على توقعات غير واقعية بشأن مآل الحرب في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تؤكد واشنطن رغبتها في التفاوض على إنهاء سريع للحرب تحت إشرافها.

تفتح إعادة التموضع هذه الطريق أمام سيناريو ثقيل العواقب: تسوية بين قوى إمبريالية – الولايات المتحدة وروسيا – والذي قد تتم على حساب الشعب الأوكراني.

 

 

سياسة ترامب تجاه روسيا

منذ بداية ولايته الثانية، حصل دونالد ترامب من فلاديمير بوتين على أنه باستثناء بالاحتجاجات اللفظية، لن يرد على الأعمال العدائية التي ترتكبها واشنطن ضد حلفاء موسكو، سواء كان ذلك في فنزويلا أو إيران، أو فيما يتعلق بالحصار الكامل المفروض على كوبا منذ نهاية يناير 2026. وقد أجرى ترامب تحولا مقارنة بالسياسة التي انتهجها خلال ولايته الأولى، حيث كان يضع الصين وروسيا على قدم المساواة باعتبارهما خصمين يسعيان إلى تقويض النظام الدولي الذي تهيمن عليه واشنطن.

أرسل دونالد ترامب رسالة إلى بوتين مفادها أنه مستعد لقبول أن تستخدم موسكو القوة وبشكل مفرط في محيطها الجغرافي، لا سيما في أوكرانيا، تماما كما تفعل واشنطن في الأميركيتين والشرق الأوسط وأماكن أخرى. ويؤكد ترامب حقه في استخدام القوة في جميع أنحاء العالم، ويعترف فعليا بحق بوتين في أن يفعل الشيء نفسه ضمن نطاق أضيق، يتوافق مع جزء من أراضي الإمبراطورية الروسية السابقة في عهد القياصرة والاتحاد السوفييتي السابق. وهذا يتماشى مع منطق كلاسيكي لتقاسم ضمني لمناطق النفوذ بين القوى الإمبريالية الكبرى.

كما قلص ترامب دعم الولايات المتحدة العسكري المباشر لأوكرانيا، محمّلًا عبء هذا الدعم على حلفائه في أوروبا الغربية داخل حلف الناتو. كما دعا في يناير 2026 موسكو وحلفاءها ببيلاروسيا والمجر للانضمام إلى مجلس السلام العالمي، تحت قيادته.

في الخامس من مارس 2026، أعلن ترامب أنه يسمح مؤقتا لروسيا بتصدير نفطها إلى الهند دون عقوبات، والتي تستهلكه أو تعيد تصديره إلى مناطق أخرى من العالم، بما في ذلك أوروبا. ومن بين الأسباب غير المعلنة، إقناع روسيا بالاكتفاء بالاحتجاجات اللفظية إزاء العدوان الواسع الذي تشنه واشنطن وإسرائيل ضد إيران، حليفتها.

 

ترامب بتفصيل كامل

يكشف ترامب عن عدد من المواقف بشأن أوروبا وروسيا وأوكرانيا في الوثيقة حول الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي التي تم تسريبها في 3 ديسمبر 2025. فهو يرى أن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة «يتمتعان بتفوق كبير من حيث القوة العسكرية على روسيا، وذلك في معظم المجالات، باستثناء الأسلحة النووية» (2)، وأن القادة الأوروبيين يبالغون في تقدير التهديد الذي تمثله روسيا.

وهكذا تنص الوثيقة : «في أعقاب الحرب التي شنتها روسيا في أوكرانيا، تدهورت العلاقات بين أوروبا وروسيا بشكل كبير، ويعتبر العديد من الأوروبيين روسيا تهديدا وجوديا» (3).

يمكن الاستنتاج من أسلوب صياغة النص، أن ترامب يقول للحكومات الأوروبية بإن روسيا ليست تهديدا وجوديا لها. وقد وصف ترامب روسيا في بعض المناسبات بأنها تهديد وجودي، لكن هذا ليس الحال في وثيقة استراتيجية الأمن القومي المنشورة في ديسمبر/كانون الأول 2025، ولا في وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني المنشورة في نهاية يناير/كانون الثاني 2026.

يرى ترامب أنه يجب على الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تبني نهج مختلف عما اتبعاه حتى الآن في المفاوضات مع روسيا بشأن مطالبها. ويتضح ذلك بشكل خاص في المقطع التالي: «تختلف إدارة ترامب مع المسؤولين الأوروبيين الذين لديهم توقعات غير واقعية بشأن مآل الحرب، هؤلاء المسؤولين الذين يتخندقون داخل حكومات أقلية غير مستقرة، تنتهك كثير منها المبادئ الديمقراطية الأساسية لقمع المعارضة» (4).

من الجدير بالذكر أن ترامب يؤكد أن الحكومات الأوروبية تقمع الأحزاب الوطنية، أي اليمين المتطرف النيوفاشي(5).

ويتابع نص ترامب:

غالبية كبيرة من الأوروبيين ترغب في السلام، لكن هذه الرغبة لا تُترجم إلى أفعال سياسية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى تقويض العمليات الديمقراطية من قبل هذه الحكومات.

ويضيف:

وهذا ذو أهمية استراتيجية للولايات المتحدة تحديدا، لأن الدول الأوروبية لا يمكنها أن تُصلح نفسها إذا كانت عالقة في أزمة سياسية(6).

وهذا يعني أن ترامب يصرح بأن من مصلحة الولايات المتحدة أن تكون الأحزاب الوطنية (أي اليمين المتطرف والنيوفاشي) في الحكومة، وهو ما من شأنه، حسب الإدارة الحالية، حل الأزمة السياسية.

ومن الواضح أن المقطع السابق يتضمن استياءً شديدا من الحكومات الألمانية والفرنسية والبريطانية والإسبانية والدنماركية والبولندية، وغيرها. وفي المقابل، يعزز موقف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، اللذين زارهما ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، في فبراير 2026 عقب مؤتمر ميونيخ للسلام. ومن الجدير بالذكر أن هاتين الحكومتين تؤيدان تخفيف العقوبات على روسيا بوتين وتُعربان عن تعاطفهما مع ترامب.

 

وفيما يتعلق بالعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وروسيا وأوكرانيا، من الواضح أن ترامب يريد البقاء في مركز اللعبة الدبلوماسية:

«إن إدارة العلاقات الأوروبية مع روسيا ستتطلب انخراطا دبلوماسيا أمريكيا كبيرا، وذلك من أجل إعادة إرساء شروط الاستقرار الاستراتيجي في كامل القارة الأوراسية، وكذلك للتخفيف من خطر الصراع بين روسيا والدول الأوروبية»(7).

 

يمكننا الاستنتاج أيضا من المقطع السابق أنه، بالنظر إلى التفوق العسكري لدول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على روسيا، فإن إعادة التوازن ينبغي أن تتم لصالح روسيا. وتظهر الفكرة نفسها في المقطع التالي:

«من المصلحة الأساسية بالنسبة للولايات المتحدة التفاوض على وقف سريع للأعمال العدائية في أوكرانيا، من أجل استقرار الاقتصادات الأوروبية، ومنع تصعيد أو توسع غير مقصود للحرب، وإعادة إرساء الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا، وكذلك السماح بإعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الأعمال العدائية لضمان بقائها كدولة قابلة للحياة»(8).

وفي المقطع السابق، يعيد ترامب التأكيد على رغبته في إنهاء سريع للأعمال العدائية، ويمارس الضغط على الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا لتقديم تنازلات لروسيا، وكل ذلك تحت رعاية واشنطن.

 

سياسة ترامب تجاه أوكرانيا

لا يُبدي ترامب أي اعتبار لحق الشعب الأوكراني في الدفاع عن سيادته. والحال أنه، إذا كان غزو فبراير 2022 قد أُحبط إلى حد كبير، فذلك لأن الشعب الأوكراني قاوم وأظهر تمسكه بسيادة بلدهولولا دعم الشعب الأوكراني الواسع للمقاومة، لما كان إرسال الأسلحة من قبل القوى الغربية إلى سلطات كييف كافيا لإحباط الخطة الأولية لبوتين، التي كانت تهدف إلى الوصول بجيشه إلى كييف، وتغيير النظام، والسيطرة على جزء مهم من الأراضي الأوكرانية بدءًا من شرق البلاد. ويجب أن يترافق هذا التأكيد بنقد السياسة القومية النيوليبرالية والشوفينية لحكومة ف. زيلينسكي اليمينية، وبإدانة حلف الناتو والطموحات الإمبريالية لترامب والأوروبيين تجاه أوكرانيا. ومن المهم أيضا توضيح أن أوكرانيا ليست قوة إمبريالية.

يسخر ترامب تماما من القانون الدولي، ويتعتقد أنه قادرعلى السيطرة بالقوة على موارد النفط لفنزويلية أو تلك الخاصة بإيران بعد الاعتداء عسكريا على هذين البلدين. ويعتبر أن روسيا بوتين يمكنها، في محيطها المباشر، أن تفعل الشيء نفسه طالما أن ذلك لا يضر بالمصالح الأمريكية في أوروبا الشرقية. ترامب مستعد لعقد صفقة مع بوتين على حساب الشعب الأوكراني. يمكن لبوتين أن يحتفظ أو يسيطر على جزء من الأراضي والسكان والموارد الطبيعية لأوكرانيا إذا حصلت الشركات الأمريكية في المقابل على منافع في باقي الأراضي الأوكرانية (9). وبهذا الشرط، ستكون واشنطن مستعدة لحماية السلطات الأوكرانية الضعيفة والأراضي التي تظل تحت سيطرتها، شريطة أن تسمح سلطات كييف للشركات الأمريكية بجني أكبر قدر ممكن من الأرباح (10). ما يقترحه ترامب هو اتفاق بين قوتين إمبرياليتين مفترستين، الولايات المتحدة وروسيا، تتفقان على انتهاك حق الشعوب في تقرير مصيرها وممارسة سيادتها على أراضيها وعلى الموارد الطبيعية الموجودة فيها. لقد تم إلى حد كبير تهميش القوى الإمبريالية الأوروبية من قبل ترامب، رغم أنها تسعى هي الأخرى إلى تعزيز مصالحها الخاصة ومصالح شركاتها الخاصة الكبرى التي تطمع في الموارد الطبيعية والأراضي والسوق الأوكرانية.



 

موقف ترامب من روسيا

لم تعد روسيا تُعامل بوصفها العدو المركزي للنظام العالمي. يرى ترامب أن الإدارات السابقة ارتكبت خطأً حينما ساهمت في تشكل كتلة بين روسيا والصين، مما عزز موقع الصين. يسعى ترامب إلى فصل روسيا عن الصين أو على الأقل تقليص العلاقات بين هاتين القوتين. وتسعى واشنطن، التي تعتبر الصين خصمها الرئيسي والنظامي، إلى تقليل ميل روسيا إلى تعزيز علاقاتها معها (11). وتعتبر وثيقة استراتيجية الأمن القومي لسنة 2025 روسيا خصما عسكريا جديا لكنه ثانوي استراتيجيا، يجب احتواؤه دون رفعه إلى مستوى عدو حضاري، وذلك من أجل تركيز الوسائل (العسكرية والاقتصادية) للولايات المتحدة على مواجهة الصين.



 

رد فعل الكرملين على نشر وثيقة استراتيجية الأمن القومي لسنة 2025

علّق ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسي، على وثيقة استراتيجية الأمن القومي خلال مقابلة أُجريت مع الصحفي الروسي الرسمي بافيل زاروبين في 7 ديسمبر 2025 على قناة "روسيا 1"، وقد تم تداولها على نطاق واسع من قبل وسائل الإعلام الروسية مثل "إنترفاكس" و"فونتانكا" و"تاس":
»التعديلات التي أُدخلت على وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة تتوافق إلى حد كبير مع رؤيتنا»(12).

أما وكالة إنترفاكس فكتبت في 7 ديسمبر 2025: "رحب الكرملين بالصياغات المتعلقة بحلف الناتو في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. ويرى مدفيديف في الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي محاولة لتحسين العلاقات مع روسيا. ويُرحّب الكرملين بصياغات الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي المُحَيَّنة بشأن تجميد توسيع الناتو، لكنه سيتابع عن كثب التنفيذ العملي لهذه الوثيقة»(13).

 

تطور موقف واشنطن في توصيف روسيا كتهديد بين ترامب الأول وترامب الثاني

في وثيقة «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 » التي نُشرت في نهاية يناير 2026، تُوصف روسيا بأنها «تهديد مستمر لكنه قابل للإدارة» بالنسبة لحلف الناتو، وهو تغيير يصب في مصلحة روسيا مقارنة بالتوصيفات الأكثر تشددا في الوثائق السابقة التي كانت تصفها بأنها «قوة مُراجِعة»(revisionist power) خلال الولاية الأولى لترامب عام 2017 (14)، وبأنها «تهديد مباشر للنظام الدولي»(15) و«تهديد حاد» في عام 2022 خلال رئاسة جو بايدن. وقد أكدت وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2022 لإدارة بايدن أن روسيا «حطمت السلام في أوروبا». وفي لغة الاستراتيجية لدى الحكومة الأمريكية، يشير مصطلح «قوة مُراجِعة» إلى دولة تسعى إلى تغيير القواعد، المؤسسات أو ميزان القوى في النظام الدولي القائم الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وفي وثائق إدارة ترامب الأولى وإدارة بايدن، كانت روسيا والصين تُقَدّمان كقوتين مُراجِعتين.

فيما يلي مقتطفات من وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 المتعلقة بروسيا:
«يتركز التهديد العسكري الروسي بشكل أساسي على أوروبا الشرقية»، « ليست موسكو في وضع يسمح لها بوضع أهداف لفرض هيمنتها على أوروبا. إن الناتو الأوروبي يتفوق على روسيا من حيث الاقتصاد والسكان، وبالتالي من حيث القوة العسكرية الكامنة»، و«لحسن الحظ، فإن حلفاءنا في الناتو أقوى بكثير من روسيا التي تتخلف كثيرا. فالاقتصاد الألماني وحده يتفوق على اقتصاد روسيا«(16).

 

نقاط التشابه بين ترامب وبوتين

على الرغم من تنافسهما الجيوسياسي، يشترك دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في مجموعة مهمة من المواقف الأيديولوجية والسياسية.

كلاهما يتسم بعداء واضح للشيوعية وبدعم غير مشروط للنظام الرأسمالي، بما في ذلك أبشع أشكال استغلال اليد العاملة والموارد الطبيعية.

ترامب وبوتين قوميان يؤكدان أولوية حقوق الأمة المهيمنة التي ينتميان إليها. يدعم ترامب أنصار تفوق العرق الأبيض ويؤكد أولوية مصالح الأمريكيين على حساب الأمم الأخرى، التي لا يتردد في نعثها بعبارات عنصرية. أما بوتين فيتبنى شوفينية روسية كبرى وينتقد لينين بسبب «إنشائه«(كذا) لأوكرانيا واعترافه بحقها في الانفصال عن الاتحاد السوفييتي في بداية عشرينيات القرن الماضي.

كما يدافعان عن سياسة طاقية قائمة على الاستغلال المكثف للوقود الأحفورية، مما يٌسهم في تفاقم الكارثة البيئية العالمية الراهنة.

وعلى الصعيد المجتمعي، تتقارب مواقفهما نحو توجهات معادية للمثلية ومٌنْكِرة لحقوق مجتمع الميم.عين LGBTQIA+، مصحوبة بالترويج لقيم محافظة قائمة على رؤية رجعية للمسيحية.

وفي المجال الدولي، يفضل كل من ترامب وبوتين اللجوء إلى القوة العسكرية لفرض أهدافهما السياسية والاقتصادية، وذلك في تجاهل للقانون الدولي. ويقترن هذا التوجه بدعم قوي للتطوير السريع والمكثف لصناعات الأسلحة، وكذلك لزيادة استخدام القوة العسكرية.

كما تقوم سياساتهما الخارجية أيضا على الاستخدام المتكرر لذرائع مطعون فيها أو لا أساس لها لتبرير اللجوء إلى القوة. وكلاهما يتبنى أيضا شوفينية قوة عظمى ونزعة قومية متطرفة، وهي سمات لمشاريع سياسية سلطوية.

علاوة على ذلك، يحتفظان بعلاقات وثيقة مع قوى اليمين المتطرف الأوروبية، التي تبدي بدورها تعاطفا كبيرا تجاههما.

يٌقدم دونالد ترامب دعما كاملا للحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، وهي حكومة نيوفاشية ومسؤولة عن إبادة جماعية في غزة. من جانبه، يحافظ فلاديمير بوتين على علاقات ودية مع نتنياهو ويٌواصل تصدير المنتجات الروسية إلى إسرائيل — الفحم والنفط والحبوب — دون مراجعة للاتفاقيات التجارية القائمة(17).

كما وافق بوتين على مبدأ إنشاء مجلس عالمي برئاسة ترامب، ويرغب في أن تكون روسيا عضوًا فيه. وفي هذا الإطار، يطالب الولايات المتحدة برفع تجميد الأصول الروسية حتى تتمكن روسيا من دفع مساهمة قدرها مليار دولار مطلوبة للحصول على العضوية الدائمة في هذا المجلس، الذي يعتبره منتقدوه غير شرعي على الإطلاق.

يستخدم كل من ترامب وبوتين بشكل واسع ومثير للجدل مصطلح «الإبادة الجماعية»، بينما يرفضان الاعتراف أو التنديد بالإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني. يدّعي ترامب أن حكومة بريتوريا مسؤولة عن «إبادة للبيض» في جنوب أفريقيا، في حين يؤكد بوتين أن حكومة كييف تمارس إبادة جماعية ضد السكان الروس في أوكرانيا.

وإلى جانب هذه التقاطعات الأيديولوجية والجيوسياسية، يظهر دونالد ترامب وفلاديمير بوتين أيضا تشابهات واضحة في طريقة ممارستهما للسلطة وتصورهما لها. فكلاهما يفضل شخصنة قوية للقيادة، تتمحور حول شخصية القائد باعتباره التجسيد المباشر للأمة ولإرادتها. ويعتمد خطابهما السياسي باستمرار على بلاغة تٌقابل بين «الشعب» والنخب السياسية أو الإعلامية أو الاقتصادية، المتهمة بخيانة المصالح الوطنية. وفي هذا السياق، يُظهران عدم ثقة واضحة في المؤسسات متعددة الأطراف والقانون الدولي عندما يُنظر إليهما كعقبات أمام أهدافهما الاستراتيجية. كما تترافق ممارساتهما السياسية بانتقادات مستمرة لوسائل الإعلام التي يُنظر إليها كمعادية، واستخدام مكثف لاستراتيجيات تواصل تهدف إلى الالتفاف على أو نزع الشرعية عن سلطات الرقابة المؤسساتية. وتُسهم هذه العناصر في ترسيخ مشاريع سياسية ضمن تصور شديد الشخصنة، إمبريالي وسلطوي نيوفاشي للسلطة.

 

ما هي أوجه الاختلاف بين ترامب وبوتين؟

يكمن أحد أوجه الاختلاف التي تستحق الإشارة في مقاربتهما للحرب وللاستخدام المباشر للقوة العسكرية. يعتقد دونالد ترامب أنه من الممكن كسب النزاعات دون الانخراط الدائم بقوات أمريكية على الأرض، من خلال استعمال التفوق التكنولوجي، والضربات عن بُعد، وعمليات عسكرية محدودة في الزمن، مع خسائر بشرية شبه منعدمة في الجانب الأمريكي.

في المقابل، اختار فلاديمير بوتين استراتيجية مختلفة جذريا مع الغزو العسكري الواسع لأوكرانيا في عام 2022، والذي تضمن نشر قوات برية كبيرة جدا وأدى إلى خسائر بشرية مرتفعة للغاية، على الجانبين الروسي أو الأوكراني.

ويتمثل وجه الاختلاف الأساسي الآخر في مكانة دولتيهما ضمن التراتبية العالمية للرأسمالية. فدونالد ترامب يقود القوة الاقتصادية والعسكرية الرأسمالية والإمبريالية الرئيسية في العالم، وهي الولايات المتحدة. أما فلاديمير بوتين، فيقود قوة رأسمالية إمبريالية ثانوية، ضعيفة وفي حالة تراجع نسبي، لكنها لا تزال فاعلا استراتيجيا مهما بسبب امتلاكها ترسانة نووية تضاهي في حجمها تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة.

وأخيرًا، تختلف طموحاتهم الجيوسياسية من حيث نطاق تدخلهم. فسياسة ترامب الإمبريالية تستهدف العالم بأسره، بينما تتركز سياسة بوتين أساسا على الفضاء ما بعد السوفييتي ومحيطه المباشر، رغم أن روسيا حاولت توسيع نفوذها إلى مناطق أخرى، مثل سوريا — حيث تعرضت لانتكاسة مع سقوط نظام بشار الأسد.

 

هل لدى ترامب والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي مصلحة في إنهاء سريع للحرب في أوكرانيا؟

في هذه الفترة من السنة، وعلى عكس تصريحاته خلال الحملة الانتخابية أو في بداية ولايته، لا يجعل ترامب من إنهاء الحرب في أوكرانيا أولوية، وذلك لعدة أسباب.

فاستمرار الحرب يجعل حجة الولايات المتحدة أكثر مصداقية لإقناع حلفائها الأوروبيين في الناتو بمواصلة الزيادة الكبيرة في إنفاقهم العسكري، مما يعزز صادرات الأسلحة للشركات الخاصة الأمريكية الكبرى.

علاوة على ذلك، أبرمت واشنطن اتفاق يصب بشكل كبير في مصلحتها مع دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية. بحيث تشتري هذه الدول من الولايات المتحدة الأسلحة التي تقدمها لأوكرانيا، والتي تُستخدم بوتيرة مكثفة طالما استمرت الحرب المفتوحة. وقد وضع ترامب حدًا شبه كامل للإمدادات المباشرة الجديدة من الأسلحة إلى أوكرانيا.

كما أن استمرار الحرب يساهم جزئيًا في صرف الانتباه عن الاعتداءات التي ترتكبها الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب في مناطق أخرى من العالم.

إن استمرار الحرب في أوكرانيا، وما تمثله من عبء على الاقتصاد الروسي وسكانه، يمنع بوتين من نشر قوات عسكرية في قارات أخرى.

وأخيرا، خفف ترامب في 5 مارس 2026 العقوبات على روسيا فيما يتعلق بمبيعات النفط، وذلك لإقناعها بعدم القيام بأي رد فعل تجاه العدوان على إيران والحصار الكامل المفروض على كوبا منذ نهاية يناير 2026. وهذا يسمح لبوتين بزيادة عائدات صادراته ودعم المجهود الحربي في أوكرانيا.

 

خلاصة

في النهاية، تندرج السياسة التي ينتهجها دونالد ترامب تجاه روسيا ضمن منطق كلاسيكي للتنافس بين القوى الكبرى: تقليص التقارب بين موسكو وبكين، والحفاظ على مكانة الولايات المتحدة في قلب اللعبة الدبلوماسية، وتحميل الدول الأوروبية التكلفة الرئيسية للحرب في أوكرانيا. وخلف الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى إنهاء سريع للأعمال العدائية، ليس لواشنطن بالضرورة مصلحة في تحقيق سلام فوري.

في هذا السياق، لا يمكن استبعاد احتمال التوصل إلى تسوية بين واشنطن وموسكو على حساب الشعب الأوكراني. فالتقارب الأيديولوجي والسياسي بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين — من حيث التمسك برأسمالية سلطوية، ونزعة قومية متطرفة، ونزعة عسكرية، وازدراء القانون الدولي، والقرب من قوى اليمين المتطرف — يٌسهّل مثل هذا المنطق القائم على موازين القوى بين الدول.

بغض النظر عن تنافسهما واختلافاتهما في النفوذ، يشترك الزعيمان في رؤية متشابهة للعالم. وفي مثل هذا الوضع، قد تكون الشعوب — وعلى رأسها الشعب الأوكراني — الضحية الرئيسية لتوازن جيوسياسي جديد قائم على تقاسم مناطق النفوذ.

لكن لا ينبغي استبعاد احتمال حدوث تحول في موقف ترامب مستقبلا. فإذا فشل في تحقيق أهدافه في التفاوض مع بوتين، فإنه قادر على تبني موقف أكثر تشددا ويٌصنّف روسيا كتهديد أكثر خطورة مما ورد في الوثائق التي قمنا بتحليلها.

ما هو مؤكد هو أن المفاوضات بين ترامب وبوتين لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح وحقوق الشعوب. يجب بناء التضامن بين الشعوب من القاعدة، من أجل تعزيز المقاومة ضد صعود النيوفاشية وتزايد الاعتداءات الإمبريالية، أيا كان مصدرهاn

 

يوم 16 مارس 2026

الشكر للكاتب سوشوفان دهار وماكسيم بيريو على مراجعتهما للنص.

---------------------------

 

(1) «لماذا جعلت واشنطن من الصين خصمها الاستراتيجي المركزي»، إريك توسان، 19 يناير 2026، CADTM.

https://www.cadtm.org/Pourquoi-Washington-a-fait-de-la-Chine-son-adversaire-strategique-central

(2) مقتطف من وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» المنشورة في ديسمبر 2025، ص. 25 (NSS 2025). توجد نسخة باللغة الفرنسية على موقع ‘Grand Continent’
https://legrandcontinent.eu/fr/2025/12/06/strategie-de-securite-nationale-americaine-le-plan-de-la-maison-blanche-contre-leurope-texte-integral/

(3) وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصفحة 25.

(4) نفس المصدر السابق، الصفحة 26.

(5) «ترامب، أوروبا والأممية النيوفاشية: من الدعم الأيديولوجي إلى التنسيق السياسي»، إريك توسان، 25 يناير 2026، CADTM.
https://www.cadtm.org/Trump-l-Europe-et-l-internationale-neofasciste-du-soutien-ideologique-a-la

(6) وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصفحة 33.

(7) نفس المصدر السابق، الصفحة 25.

(8) المصدر نفسه.

(9) «الاستحواذ على الموارد الطبيعية لأوكرانيا وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية: الإمبرياليات تهجم»، إريك توسان، 15 مايو 2025، CADTM.

https://www.cadtm.org/L-accaparement-des-ressources-naturelles-de-l-Ukraine-et-de-l-est-de-la

(10) «يعكس الاتفاق المنجمي المُبرم بين أوكرانيا والولايات المتحدة رغبة رأس المال الأمريكي في الوصول دون عوائق إلى الموارد المعدنية الأوكرانية»، فيتالي دودين، 13 مايو 2025، شبكة CADTM.

https://www.cadtm.org/L-accord-minier-signe-entre-l-Ukraine-et-les-Etats-Unis-reflete-la-volonte-du

 

(11) المصدر، Fantanka : منذ بداية الحرب في أوكرانيا، أصبحت روسيا تعتمد بشكل متزايد على الصين من الناحية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بصادراتها من الطاقة ووارداتها التكنولوجية، مما يجعل هدف واشنطن الرامي إلى إضعاف التقارب بين موسكو وبكين غير مؤكد.

(12) المصدر: Source fontanka.ru https://www.fontanka.ru/2025/12/07/76159504/

(13) المصدر: Source Interfax. https://www.interfax.ru/russia/1061842

دميتري مدفيديف هو نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ورئيس الحزب الحاكم الموالي لبوتين «روسيا الموحّدة».

(14) وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2017.

https://trumpwhitehouse.archives.gov/wp-content/uploads/2017/12/NSS-Final-12-18-2017-0905.pdf

(15) وثيقة استراتيجية الأمن القومي لعام 2022.

https://bidenwhitehouse.archives.gov/wp-content/uploads/2022/10/Biden-Harris-Administrations-National-Security-Strategy-10.2022.pdf

(16) وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، الصفحة 10 و 11.

(17) «لماذا لا تدين مجموعة بريكس الإبادة الجماعية الجارية في غزة»، إريك توسان، CADTM،7 أغسطس 2025.

https://www.cadtm.org/Pourquoi-les-BRICS-ne-denoncent-pas-le-genocide-e…