يتناول نيكولا دوت-بويار وضع لبنان الذي يواجه الهجمات الإسرائيلية والصعوبات أمام بناء مقاومة يسارية مناهِضة للإمبريالية.
حوار مع نيكولا دوت-بويار
أنجز الحوار أنطوان لاراش.
ما هو حجم الهجمات التي تنفذها القوات الإسرائيلية والأمريكية في لبنان؟
حجم الهجمات الإسرائيلية يفوق الحرب الأخيرة في نهاية 2024: تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان هائل، والطرد القسري لمئات آلاف اللبنانيين من الطائفة الشيعية يتم بشكل منهجي، مع طابع واضح لحرب طائفية من طرف إسرائيل. يحاول الإسرائيليون فصل الجنوب عن باقي البلاد، خاصة عبر قصف الجسور، وقطع طرق عبور حزب الله. عمليات اغتيال مستهدفة وضربات – مكلفة أيضًا للمدنيين – تصيب كذلك بعض المناطق التي ليست شيعية، خاصة في بعبدا، في منطقة مسيحية قريبة من القصر الرئاسي، أو في برج حمود، وهو حي أرمني. كما أن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تُعد هدفًا منتظمًا للإسرائيليين، مع العلم أن الفصائل الفلسطينية كانت طرفًا مشاركًا في الحرب الأخيرة لسنة 2024 في لبنان، إلى جانب حزب الله. كل هذا يمثل تهديدًا للحكومة اللبنانية ولكامل المجتمع اللبناني، بمعنى أنه بشكل عام لا أحد في مأمن، وأن لبنان بأكمله سيدفع ثمن هذه الحرب، وليس فقط الطائفة الشيعية، حتى وإن كانت هي المستهدفة الأولى. الهدف السياسي لإسرائيل هو فصل حزب الله عن قاعدته الاجتماعية، وتشتيت هذه القاعدة الاجتماعية على كامل التراب اللبناني، وتحويلها إلى فئة من اللاجئين، من أجل إذكاء التوترات الداخلية اللبنانية. من خلال ضرب مناطق مسيحية أو مناطق سنية يوجد فيها نازحون شيعة، يقومون بإثارة المجتمعات ضد بعضها البعض. الناس يخشون استقبال نازحين في قراهم. يتعلق الأمر إذن باستراتيجية لتقسيم مجمل المجتمع اللبناني.
هذه الحرب لها أيضًا مستوى أعلى من العنف، لأنها حرب إقليمية: يتحدث الإسرائيليون منذ ما يقارب سنتين الآن عن حرب على سبع جبهات: غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، العراق، اليمن وإيران. كانت هذه الجبهات منقسمة نسبيًا في السنوات الأخيرة: عندما شُنت حرب الاثني عشر يومًا على إيران – وهي أول حرب إسرائيلية-أمريكية – لم يكن لبنان منخرطًا بشكل مباشر. وعندما شُنت الحرب على لبنان من سبتمبر إلى نوفمبر 2024، لم تكن هناك ضربات على إيران، رغم أن الإيرانيين قاموا آنذاك بإطلاق نار دعمًا لحزب الله. لكن كل الجبهات لم تكن موحدة. اليوم، هذه الجبهات السبع بدأت تتوحد. هذا هو تأثير ما بعد 7 أكتوبر 2023: تصاعد تدريجي في توحيد الجبهات، التي تميل اليوم إلى التلاقي في اتجاه حرب بلا حدود، من الخليج إلى البحر المتوسط.
ومع ذلك، فإن منطق توحيد الجبهات ليس مجرد نظرية إسرائيلية، بل له أيضًا واقع سابق: هذه الفكرة موجودة منذ 2021 لدى ما يسمى «محور المقاومة»، المكوَّن من حزب الله، وإيران، وشركائهم اليمنيين الحوثيين، والحركات الشيعية المسلحة العراقية، وتقريبًا جميع الفصائل الفلسطينية – التي ليست شيعية. ابتداءً من انتفاضة 2021، قامت كل قوى «محور المقاومة» هذا بصياغة مبدأ وحدة الساحات. كانت هذه النظرية تعتبر أن أي اعتداء على أحد مكونات هذا المحور يجب أن يستدعي ردًا على جبهة أخرى، من طرف فاعل آخر من هذا «المحور». وقد تم تطبيق ذلك بشكل نسبي لكنه فعلي بعد 7 أكتوبر 2023، حيث قرر حزب الله آنذاك إطلاق ما يسمى جبهة الإسناد لقطاع غزة. وكان يعتبر في ذلك الوقت أن هذه الجبهة ليست حربًا مفتوحة بالكامل ضد إسرائيل، بل وسيلة ضغط على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة من أجل تخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي على غزة. وتُرجِمت «جبهة الإسناد» هذه التي فتحها حزب الله منذ صباح 8 أكتوبر 2023 تدريجيًا إلى اندلاع حرب. بقدر ما كان حزب الله في موقع المبادرة لمدة سنة، بقدر ما بدأت إسرائيل أيضًا في أخذ المبادرة، وسرّعت الأمور ابتداءً من يوليو 2024 إلى غاية اندلاع حرب سبتمبر-نوفمبر. وقد قامت آنذاك بسلسلة من الاغتيالات، ليس فقط العملية الشهيرة الخاصة بأجهزة النداء "بجير"، بل كذلك بقطع رأس القيادة تدريجيًا بكاملها. الآن، منطق توحيد الجبهات هذا يسري على الجميع: إسرائيل والولايات المتحدة تخوضان حربًا على إيران، وقد اتسعت الجبهات إلى الخليج، العراق ولبنان، في انتظار اليمن. من الجهة الأخرى، لم تعد لدى إيران خطوط حمراء، وهي تستخلص الدروس من دورة المفاوضات/العقوبات/القصف التي فرضتها الولايات المتحدة منذ عدة أشهر. فهي تريد تغيير المعادلة. في هذا المنظور، لم يعد مستبعدًا في حالة مفاوضات، أن تضع إيران الملف اللبناني في الميزان، وتسعى إلى اتفاق شامل وإقليمي. هذا ما تشير إليه التدخلات الأخيرة لمرشدها الأعلى ووزير خارجيتها. على أي حال، إيران لا تريد العودة إلى الوضع السابق. ويبدو أنها صامدة عسكريًا وقادرة على تعبئة مزيج من القومية الإيرانية غير الإسلامية بالضرورة مع الدينامية المهدوية العميقة للتشيع، وهما وقودان أساسيان للصمود في الحرب. وقد حدث الشيء نفسه خلال حرب إيران-العراق في ثمانينيات القرن الماضي، التي بعد الأزمات الداخلية لما بعد 1979، أعادت تماسك البلاد. ونتيجة لذلك، حتى الولايات المتحدة بدأت تشك في إمكانية تغيير النظام.
من المحتمل أن يحاول الإسرائيليون الآن غزو جنوب لبنان. حدّهم يقع على المستوى العسكري البحت. إذا رجعنا إلى حرب 2024 الأخيرة، فقد تلقى حزب الله ضربة، بمعنى أن قيادته قُطعت وأن زعيمه الكاريزمي حسن نصر الله قد قُتل. لكن على الأرض في جنوب لبنان، تبيّن أن مقاتليه قد أنقذوا الحزب نوعًا ما، وأن التوغل الإسرائيلي ظل محدودًا نسبيًا لأنه لم يتمكن من تجاوز 4 إلى 5 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. لم يكن هناك غزو لجنوب لبنان، وكانت هناك عدة معارك شرسة، خاصة في الخيام، في الجنوب الشرقي للبنان – ليس بعيدًا عن سوريا وهضبة الجولان – حيث دخل الإسرائيليون ثلاث مرات واضطروا إلى الخروج.
يبدو أن حزب الله، وفق بعض المؤشرات، قد أعاد تنظيم نفسه جزئيًا منذ الحرب الأخيرة. إذا لم يكن قد أعاد تنظيم نفسه، فالحرب قصيرة ويتم سحقه. وإذا كان قد أعاد تنظيم نفسه، فالحرب بالضرورة أطول. المؤشرات حاليًا هي أن قيادته، خلافًا لحرب 2024، لم يتم القضاء عليها. عندما بدأت الحرب ليلة الأحد 1 مارس، قام الإسرائيليون بعدد من الضربات الدقيقة جدًا على الضاحية الجنوبية، ما أعطى في الساعات الأولى انطباعًا بأن القيادة بأكملها قد قُضي عليها، وهو ما لم يحدث. كانت هناك شائعة بأن رئيس الكتلة البرلمانية محمد رعد قد قُتل، لكنه تحدث في مساء اليوم نفسه. وكانت هناك شائعة بأن الأمين العام للحزب نعيم قاسم قد اغتيل، وتبين أن ذلك غير صحيح. هذا مؤشر أول: القيادة لم يتم القضاء عليها، بل هي مختبئة. المؤشر الثاني هو أنه رغم سياسة نزع السلاح في جنوب لبنان، جنوب نهر الليطاني، التي قامت بها القوات المسلحة اللبنانية، والحكومة، وقوات اليونيفيل(1)، يبدو أن حزب الله لا يزال يمتلك وجودًا عسكريًا، إذ تدور حاليًا معارك، خاصة في الخيام، والناقورة، والطيبة. وهي معارك تشمل القوات الإسرائيلية وحزب الله على الشريط الحدودي منذ ثلاثة أسابيع، وبعمق محدود داخل لبنان.
فترة وقف إطلاق النار لم تكن فترة وقف إطلاق نار حقيقية، إذ كان لبنان يُقصف يوميًا في الجنوب والشرق في البقاع. وكانت الطائرات الإسرائيلية والطائرات بدون طيار تحلق باستمرار فوق بيروت. وأخيرًا، يجب معرفة أن إسرائيل احتلت خمسة مواقع في جنوب لبنان، وكان يفترض أن تنسحب منها بعد 60 يومًا من وقف إطلاق النار، لكنها لم تفعل. وبالتالي، فإن الوضع الذي سبق الحرب الحالية كان وضع حرب محتملة. بالنسبة لسكان جنوب لبنان، فإن الحرب لم تتوقف فعليًا منذ وقف إطلاق النار لسنة 2024.
ما هو الهدف الأوسع للولايات المتحدة وإسرائيل حسب رأيك؟
الرؤية الشاملة لدى الإسرائيليين عن لبنان تقوم، برأيي، على ثلاثة عناصر مركزية. العنصر الأول هو أن هناك لدى اليمين المتطرف الديني تاريخيا مطالب على جنوب لبنان كأرض كتابية. لكن هذا ليس بالضرورة الجانب الذي يلعب الدور الأكبر، على الأقل لدى العسكريين والسياسيين.
الجانب الذي يلعب دورا مركزيا وتاريخيا هو قضية المياه وقضية المرتفعات الاستراتيجية: جنوب لبنان إقليم جبلي يجاور أيضا هضبة الجولان السورية. منذ عام 1948، عند قيام إسرائيل، هاجمت قوات الدولة الإسرائيلية المستقبلية خمسة عشر قرية في جنوب لبنان. ارتكبت في ذلك الوقت مذبحة لمدنيين لبنانيين في قرية حولا- هي قرية معروفة لوجود حضور شيوعي تاريخي، إلى حدود اليوم. إن تاريخ المطالب والرغبات الإسرائيلية تجاه لبنان هو تاريخ قديم.
العنصر الثالث هو أن جنوب لبنان مرتبط تاريخيا بفلسطين عبر التجارة والمبادلات والزيجات...إلخ. تحت الحكم العثماني لم تكن هناك حدود بين جنوب لبنان وفلسطين التاريخية. خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين في العشرينيات والثلاثينيات، كان فضاء يشهد الكثير من التنقلات. خلال الثورة العربية الفلسطينية الكبرى عام 1936 طرد البريطانيون الكثير من الناشطين الفلسطينيين إلى لبنان. في عام 1948 شارك أيضا مجموعات لبنانية في القتال إلى جانب الفلسطينيين ضد قوات الدولة الإسرائيلية المستقبلية. لذلك، كان هناك تفاعل تاريخي بين لبنان وفلسطين التاريخية.
أصبح هذا التفاعل التاريخي قويا بشكل خاص في ستينيات حتى ثمانينيات القرن العشرين، إذ ارتبطت حركات المقاومة الفلسطينية مثل فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية وغيرها، الموجودة في جنوب لبنان في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، بمنظمات اليسار اللبناني. لكن هذا الارتباط التاريخي ليس محصورا في تاريخ اليسار اللبناني. أسس الإمام موسى الصدر؛ وهو شخصية كاريزمية وعالم شيعي لبناني، لكن المولود في إيران في مدينة قم؛ في السبعينيات حركة شيعية اسمها حركة المحرومين، التي كان فرعها المسلح "أمل"، وهو اختصارا لـ"ألوية المقاومة اللبنانية". تشكلت حركة أمل عسكريا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. تذكر الرواية أن كلمة "أمل" اخترعها آنذاك ياسر عرفات. هذا الحزب موجود حتى اليوم ويلعب دورا مركزيا عبر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. في عام 1979 تحدثوا عن تحالف بين محرومي أرضهم ومحرومين على أرضهم. محرومو أرضهم هم الفلسطينيين، ومحرومون على أرضهم هم الطائفة الشيعية التي كانت من أكثر الطوائف تهميشا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا في لبنان. كان تأسيس حزب الله نفسه مرتبطا، في أوائل الثمانينيات، ليس فقط بتجربة الثورة الإيرانية أو بالعراق وبشيعية عابرة للقوميات، بل أيضا بالتجربة الفلسطينية، إذ إن عددا من ضباط حزب الله كانوا سابقا أعضاء في منظمات فلسطينية، أغلبهم في فتح بزعامة ياسر عرفات. كان هناك الكثير من اللبنانيين المقاتلين في التنظيمات الفلسطينية، ووجدنا عددا منهم لاحقا في صفوف حزب الله. كل هذا يدل على أن المصير التاريخي لجنوب لبنان كان دائما مرتبطا بالمصلحة التاريخية لفلسطين الانتدابية. هذا التفاعل التاريخي لا يزال قائما حتى اليوم.
نواجه الآن ثلاثة تضادات كبيرة تتعلق بلبنان ستستغرق وقتا لتتطور وتحل. الأولى هي الطابع الإقليمي للصراع: لا يقتصر الصراع اليوم على مجرد صراع على الأرض اللبنانية، بل يدور في إيران والعراق والخليج. الجبهات مترابطة كما لم يحدث ربما منذ حرب 1967، وعدا ذلك فإن ساحة الصراع اليوم أوسع بكثير. التضاد الثاني هو مسألة ميزان القوى العسكري بين حزب الله والإسرائيليين، على أساس حرب غير متكافئة وحرب استنزاف. والثالث هو التناقضات الداخلية اللبنانية في أعقاب هذه الحرب، التي قد تفضي إلى توترات داخلية كبيرة في البلاد.
الاستراتيجية الإسرائيلية حاليا ليست بالضرورة استراتيجية قائمة على التطبيع. يظل التطبيع مع الدول العربية من أولوياتهم، لكنه لم يعد بنفس القوة كما كان خلال اتفاقات أبراهام عام 2017 مع دونالد ترامب. أرى أن الأولوية الحالية لدى الإسرائيليين هي إقامة نوع من نزع السلاح العام لجميع الدول الحدودية. ما يطلبونه من لبنان واضح جدا: منطقة منزوعة السلاح وجيش لبناني ضعيف جنوب نهر الليطاني. يطالبون بالمثل في سوريا، وهي دولة أضعفت بشكل خاص. لا ينبغي نسيان أنه عند سقوط بشار الأسد، قصفت إسرائيل بكثافة جميع مواقع ما تبقى من الجيش السوري لتدميره. اليوم عاد الجيش السوري إلى مستوى قدراته في أواخر الأربعينيات. ولديهم نفس المطالب على شبه جزيرة سيناء المصرية. إذ طالبوا مصر خلال العامين الماضيين بنزع تسليحها. سيناء أرض مصرية وتندرج ضمن السيادة المصرية لكنهم يطالبون بنزع تسليحها الكامل. إذن أعتقد أن الأولوية بالنسبة للإسرائيليين، وهذا ينسجم تماما مع إطار هذه الحرب، هي نزع تسلح الدول الحدودية، التي تعتبرها إسرائيل أولوية على مسألة تطبيع الدول العربية مع إسرائيل. هذا لا يعني أن التطبيع غير مهم. إنه "كريمة فوق الكعكة"، لكن أولوية إسرائيل هي نزع السلاح. أما بشأن لبنان، فيمكنهم قبول، في أقصى حد، جيش لبناني يكون نوعا من قوة شرطة داخلية، من المفترض أن ينزع سلاح حزب الله أو يسيطر على خيمات اللاجئين الفلسطينيين. وباي حال لن يقبلوا جيشا للدفاع الوطني. هذه الرؤية مشتركة لدى الأمريكيين والأوربيين: جيش لبناني لا يكون جيش دفاع وطني، بل جيش موجه نحو الداخل، شرطة في المحصلة.
يبدو أن الحكومة اللبنانية تهاجم حزب الله بشكل متزايد، ما هي الدينامية الحالية للعلاقات بينهما؟
تميل سياسة الحكومة اللبنانية بالأحرى إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية. الحكومة اللبنانية تُقدِم على ذلك لسبب واضح: فهي تريد الحفاظ على البنى التحتية المدنية، ومنها مطار بيروت، والميناء، ومجموع الطرق والمحاور الطرقية التي تسمح بضمان الاستمرارية بين شمال وجنوب البلاد. يهدد الإسرائيليون بفرض حصار شامل، وأمام ذلك، بالفعل، ترى حكومة نواف سلام ورئاسة جوزيف عون أنه يجب تقديم عدد من الضمانات. ومن بين هذه الضمانات المقدَّمة، هناك الحظر الرسمي للفرع العسكري لحزب الله في لبنان، وهو أمر يُعد سابقة منذ بداية التسعينيات. في الوقت الحالي، لا يترتب عن ذلك الكثير من النتائج، لكنه سيترتب عنه على الأرجح عند نهاية الحرب، إذ يمكن أن نتوقع حينها استقطابًا سياسيًا حقيقيًا في البلاد بين أنصار تسليح حزب الله، الذي سيُحظر جناحه العسكري، وبين الذين يدعون إلى نزع سلاحه. وبالتالي فإن الأزمة السياسية الداخلية اللبنانية وتفاقم التوترات الداخلية أمران مرجحان جدًا.
يتمثل الضغط الإسرائيلي والأمريكي الثاني في وضع السكين على رقبة الجيش اللبناني – الذي هو بالفعل مُمول إلى حد كبير من قبل الولايات المتحدة – خاصة على مستوى الرواتب والتسليح. الضغط الأمريكي والإسرائيلي يصل تقريبًا اليوم إلى حد المطالبة باستقالة القائد الحالي للجيش، هيكل، الذي يتمثل موقفه في أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ولكن لا ينبغي الدخول في نزاع أهلي في لبنان، وأن ذلك يجب أن يكون نتيجة حوار سياسي، وليس نتيجة ميزان قوى عسكري داخلي في البلاد.
ما هي إمكانيات بناء مقاومة شعبية يسارية في لبنان، وما هي نقاط الارتكاز في هذا الاتجاه؟
هذا السؤال يستدعي أولًا ملاحظة حول وضع ميزان القوى السياسية في لبنان مقارنة بالستينيات والثمانينيات. لقد كانت هناك تجربة غنية جدًا وكبيرة لليسار اللبناني، استثنائية حتى، بمعنى أن لبنان كان مجال ظهور ما كان يُسمى آنذاك باليسارات العربية الجديدة. وقد وُجدت هذه اليسارات في تونس مع «العامل التونسي»، وفي المغرب مع «إلى الأمام». وفي لبنان، تجسدت خاصة في تنظيمات مثل «منظمة العمل الشيوعي في لبنان» أو «حزب العمل الاشتراكي العربي»، التي كانت تعبر عن راديكالية يسارية للقومية العربية. وهذا ما أنتج أيضًا تجربة الحزب الشيوعي اللبناني. إذ في لبنان، فإن «اليسار القديم» المتمثل في الحزب الشيوعي اللبناني هو أيضًا عنصر من «اليسار الجديد»، ابتداءً من مؤتمره الثاني سنة 1968. كما أن التجدد الفكري لليسار اللبناني مر أيضًا عبر الحزب الشيوعي اللبناني، مع فلاسفة مثل مهدي عامل – الذي قيل إنه متأثر بألتوسير، وهذا صحيح جزئيًا – أو حسين مروة، الذي حاول قراءة ماركسية للإسلام – وهو نفسه كان طالبًا سابقًا في الحوزة الشيعية في النجف بالعراق. وقد كان للحزب الشيوعي اللبناني دور حقيقي، بما في ذلك فكريًا، في تجديد الفكر الماركسي آنذاك. كما قام بنقد المواقف السوفياتية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وبخطة التقسيم لسنة 1947، وكذلك للسياسة السوفياتية مثلًا في تشيكوسلوفاكيا أثناء ربيع براغ.
كان هذا اليسار اللبناني، في سنوات الستينيات والثمانينيات، مدفوعًا أيضًا بدينامية وزخم الثورة الفلسطينية في لبنان. بعد الانسحاب الفلسطيني من لبنان سنة 1982(2)، أصبح اليسار اللبناني، والحزب الشيوعي، ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان، وتنظيمات أخرى مثل حزب العمل الاشتراكي العربي، في قلب المقاومة ضد إسرائيل في جنوب لبنان، خاصة مع تأسيس ما يُسمى «جمول» (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية). لكن مجمل هذا اليسار اللبناني تعرض لصدمة مع سقوط الكتلة الشرقية والتحول الصيني في الثمانينيات(3). وكان لذلك تأثيرات مالية وعسكرية في إطار الحرب الأهلية والمقاومة ضد إسرائيل في جنوب لبنان. فقد كان الدعم العسكري والمالي حاسمًا: وعندما اختفى هذا الدعم، اختفت معه القوة السياسية. ومن ثم، قامت إيران وحزب الله باستعادة الرصيد المناهض للإمبريالية لليسار – بما في ذلك عبر استقطاب ودمج مناضليه.
وعليه، فإن اليسار اللبناني اليوم ضعيف جدًا، وقد انقسم أيضًا حول عدد من القضايا. فقد قسمته المسألة السورية في سنوات 2010، حيث أعطى بعض المناضلين اليساريين الأولوية للدفاع عن حزب الله و«محور المقاومة» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما انحاز آخرون إلى الثورة السورية. كما قسمته أيضًا مسألة إيران. وبالتالي فقد انقسم حول قضايا استراتيجية، وحول مسألة الثورات العربية، والعلاقة مع الغرب، وتنظيم السياسة، إلخ.
مسألة بعث مقاومة يسارية في لبنان، كما تُطرح، هي في رأيي مسألة مجردة إلى حد ما: لأن الحديث عن مقاومة يعني أيضًا التفكير في مسألة الوسائل، والقاعدة الشعبية الداخلية، والدعم الخارجي الضروري، وهي أمور يفتقدها اليسار اللبناني اليوم، بخلاف السبعينيات، نتيجة تغير موازين القوى العالمية منذ سقوط الجدار. يمكن القول إن هناك ثلاث مواقف يسارية في لبنان في هذا الإطار: الأولى تتشكل حول إحدى أهم الصحف في البلاد، وهي جريدة «الأخبار»، التي تدافع عن فكرة ضرورة دعم «محور المقاومة» بأي ثمن، باعتبار أن ما يجري هو معركة وجودية – بالمعنى الحرفي – لمستقبل هذه المنطقة. ومنذ عودته إلى لبنان، فإن جورج إبراهيم عبد الله يتبنى هذا الخط بشكل واضح. الموقف الثاني يظهر في الحزب الشيوعي اللبناني أو في التنظيم الشعبي الناصري للنائب أسامة سعد في صيدا: وهو يدعو إلى إعادة بناء مقاومة شعبية غير طائفية تتجاوز حزب الله، لكن هذا يعيدنا إلى مسألة القاعدة الشعبية والوسائل والدعم، وهي مسألة غير قابلة للحل في الوقت الراهن. أما اليسار الثالث، فيختزل اسم اليسار في دفاع أدنى عن حقوق الإنسان والديمقراطية، ولكن بطريقة منزوعة التسييس إلى حد ما: وهو تيار «المجتمع المدني» و«المنظمات غير الحكومية»، الذي يمثله بعض النواب المسمَّين «نواب المجتمع المدني» في البرلمان اللبناني منذ 2022.
ومع ذلك، توجد اليوم حساسية يسارية في لبنان، مناهِضة للإمبريالية، معارضة للاحتلال، ولها تأثيرات ملموسة على الأرض، وإن كانت محدودة لكنها حقيقية. وهي تحاول بناء شيء ما، خاصة ما يمكن تسميته بشكل من أشكال المقاومة المدنية. على سبيل المثال، خلال فترة وقف إطلاق النار التي تلت حرب 2024، في لجان القرويين من أجل الحق في العودة إلى قراهم على الشريط الحدودي. وقد تعرّض بعض هؤلاء المناضلين اليساريين لتهديد مباشر من الإسرائيليين عبر هواتفهم. كما توجد اليوم تعبئة اجتماعية إنسانية للحزب الشيوعي اللبناني ولجمعية «النجدة الشعبية» التابعة له، التي تدير مثلًا مستشفى في مدينة النبطية. ويعمل المناضلون والعاملون في ظروف صعبة للغاية، حيث إن مدينة النبطية تتعرض لقصف وإطلاق نار مستمرين.
ما هي مهام المناهضين للإمبريالية في العالم بخصوص هذا الموضوع؟
أعتقد أن شيئًا مثيرًا للاهتمام قد حدث في لبنان وفي مجمل المنطقة عندما وقع اختطاف مادورو. وقد تم إدراك ذلك في لبنان كحدث مقلق للغاية، لأنه مسّ الناس بشكل مباشر: ليس بمعنى رمزي، بل بمعنى تهديد ملموس، إذ سنكون نحن، في هذه المنطقة، التاليون. هناك وعي كبير جدًا في لبنان – ليس فقط لدى كبار المناهضين التاريخيين للإمبريالية، بل حتى لدى النخب – بنوع من الإمبريالية في حالتها العارية، أي إمبريالية أمريكية لا نظير لها في التاريخ من حيث الانتشار العسكري العابر للقارات. فلا الصين ولا روسيا مثلًا يمكن مقارنتهما بها، من حيث الانتشار العسكري العالمي: فالولايات المتحدة لديها أكثر من 250 ألف شخص منتشرين عبر القارات، في نحو 80 بلدًا، مع قواعد عسكرية ضخمة. بينما تمتلك الصين، بالمقارنة، قاعدة عسكرية واحدة في جيبوتي تضم أقل من 2000 شخص. خطاب دونالد ترامب هو خطاب انفصل تمامًا عن التبريرات النظرية المتعلقة بالديمقراطية أو تصديرها، ولم يعد يهتم حتى بالقوة الناعمة. إنها إمبريالية بلا تردد، أكثر من عهد بوش الابن.
السؤال الكبير المعاصر بالنسبة للحركات المناهضة للحرب في أوروبا الغربية، والولايات المتحدة أو أستراليا، هو كيف يمكن ربط حركاتهم المناهضة للحرب بالحركات المناهضة للاستعمار في الجنوب العالمي. هذه الارتباطات تبقى صعبة جدًا. أسطول غزة المنطلق من تونس حاول تقديم بعض الإجابات الأولى. وقد بدأ يتشكل نوع من أممية جديدة بعد 7 أكتوبر حول غزة. وفي الوقت نفسه، لم تعد توجد فضاءات مثل تلك التي كانت في سنوات 2000، مع دينامية المنتديات الاجتماعية العالمية في البرازيل أو الهند، للالتقاء ومناقشة القضايا الخلافية بين مناضلي الشمال والجنوب: هل يجب مساواة الإمبريالية الأمريكية بروسيا والصين، أم أن هناك اليوم شكلًا من «إمبريالية فائقة» أمريكية غير مسبوقة؟ كيف يمكن مقاربة الحركات المناهضة للاستعمار ذات البعد الديني؟ هذه أسئلة تُحدث انقسامات، لكن لم تعد هناك فضاءات للنقاش الهادئ حولها.
ومن الصعوبات أيضًا أنه في الجنوب العالمي يوجد وعي كبير بأن «الغرب» يظل متضامنًا إلى حد كبير: فالخلافات مثلًا حول أوكرانيا بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تُرى من هنا كخلافات ظرفية وليست بنيوية، لأنه في النهاية، فيما يتعلق بغزة أو حتى إيران، يظهر دائمًا شعور بالتضامن بين الدول الغربية الكبرى. هذه الخلافات الظرفية لا تنجح في إنهاء هذا النوع من التحالف البنيوي بين الدول الغربية، وهو تحالف أيديولوجي وسياسي واقتصادي في آن واحد. وفي المقابل، هناك نوع من خيبة الأمل لدى شعوب الجنوب العالمي: فالجنوب العالمي موجود اليوم ربما اقتصاديًا عبر منظمات مثل منظمة شنغهاي للتعاون أو مجموعة البريكس، لكنه غير موجود سياسيًا. الجميع واعٍ بذلك. وهناك مفارقة كبيرة هنا، لأنه في سنوات 1950 إلى 1970 كانت هناك دينامية سياسية للجنوب العالمي – مع مؤتمر باندونغ والقارات الثلاثة – ولكن دون دينامية اقتصادية. أما اليوم، فهناك دينامية معاكسة: تضامن اقتصادي، ولكن دون ترجمة سياسية حقيقية.
يوم 21 مارس 2026
------------------
(1) بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان هي بعثة لمنظمة الأمم المتحدة منتشرة في الجنوب اللبناني منذ عام 1978.
(2) في عام 1982 فرض على منظمة التحرير الفلسطيني مغادرة بيروت بضغط من الاحتياج الإسرائيلي.
(3) تخلت الصين بقيادة دانغ شياوبينغ عن دعمها لحركات التحرر الوطني وللأحزاب الشيوعية بالعالم الثالث خدمة لمصالحها الاقتصادية والديبلوماسية.