شهدت المنطقة الناطقة بالفرنسية في بلجيكا خلال الأسابيع الأخيرة تسارعا مفاجئا في النضالات في قطاع التعليم، تحولت إلى تمرد عام للشباب. في هذا الحوار، تتناول إيفلين وينز الظروف التي نشأت فيها هذه الحركة، والدور المعقد للنقابات والائتلافات المنظمة ذاتيا، وكذلك عملية التسيس التي تسبب فيها القمع.
أجرى المقابلة ليونارد بريس.
منذ بضعة أسابيع، تصدر قطاع التعليم الناطق بالفرنسية القطاعات المناضلة في بلجيكا. لكن هذا النضال لم يأتِ من فراغ: فمنذ عامين، تشهد البلاد نضالات مهمة ضد الحكومات الحالية.
قبل عامين، شهدت بلجيكا انتخابات على جميع مستويات السلطة. واتجهت والونيا، وهي منطقة كان يهيمن عليها تاريخيا الحزب الاشتراكي، نحو اليمين؛ وبشكل أعم، سار البلد بأسره في الاتجاه نفسه، مع حكومات إقليمية واتحادية متطرفة بشكل خاص. ومنذ تشكيل هذه الحكومات، دخلت قطاعات عديدة في المقاومة، لا سيما فيما يتعلق بقضايا معاشات التقاعد والحماية الاجتماعية. وخاض البعض نضالات قوية: إضراب عمال السكك الحديدية الذي استمر عشرة أيام متتالية، وأربعة أسابيع في البريد... بالإضافة إلى أيام إضراب مشتركة ضخمة بين مختلف القطاعات، لا سيما يوم 14 أكتوبر 2025 حيث تظاهر أكثر من 140 ألف شخص، وهو أمر غير مسبوق منذ التسعينيات. وفي هذا السياق، تمسكت الحكومات بخط متشدد، مؤكدة استحالة أي تراجع من جانبها.
لكن منذ البداية، كان قطاع التعليم قطاعا رئيسيا، على الأقل في الجانب الناطق بالفرنسية.
طرحت حكومة اتحاد والونيا-بروكسل، أي الجزء الناطق بالفرنسية من البلاد، منذ توليها مهامها مقترحات إصلاحات من خلال «مراسيم برنامجية»، ومن بينها المرسوم البرنامجي رقم 2، الذي تم التصويت عليه مؤخرا. ومن بين التدابير المقررة، هناك إلغاء التعيينات الدائمة للمدرسين والمدرسات، الذين واللواتي سيتم توظيفهم-ن بموجب عقود عمل غير محددة المدة بدلا من الحاقهم-ن بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية – وهو ما يتيح فصلهم من العمل بسهولة أكبر بكثير، ويعرضهم لضغوط السلطة السياسية. ولكن هناك أيضا العديد من التدابير التقشفية، بما في ذلك تقليص التغطية الصحية للمدرسين/ات في حالة المرض، وعمليات المراقبة التي تصل إلى درجة عدوانية غير مبررة، فضلا عن الهجمات على نظام المساعدة المخصصة للتلاميذ والتلميذات في وضعية هشاشة – يتم الحديث عن 55 ألف طفل سيفقدون حقهم في وجبة مجانية في المطاعم المدرسية. لكن ما أشعل فتيل الأزمة حقا هو إضافة ساعتين من العمل لجميع المدرسين والمدرسات في السنوات الثلاث الأخيرة من التعليم الثانوي، دون زيادة في الأجور. يتعلق الأمر بساعتين أمام الفصل، أي عمليا نصف يوم عمل إضافي. وهذا يعني أيضا، على المدى الطويل، إلغاء ما بين 1300 و 1500 منصب.
وبالتالي، فإن المدرسين والمدرسات في الخطوط الأمامية تقريبا منذ تشكيل الحكومات: أحيانا في إضرابات قطاعية، وأحيانًا في إضرابات مشتركة بين القطاعات، وأحيانا مع قطاعات أخرى، مثل رعاية الطفولة المبكرة، ورعاية الأطفال، والثقافة.
كان أبرز هذه الأحداث إضراب 14 أكتوبر/تشرين الأول
أشعل يوم 14 أكتوبر حقا شيئا ما لدينا، من خلال تلك المظاهرة الحاشدة التي جمعت كل قطاعات المجتمع. وكان شهر نوفمبر/تشرين الثاني حافلا للغاية، حيث شهد يوما من الإضراب للمدرسين والمدرسات، ثم سلسلة من ثلاثة أيام متتالية من الإضراب المشترك بين المهن، وهو ما كان أمرا غير مسبوق إلى حد كبير في بلجيكا. لكن في تلك الفترة، كان من الممكن الشعور بوجود فجوة واسعة بين تصميم العمال والعاملات، المستعدين/ات لتصعيد حدة النضال، وتردد قيادات النقابات، التي رفضت اغتنام الفرصة. وقد تسبب ذلك في تراجع مؤقت في حدة الوضع، من يناير إلى مارس.
كيف تفسرين هذا الموقف من جانب قيادات النقابات؟
يعتمد النموذج المؤسسي في بلجيكا تقليديا على التشاور والتوافق. لكن للمرة الأولى منذ فترة طويلة، وجدت النقابات نفسها في وضع لم يعد فيه مجال للتفاوض. فعندما كانت الحكومة تستدعيها، كان لتقدم لها نصوص قوانين جاهزة ونهائية، من دون أي هامش لتعديلها. ولم تتمكن النقابات من إيجاد استراتيجية للتعامل مع هذا الوضع.
في كل مظاهرة، وطوال هذه المرحلة الأولى من الحركة الاجتماعية، كان قادة النقابات يأخذون الكلمة للمطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات، كما لو كان ذلك هو الأفق الوحيد المرغوب فيه – العودة للجلوس إلى طاولة تم الاتفاق على أنه لن يتم الاستماع إليهم فيها كيفما كان الحال. لم يدركوا أبدا حقيقة أن نموذج الحوار على الطريقة البلجيكية، في الاجتماعات الهادئة والمطاعم الفخمة، لم يعد موجودا.
لكن الحركة الاجتماعية تكره الفراغ…
نعم، وساعد هذا الوضع على ظهور ائتلافات منظمة ذاتيا. بعضها، مثل «المدرسة المكافحة»، كان موجودا بالفعل، لكنه اكتسب زخما جديدا في هذا السياق، من خلال انتقاد نموذج الإضرابات «المتقطعة» والمظاهرات التي كانت تتكرر بنفس الشكل من محطة الشمال إلى محطة الجنوب. ولجأوا إلى أساليب مقاومة أكثر راديكالية بعض الشيء، لا سيما تعطيل إجراءات الامتحانات. وتصاعد التوتر، إلى أن تم استبعاد بعض المندوبين والمندوبات من نقابتهم بتهمة «الانتماء المزدوج«.
في النقابة المسيحية الديمقراطية، طرحتُ السؤال صراحة: أنا ناشطة، ومناهضة للفاشية، وعضوة في «المدرسة المكافحة». ما مدى ضمان وظيفتي في هذه المنظمة؟ هل ينبغي أن أتوقع طردي؟ أثارت هذه التساؤلات انزعاجا كبيرا، وكان شعار القيادات بوضوح هو ضرورة الحفاظ على مسافة فاصلة.
لكن ما قلب الوضع فعلا هو أن مجموعة من المدرسات والمدرسين، في مدرسة نشطة بشكل خاص في بروكسل، قرروا تشكيل ائتلاف على نطاق أوسع. أظهروا مهارة كبيرة في التواصل والعلاقة مع الصحافة، حيث أعدوا الأرضية جيدا، وجعلوا من تأسيس هذه المنظمة حدثا بحد ذاته. كانت فكرتهم هي تكوين مجموعة ذات هوية بصرية يسهل التعرف عليها، يمكن للجميع التماهي معها: لذا أطلقوا عليها اسم «Mars Attacks»، لأن الانطلاقة كان في شهر مارس، واستلهموا من عالم الخيال المستمد من فيلم تيم بيرتون لابتكار صورهم وفيديوهاتهم وأزيائهم.
عند انطلاقه، كان الائتلاف يضم عشر مدارس. لكن في أعقاب ذلك، نظم الائتلاف جمعية عامة دُعي إليها الجميع: المدرسات والمدرسون، والعائلات، والأصدقاء، والأزواج والزوجات، وغيرهم. وتبع ذلك تأثير «كرة الثلج»، مدعوما بشكل كبير بفعالية التواصل التي نجحت في جذب تغطية إعلامية جيدة. انضمت المدارس واحدة تلو الأخرى، وفي المظاهرة التي تلت ذلك، في 9 أبريل، كان حجم كتلة «Mars Attacks» يضاهي حجم كتلة النقابات.
لم تهدأ التوترات على الفور، بل على العكس تماما. من وجهة نظر العديد من قادة النقابات، ظل «Mars Attacks» مجرد ائتلاف من سكان بروكسل ذوي الميول الفوضوية، محكوم عليه بالاختفاء سريعا. وما أضاف الزيت على النار هو أن الوزيرة اتصلت مباشرة بـ«Mars Attacks»، مما عمق جراح قيادات النقابات التي فقدت مكانتها التفاوضية التاريخية. وفي يوم التعبئة في 9 أبريل، كادت هذه التوترات أن تأخذ منحى أكثر حدة، حيث ضغط العديد من أعضاء «Mars Attacks» من أجل أن يتصدر الائتلاف المسيرة ويبدأ التظاهرة دون انتظار كلمات القادة النقابيين. لم يحدث ذلك، لكن هذه الحادثة توضح جيدا الطبيعة المتناقضة لهذا الائتلاف: مزيج من المدرسين والمدرسات المنتمين/ات إلى النقابات وغير المنتمين/ات إليها، والكثير منهم يشاركون في حركة اجتماعية للمرة الأولى، مع أسلوب غير تقليدي ومرح كما يحبه المدرسون والمدرسات، وهوية سياسية واسعة النطاق وأكثر توافقية من الائتلافات اليسارية الراديكالية مثل «المدرسة المكافحة»، ولكن في الوقت نفسه، إرادة مؤكدة للخروج عن عادات الحركة الاجتماعية التقليدية، من خلال العصيان. وهذا الأمر يكتسب أهمية أكبر بالنظر إلى أن النقابات، التي تنظر إلى هؤلاء الناشطين/ات بازدراء، لم تتردد في مشاركة صور موكب «Mars Attacks» على شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بها – لا سيما الاتحاد المركزي للخدمات العامة (اتحاد النقابات المسيحية)، الذي استغل حقيقة كون أزياء المريخيين الذين يشكلون الموكب ملونة في الغالب بالأخضر، مثل السترات التقليدية للاتحاد.
ومنذ ذلك الحين، ضغطنا مع العديد من المناضلات والمناضلين من أجل أن تعترف اتحاد النقابات المسيحية صراحة بالوضع: فإذا كانت النقابات لا تزال تحظى بتأييد الجماهير، فإنها تفتقر إلى الأفكار، وهذا بالضبط ما توفره الائتلافات من هذا النوع. وأثمرت هذه الضغوط الداخلية: سرعان ما أصدر اتحاد النقابات المسيحية للتعليم بيانا أكد فيه أنه يدعم جميع الإجراءات التي تتماشى مع مطالبه، وألمح إلى أنه سيحمي أعضائه المشاركين فيه. واضطرت الكونفدرالية العامة للخدمات العمومية إلى اللحاق بالركب، وإن كان ذلك بتردد أكبر. لكن هذا السياق الجديد سمح بتصعيد سريع، وتوسعت حركة «Mars Attacks» أسبوعا تلو الآخر.
حتى وصل الأمر إلى الدعوة إلى إضراب مفتوح.
كانت الإعلانات الأولى عن الجدول الزمني للإصلاح، الذي كان من المقرر التصويت عليه في 27 مايو، بمثابة جرس إنذار: منذ تلك اللحظة، أصبح من الواضح أنه لا بد من حشد كل القوى في المعركة. لذا، وإلى حد ما تجاوزت حركة «Mars Attacks» النقابات، بدعوتها إلى ما كان الجميع ينتظره منذ شهور: إضراب متجدد، حتى سحب المرسوم- البرنامج. ووجدت النقابات نفسها أمام إنذار نهائي – فقررت الانضمام. وقدمت إشعارا بالإضراب عن العمل لجميع الأيام حتى يوم 27 مايو، وعندما نجحت المعارضة البرلمانية في تأجيل التصويت، تم تمديد الإضراب حتى العطلة الصيفية، بل وحتى بداية العام الدراسي الجديد.
وهنا ظهر شكل جديد من التكامل بين حركة «Mars Attacks» والنقابات. فهذه الأخيرة تدعم الحركة بفضل مواردها المالية (تعويضات يومية عن الإضراب، تعويضات عن تكاليف النقل...)، وتواصل محاولة التفاوض مع الحكومة. أما حركة «Mars Attacks» فترك لها هذا الدور عن طيب خاطر، وتكتفي ببناء التعبئة حول مطلب بسيط: سحب الإصلاح، ومعه استقالة الوزيرتين اللتين تدعمانه، فاليري غلاتيني (وزيرة التعليم الإلزامي) وإليزابيث ديغريس (رئيسة وزراء اتحاد والونيا-بروكسل، ووزيرة التعليم العالي). لكن عمليا، فــ «Mars Attacks» هي التي تحدد جدول الأعمال.
كما أظهر الائتلاف مرونة ذكية واهتماما خاصا بالتقنيات الجديدة للمقاومة التي كانت تظهر هنا وهناك. على سبيل المثال، كان الإضراب أكثر نجاحا في منطقتي فيرفييه ولييج، بفضل نموذج جد فعال للتعاون بين المدارس، مع دعوات يومية لتعزيز حاجز الإضراب هذا أو ذاك؛ وسرعان ما حلل ائتلاف «Mars Attacks» هذا الأسلوب وطبقه على نطاق أوسع. اتخذ الإضراب نموذجا تناوبيا لضمان استمراره على المدى الطويل: كل يوم، يضرب عن العمل المدرسون والمدرسات الذين لديهم أكبر عدد من الساعات، بينما أولئك الذين لديهم ساعات قليلة فقط يدرسونها بسرعة، قبل الانضمام إلى حاجز الإضراب. وفي المدارس التي تتخذ فيها الإدارة موقفا قمعيا، تتم دعوة المدرسات والمدرسين من مؤسسات أخرى لتنظيم التحركات مع توفير الحماية من الانتقام. وسرعان ما امتد التحرك ليشمل التلاميذ وحتى أولياء الأمور، مع تأسيس حركتي «Students Attacks» و«Parents Attacks». وبدأ التلاميذ والتلميذات يلعبون دورا في تنظيم حواجز الإضراب – وهو أمر نادر جدًا في بلجيكا، التي لا تمتلك تقليد الإغلاق المؤسسات الذي نراه، على سبيل المثال، في فرنسا.
وهكذا وصلنا إلى ذلك الأسبوع الشهير الذي بدأ في الأول من يونيو...
كما ذكرنا، كان من المقرر في البداية التصويت على المرسوم - البرنامج في 27 مايو، ثم تم تأجيله عقب طعن قدمته المعارضة. يوم الاثنين 1 يونيو، أعلنت الحكومة أنها ستفرض القرار بالقوة، وحددت موعد التصويت ليوم الخميس 4 يونيو – متجاوزة، بطريقة غير مسبوقة تماما، الآجال المنصوص عليها في القواعد البرلمانية. ومن الواضح أن الهدف كان تجنب أي اعتراض، لأن هذا الموعد لم يترك لنا حتى الوقت الكافي لطلب ترخيص لتنظيم مظاهرة.
أما على صعيد النقابات، فقد كانت الاستراتيجية التي تم اختيارها في البداية هي دعوة المدرسات والمدرسين للانضمام إلى مسيرة كانت مقررة بالفعل ومرخصا لها في صباح يوم الخميس نفسه، في قطاع الصحة – والتي تم توسيع نطاق رسالتها فعليا. من جانبها، دعت حركة «Mars Attacks» إلى التجمع بعد الظهر حول مبنى البرلمان، على الرغم من عدم وجود ترخيص، وحقيقة أن الشوارع المعنية تشكل، على أي حال، جزءا من «المنطقة المحايدة»، وهي الجزء من بروكسل الذي تُحظر فيه جميع المظاهرات. وسرعان ما نقل العديد من قادة النقابات هذا النداء بشكل غير صريح، داعين الأعضاء إلى «تحديد وجهتهم وفقا لما تمليه عليهم ضمائرهم» وعبارات غامضة أخرى، دون المخاطرة بإبداء دعم صريح.
كان الجميع يعلم أن عددا كبيرا من الناس سيحضرون. لكن ما لم نكن نتوقعه هو التعبئة الاستثنائية للشباب، الذين غمروا الحركة تماما منذ الصباح الباكر. وسرعان ما اندلعت المواجهات. من نواحٍ عديدة، شكل هذا اليوم تسارعا غير مسبوق في تسيس الحركة، في مواجهة صدمة قمع وحشي بشكل خاص، استهدف في المقام الأول الشباب من أصول مهاجرة. لكنه كان أيضا يوماً حافلا بصور رائعة، لا سيما عندما شكّل المدرسون والمدرسات سلاسل بشرية أمام الشرطة لحماية تلاميذهم. ونشأ تضامن قوي، مع فتح مراكز رعاية طارئة لتقديم المساعدة للمصابين/ات أو الذين واللواتي تعرضوا/تعرضن لصدمات نفسية.
استمرت المناقشات البرلمانية طوال الليل، وأُجري التصويت في الساعات الأولى من الصباح. لم ينم الكثيرون منا. شخصيا، كان لدي اجتماع نقابي مقرر في اليوم التالي الساعة التاسعة والنصف صباحا، وقد حضر بعض الأشخاص قبل الموعد بأكثر من ساعة، دون حتى أن يأخذوا قيلولة قصيرة، بدافع الحاجة إلى التواجد معا. ورغم أن بعض القادة النقابيين حاولوا بشكل غامض التمسك بالنقاط المدرجة في جدول الأعمال، الذي أُعد قبل 15 يوما، سرعان ما تحولت الجلسة إلى مساحة للنقاش بين أشخاص مصدومين بشدة من الأحداث – بمن فيهم البيروقراطيون. واستعملتُ هذا الفضاء لدعوة اتحاد النقابات المسيحية إلى تسخير أجهزتها لدعم مئات الشباب والشابات المعتقلين، وهو ما تم دون مواجهة أي معارضة.
لكن أثناء الاجتماع، بدأنا نتلقى رسائل تحذرنا من تجدد أعمال الشغب. ولم يقتصر الأمر على بروكسل فحسب: ففي نامور، اتخذت التحركات أبعادا كبيرة لدرجة أن جميع المدارس أُغلقت كإجراء احترازي. وبينما أصبح الشباب يقودون الحركة بوضوح، سارعت الائتلافات مثل «Mars Attacks» والمدرسة المكافحة»، و«اليسار المناهض للرأسمالية»، وحتى النقابات، إلى تسخير قواهم لتنظيم التضامن في مواجهة القمع – مع وجود، بالطبع، فروق دقيقة بين بعض البالغين الذين يدعمون استقلالية الشباب، وآخرين اتخذوا موقفا أكثر أبوية، لكنهم اتفقوا جميعا على إدانة عنف الشرطة. وهكذا يوم الجمعة وطوال عطلة نهاية الأسبوع، ثم بشكل متفرق منذ ذلك الحين، رأينا مشاهد تكاد تشبه الحرب في بروكسل وفي العديد من مدن والونيا.
كيف غيّر ظهور الشباب في الصدارة طبيعة الحركة؟
اتسع نطاق السرد. كان التلاميذ متضامين أصلا مع مطالب المدرسين/ات: فابنتي، في مدرستها، تعلم منذ عدة أشهر أن العديد من مدرسيها ومدرساتها سيُجبرون على الأرجح على مغادرة المؤسسة ابتداء من العام المقبل. أما بالنسبة للأكبر سنا ولطلاب التعليم العالي، فإن الغضب يتجسد أيضا بشكل واضح في زيادة الرسوم الجامعية، التي ترتفع في بعض التخصصات من 300 يورو إلى 1200 يورو. لكن ما يلفت الانتباه أيضًا هو التناقض بين هذا الانغلاق أمام فرص الوصول إلى التعليم، وبين العسكرة، التي أصبحت الآن المسار الذي يُدعى شباب الطبقات الشعبية إلى الانخراط فيه بحماس. منذ العام الماضي، يتلقى جميع المراهقين والمراهقات، عند بلوغهم سن السابعة عشرة، رسالة تعرض عليهم الانضمام إلى الجيش، مصحوبة بوعود براتب مرتفع وأمان وظيفي. في بعض المدارس، يُعد الطلاب الآن لمهن الجيش منذ سن 15 عاما. وقد تكررت هذه المواضيع كثيرا في الشعارات، مما يدل على أن الحركة تطرح الآن سؤالا أعمق بكثير: أي مجتمع نقترحه لأطفالنا؟
حتى 4 يونيو، كنا قلقين إلى حد ما من أن التصويت على مرسوم البرنامج قد يؤدي إلى تراجع زخم الحركة. لكن من الواضح أنه بعد ذلك اليوم، أخذت الحركة بعدا جديدا، ولم تزد إلا اتساعا.
من وجهة نظرك، ما هي التوجهات التي يجب أن تتبناها الحركة في هذه المرحلة؟
أكبر مخاوفي اليوم هي أن نعتمد على الشباب لقيادة النضال. النموذج الذي تم تبنيه اعتبارا من 4 يونيو، حيث يتقدم الشباب إلى الخطوط الأمامية بينما يدعمهم البالغون من الصف الثاني، لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة.
ثم هناك مسألة إعادة تنشيط النضال في قطاعات أخرى. الموعدان المقبلان المقرران للتعبئة، بخلاف قطاع التعليم، هما 22 يونيو، بمبادرة من قطاع الخدمات العمومية، و23 يونيو، لقطاع التجارة. وهذان قطاعان يسهل تحقيق التقارب معهما: الخدمات العمومية بطبيعة الحال لأن التقاطع واسع، حتى وإن لم تكن جميع المدارس تابعة له، وقطاع التجارة لأن الاتحادات النقابية المعنية ناشطة للغاية، وتبدي بالفعل تضامنا كبيرا مع نضالنا. لذلك سيكون المدرسون والمدرسات حاضرين/ات، ومن المرجح أن يتم تسليط الضوء على نضالنا أيضا. لكن من الناحية المثالية، ينبغي أن يضرب قطاع النقل، على سبيل المثال، تضامنا معنا: فإذا تعذر عقد الدروس لأن الأطفال لا يستطيعون الوصول إلى المدارس، عندئذ يمكن للمدرسين والمدرسات كسب يوم لا يُخصم فيه راتبهم، وهو ما قد يساعدنا بشكل كبير على الصمود.
وأخيرا، فإن القضية الحاسمة اليوم هي مسألة الامتحانات. فإلى جانب الضغط من أجل العودة إلى الفصول الدراسية، لا يمكن إجراء هذه الامتحانات بطريقة عادلة على أي حال، نظرا لأن العديد من التلاميذ لم يحضروا أي دروس تقريبا منذ أسابيع. وشعار حركة «Mars Attacks» هو العصيان، مع رفض إدخال النقط. وقد أعلنت بعض المدارس بالفعل إلغاء جميع الامتحانات؛ وفي الأيام الأخيرة، أصدرت النقابات بيانا تدعو فيه جميع المؤسسات التعليمية إلى اتباع هذا المثال.
أما بالنسبة للمستقبل، فقد خططنا لمواصلة تعبئة جهودنا طوال الصيف، حتى لو كانت العطلة الصيفية ستؤدي بالضرورة إلى تباطؤ مؤقت. وقد قدمت النقابات بالفعل إشعارات مسبقة بالإضراب فور استئناف الدراسة، وإذا لم يتم سحب الإصلاح بحلول ذلك الوقت، فإن الهدف واضح وهو عدم بدء الموسم الدراسي الجديد. من الواضح أن هذا الوضع يغير قواعد اللعبة مقارنة بكل ما أظهرته التحركات الاجتماعية منذ الانتخابات. حتى الآن، كانت نقطة ضعفنا الكبرى هي غياب خطة نضال وآفاق ملموسة: كنا ننطلق في تحرك من أجل يوم إضراب كبير، ثم ننتظر حتى تعلن قيادات النقابات عن موعد جديد، بعد شهر أو شهرين. أما الآن، فيما يتعلق بالتعليم، فهناك خطة، على الأقل حتى شتنبر، وهناك تصميم على تنفيذها. أنا واثقة: لن يقبل المدرسون والمدرسات هزيمة جديدة، وقد أيقظت هذه التحركات شيئا ما لدى الشباب – رغبة شديدة، وأكثر من مشروعة، في الفوز بمستقبل آخر.
15 يونيو 2026
(1) تاريخياً، ينقسم المشهد النقابي البلجيكي إلى اتحادين نقابيين كبيرين: «الخضر»، أي الاتحاد العام للنقابات المسيحية (CSC)، و«الحمر»، أي الاتحاد العام للعمل في بلجيكا (FGTB) الذي تتبعه النقابة العامة للخدمات العامة (CGSP).
ولئن كان الاتحاد الأول تاريخياً ينتمي إلى الديمقراطية المسيحية والثاني إلى التيار الاشتراكي، فقد أدت مضي الأيام إلى طمس هذه الفوارق بشكل كبير، حتى أصبح «الخضر» في العديد من القطاعات أكثر يسارية من «الحمر«.