تصاعدت، في الأسابيع الأخيرة، هجمات ترامب على الحقوق الديمقراطية في الولايات المتحدة، وأضحت انتهاكات القانون الدولي وسيادة بلدان الأخرى أكثر عنفا. فيما حركة اجتماعية ومقاومات عمالية في طور التشكل.
اختطفت قوة جوية وبحرية ضخمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، يوم 3 يناير 2026، وأسفر الهجوم عن مقتل حوالي مائة فنزويلي وكوبي خلال الغارة، فيما تمت سرقة 500 مليون برميل من النفط الفنزويلي بواسطة القوات البحرية الأمريكية بعد الغارة.
أعلن ترامب، بكل غطرسة إمبراطورية، أن الولايات المتحدة «ستتولى إدارة» فنزويلا، وهو يهدد أيضا كولومبيا وكوبا، ومؤخرا غرينلاند، على الرغم من أنها تابعة للدانمارك، حليفة الولايات المتحدة في الناتو منذ عام 1949.
أتى هذا الهجوم بعد أسابيع من عمليات إعدام عنيفة دون محاكمة لطاقم سفن بذريعة تهريبه للمخدرات قبالة سواحل فنزويلا في المحيط الهادي.
في 9 يناير، في شوارع مينيبوليس الباردة، مينيسوتا، قتل ضابط من وكالة الهجرة والجمارك1 بدم بارد المواطنة الأمريكية البيضاء غير المسلحة، ريني غود، وهي أم لطفلين وتبلغ من العمر 37 عاما، كانت تشارك في أعمال غير عنيفة لدعم المهاجرين.
ساهمت الفيديوهات العديدة لمقتل غود في جعلها أشهر ضحية من بين 32 شخصا على الأقل قتلوا بواسطة ضباط وكالة الهجرة والجمارك.
هاتان الحالتان، المنفصلتان على ما يبدو، لهما صلة باللجوء المتزايد للعنف ضد الأشخاص الملونين وحلفائهم، سواء في الولايات المتحدة أو خارجها، على أساس اتهامات مفترضة بتهريب المخدرات.
يبرز تعيين ستيفن ميلر، وهو القائد النازي الجديد المسؤول عن سياسة الهجرة العنصرية لترامب، في أحد أعلى المناصب في حكومة ترامب في مجال سياسة الهجرة، بشكل صارخ الصلة بين الهجوم على فنزويلا وعمليات القتل التي تقوم بها وكالة الهجرة والجمارك .
العنصرية والإمبريالية
اندلعت المظاهرات في عدة مدن سريعا، بعد ساعات قليلة من الهجوم على فنزويلا، جمعت من بضع مئات إلى ألفي شخص في نيويورك. لكن مقتل ريني غود هو الذي كان له كبير الأثر على الشعب الأمريكي. نظمت آلاف المظاهرات تكريما لها وللمطالبة بإلغاء وكالة الهجرة والجمارك، في جميع أنحاء البلاد. تظهر الاستطلاعات دعما كبيرا لهذا المطلب.
ردت الحكومة باتهام غود بصدم ضابط وكالة الهجرة والجمارك بسيارتها، في حين تظهر الفيديوهات بوضوح أن سيارتها كانت تبتعد عن الضابط. استبعدت التحقيقات الفيدرالية حول إطلاق النار مسؤولية المسؤولين المحليين في مينيبوليس، وهددت بالتحقيق في ارتباط أرمل غود مع جماعات مناضلة – رغم ان هذا النشاط محمي بالدستور الأمريكي. فيما لم يتم توجيه أية تهمة لجوناثان روس، البلطجي القومي المسيحي من وكالة الهجرة والجمارك الذي قتل غود ولا يخضع حاليا لأي تحقيق.
كان جواب الحكومة هو إرسال المزيد من ضباط وكالة الهجرة والجمارك إلى مينيبوليس، بينما هدد ترامب بتطبيق قانون حول التمرد يعود إلى القرن الثامن عشر، ونادرا ما تم استخدامه، لإرسال قوات عسكرية نظامية إلى المدينة.
هناك شعور عام بأن المدينة محتلة من طرف قوة معادية. استخدم عمدة مينيبوليس الديمقراطي، جاكوب فري، وحاكم الولاية الديمقراطي، تيم والتز، كلمات قوية ضد وكالة الهجرة والجمارك وطالبا بخروجها من المدينة والولاية، لكنهما لم يفعلا أكثر من ذلك.
ترهب وكالة الهجرة والجمارك المدن والقرى في البلاد منذ أشهر، لكن ترامب يكن عداء خاصا لولاية مينيسوتا، لكونها تقدمية وديمقراطية تقليديا، مع تاريخ غني بالنضالات العمالية.
تستضيف مينيابوليس، أكبر مدينة في الولاية، جالية صومالية مهمة وصلوا خلال العقود الأخيرة. إيلهان عمر، أحد أعضاء هاته الجالية، هي نائبة في الكونغرس عن الدائرة الخامسة في الولاية، التي تغطي معظم مينيابوليس. إلهان هي واحدة من أربعة أعضاء في «السرب»، الذي يضم أربع نساء ديمقراطيات تقدميات وصريحات، يهاجمهن ترامب ويهددهن بانتظام على وسائل التواصل الاجتماعي. صرح ترامب بأن إيلهان، وهي مواطنة أمريكية، «يجب أن تكون في السجن» ويجب طردها.2
ولادة حركة اجتماعية
نظمت أكثر من ألف مظاهرة في 10 يناير للاحتجاج على مقتل غود. وقد استجابت العديد من الفروع المحلية لمنظمة الاشتراكيين الديموقراطيين الامريكيين DSA (ولكن ليس كلها) لنداء القيادة الوطنية للمشاركة في المظاهرات ضد العدوان على فنزويلا. تحمل الجهود الرامية إلى الدفاع عن المهاجرين ضد مداهمات وكالة الهجرة والجمارك كل سمات حركة اجتماعية حقيقية في طور النشوء.
يستخدم النشطاء أساليب تقليدية مستمدة من دليل المظاهرات الاجتماعية -المسيرات، التجمعات، الشعارات -ولكن أيضا طرقا أصيلة ومبتكرة، مثل الصفير عندما يصل ضباط وكالة الهجرة والجمارك إلى حي ما. تم إنشاء منظمات محلية في جميع أنحاء البلاد لتنظيم شراء وتوصيل الأغذية لأسر المهاجرين الذين يخشون العنف والاعتقالات والترحيل الذي تمارسه وكالة الهجرة والجمارك.
تتكون هذه الجماعات من مواطنين عاديين، كثير منهم لم يكونوا مهتمين بالسياسة قبل رؤية جيرانهم وزملائهم يُؤخذون بواسطة ضباط وكالة الهجرة والجمارك المسلحين والمقنعين.
ندد الصحفيون اليمينيون بما يسمونه «wine moms» (الأمهات المدمنات على الكحول)، أولئك النسوة البيض من الطبقة الوسطى اللاتي يعشن في الضواحي ويشاركن في مجموعات مراقبة الأحياء.
التنظيم الذاتي للعمال ضد الفاشية
في حالة مينيابوليس، مركز المظاهرات الحالية ضد وكالة الهجرة والجمارك، تعود شبكة مجموعات المساعدة والدعم والتعاون إلى تلك التي نشأت مع مظاهرات سنة 2020 التي تلت وفاة جورج فلويد. فيما بدأت مجموعات من مناطق مختلفة من البلاد تتواصل، وتتقاسم مواردها وتكتيكاتها. على سبيل المثال، ساعدت مجموعة لمراقبة وكالة الهجرة والجمارك في شمال شيكاغو، تسمى Protect Rogers Park، في تدريب مجموعات أخرى لمراقبة تلك الوكالة في مينيابوليس.
أضحت منشورات «اعرف حقوقك» مرئية في المحلات والمطاعم في الأحياء المكسيكية وأحياء المهاجرين الأخرى في العديد من المدن. واختارت بعض المدارس في المدينة الإغلاق، كإجراء احترازي ضد مداهمات وكالة الهجرة والجمارك.
دعا النشطاء إلى إضراب عام في مدينة مينيابوليس بأكملها في 23 يناير. وانضمت اتحادات المستأجرين في لوس أنجلوس وأماكن أخرى إلى الحركة، مما يبرز أكثر ارتباطها العميق بحياة الطبقة العاملة وبالنضالات الأخرى.
ستتواصل شبكات المساعدة هاته بعضها ببعض، وبشبكات أخرى موجودة مسبقا، مما يضع الأسس لأعمال أكبر وأكبر، ويعزز الحركة العامة المناهضة لترامب.
إنها شبكات تضامن الطبقة العاملة التي تشكل مقاومة قوية لعنصرية ترامب القومية المسيحية البيضاء، وتعطينا لمحة عن إمكانية قيام مجتمع ديمقراطي مسير ذاتيا.
نظرة مركزة على مينيابوليس، مينيسوتا
يعود لفتت الانتباه إلى مينيابوليس الى تسجيلات فيديو لمقتل جود وصور تظهر عملاء وكالة الهجرة والجمارك يكسرون الأبواب، ويقبضون على لاجئ من عرقية الهمونغ ويخرجونه نصف عارٍ في البرد القارس، بالإضافة إلى صور أخرى تظهر اعتقال صبي في الخامسة من عمره على يد عملاء وكالة الهجرة والجمارك مقنعين ومسلحين، مصحوبة بصور للمقاومة البطولية لسكان مينيابوليس.
شهدت المدينة يوم جمعة 23 يناير احتجاجًا وصفه البعض بـ”الإضراب العام“. أغلقت العديد من الشركات الصغيرة أبوابها احتجاجًا على وجود وكالة الهجرة والجمارك ، وعلى الرغم من قلة الإضرابات الفعلية، إلا أن نقابات مثل نقابة عمال صناعة السيارات المتحدة (UAW)، ونقابات التعليم وحتى نقابات البناء، التي عادة ما تكون محافظة، بالإضافة إلى مجالس العمل المحلية، دعمت الاحتجاجات وانضمت إلى المطالبة برحيل وكالة الهجرة والجمارك والقوى القمعية الأخرى. على الرغم من البرد القارس، تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص في الخارج وتجمع آخرون داخل ملعب مهجور. وتظاهر آخرون في المطار، حيث يهبط عملاء وكالة الهجرة والجمارك القادمون إلى مينيسوتا، ومن حيث يتم ترحيل المهاجرين المعتقلين. تم اعتقال أكثر من مائة كاهن بعد قيامهم بعمل سلمي من أعمال العصيان المدني في المطار. ونُظمت أكثر من 250 فعالية تضامنية مع حركة مينيابوليس ومطالبها في جميع أنحاء البلاد.
20 يناير 2026
كاي مان
كاي مان هي عضو في منظمة التضامن Solidarity، فرع الأممية الرابعة في الولايات المتحدة، وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة. وهي أيضًا عضو في قيادة الأممية الرابعة.
1 وكالة الهجرة والجمارك الأميركية، وتعرف اختصارا بـ»ICE»، هي وكالة فدرالية تأسست عام 2003 ضمن وزارة الأمن الداخلي في أعقاب أحداث 11 سبتمبر.تهدف الوكالة إلى «حماية الأمن القومي للولايات المتحدة عبر إنفاذ القوانين المتعلقة بالهجرة والجمارك والتجارة، إضافة إلى مكافحة الأنشطة غير القانونية العابرة للحدود». (المترجم)
2 تحدث جاكوب فري على وجه الخصوص عن «قوات احتلال غزت حرفيا مدينتنا»، CBS News، 18 يناير 2026.
قال في 19 يناير 2026: «النائبة المزيفة إيلهان عمر، الناقدة الأبدية التي تكره الولايات المتحدة، تعرف كل ما هناك لمعرفته. يجب أن تكون في السجن، أو أسوأ من ذلك، تُرحل إلى الصومال، التي تُعتبر واحدة من أسوأ البلدان في العالم. يمكنها المساعدة في إعادة عظمة الصومال!»