تنطوي استراتيجية ترامب بشأن الأمن القومي، المتسمة بصراحة بالتفوق العنصري والنزعة الاستعمارية والعنصرية وكره الأجانب، على تهديدات جديدة أو في حلة جديدة. إنها إمبريالية من الطراز القديم، جرى تكييفها لمواجهة التحديات الحالية للهيمنة الأمريكية.
لم يتفاجأ المهتمون بالوضع الدولي بالوثيقة التي نُشرت يوم 5 ديسمبر 2025. في نهاية المطاف، تعتمد إدارة ترامب الثانية على الأفكار التي حددها البيت الأبيض مؤخرا منذ نحو العام، في نوع من MAGAماغا عالمي، مصمم لاستعادة الدور الذي كان للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. ولا يمكن أن نفترض أن كل ما يقوله قابل للتحقيق. ما يسعى إليه ترامب ليس ما سيحصل عليه. مهما يكن من أمر، معرفة أهدافه أمر مفيد واساسي في النضال ضد اليمين المتطرف الجديد والإمبريالية.
لم يخترع ترامب والمليارديرات الذين يدعمونه عدم المساواة بين الأمم، و لا استغلال الأغنياء والأقوياء للآخرين. كان أسلافه إمبرياليين أيضاً. يتمثل الجديد في إقدامهم على انعطاف جذري في طريقة رؤيتهم للعالم وتصرفهم فيه - ويقولون ذلك بوضوح، معتبرين النسخ السابقة من الوثيقة ضعيفة وغير ملائمة. الهدف فرضُ نموذج جديد للاستغلال والقمع.
تحل المصالح الاقتصادية، ضمن هذه الاستراتيجية، محل أي مظهر من مظاهر السعي إلى ”نشر الديمقراطية“ عبر العالم. ويتضح ذلك بجلاء عندما تدافع عن احترام الأنظمة المختلفة عن نظامها (باستثناء تلك الموجودة في أوروبا). وتعتبر أن تفوقها التكنولوجي والطاقي يتطلب فتح جميع طرق النقل وسلاسل الإمداد. وسيجري استخدام القوة العسكرية، مدعومة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الذرية، لضمان الوصول الكامل إلى الموارد الأحفورية وغير الأحفورية، وكذلك المعادن الحرجة، أيا يكن الإقليم المعني. الاحتباس الحراري بنظرها أيديولوجية ضارة.
يكتسب نصف الكرة الغربي (أي أمريكا بشكل أساسي، بما في ذلك كندا وكل ما يقع جنوب نهر ريو غراندي) أولوية لم يكن يحظى بها منذ عقود. يكشف ”استنتاج ترامب لمبدأ مونرو“ أن الولايات المتحدة تريد ”نصف كرة تتعاون حكوماته معنا
ضد الإرهابيين المتاجرين بالمخدرات والكارتلات وغيرها من المنظمات الإجرامية العابرة للأوطان؛ نريد نصف كرة يظل خاليًا من كل توغل أجنبي معاد أو ملكية الأصول الرئيسية، ويدعم سلاسل التوريد الحيوية؛ ونريد ضمان استمرار وصولنا إلى المواقع الاستراتيجية الرئيسية
السيادة التي يهتمون بها هي سيادتهم.
تجدر الإشارة إلى ”ملكية الأصول الرئيسية“. في الفصل الطويل الخاص برؤيتهم للصين الصاعدة وكيفية تعاملهم معها، من الواضح أن الأمر يتعلق بالتعامل التجاري مع التنين، ولكن مع المطالبة باستثمارات في الولايات المتحدة، وإعادة التوازن التجاري، ووضع حد لتوسع الشركات الصينية في البلدان منخفضة الدخل (أمريكا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا). بالإضافة إلى ضمان هيمنة الولايات المتحدة على التكنولوجيا والموارد الحيوية من الطاقة والمعادن، يقترح النص منع هيمنة الصين على بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان – و يدعو بغية ذلك، إلى تسليح اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، فضلاً عن تعزيز دور الهند بصفتها منافسا في المنطقة.
فيما يتعلق بأوروبا الحليفة، هناك تشخيصات مستفزة، مثل ”المحو الحضاري“ (بسبب الهجرة و”ضعف“ الحكومات) والنبرة الاحتقارية المستخدمة للتعامل مع التهديد الروسي للقارة، والذي يبخس النص شأنه. تطالب الاستراتيجية الشركاء العالميين، ولا سيما أوروبا، بتقاسم الإنفاق الأمني، وتنتقد الجزء الغربي من القارة العجوز بسبب هجماتها المزعومة على حرية التعبير، لا سيما فيما يتعلق بـ”الأحزاب الوطنية“ التي ترحب بصعودها.
تعلن استراتيجية ترامب وصقوره نهاية العصر السابق، سواء على صعيد التعاون الاقتصادي أو الهجرة. لا تسمح إمبرياليته في حلة جديدة بأي حركة للعمالة، ما يحول الشغيلة غير البيض وغير المسيحيين إلى أعداء أساسيين للعصر الجديد. كما في هذه الحالة، تعيد الاستراتيجية صياغة المبادئ والأهداف والأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة ورأس المال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد بتنا نواجه هذا التغيير الهائل. ليس مؤكدا أن يبلغ ترامب واليمين المتطرف العالمي الجديد أهدافهما، لأن أفعالهما تفتح الباب أمام تناقضات جديدة وقوية. لكن الصراع الذي بدأ سيكون صعباً.
12 ديسمبر 2025