قرار من اللجنة العالمية للأممية الرابعة المنعقد في فبراير/ شباط 2026
بدأت الأزمة التاريخية للرأسمالية تُظهر آثارًا ملموسة على جميع المستويات. فالصراعات الإمبريالية، وبين الإمبرياليات، التي تقودها القوى الإقليمية، تفضي إلى حروب مفتوحة. إنّ هجوم روسيا على أوكرانيا يُغذّي إعادة عسكرة البرجوازية الأوروبية. كما أنّ حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل أفضت إلى «اتفاقات سلام» استعمارية جديدة في فلسطين، في حين تلجأ الإمبريالية الأمريكية مجددًا إلى الإكراه العسكري في أمريكا اللاتينية، مع فرض حصار لا إنساني على كوبا. وتُشنّ حروب أخرى ضد الشعوب والأقليات في اليمن وميانمار والسودان والكونغو وسوريا ومنطقة الساحل الإفريقي.
تُسهم سياسات الولايات المتحدة، التي قامت باختطاف مادورو وزوجته في فنزويلا وهددت بغزو غرينلاند في يناير 2026، في زعزعة استقرار العالم وترسيخ فكرة أنّ إعادة التسلّح أمرٌ ضروري.
ترفض الأممية الرابعة وفروعها مفهوم «الأمن» الرأسمالي الذي يتطلب نشرًا أوسع لأسلحة الدمار الشامل. فأوروبا مُعسكرة بالفعل إلى حدّ كبير وتعاني من سنوات من التقشف والتخفيضات في الخدمات العمومية، لكن عندما يتعلق الأمر بتمويل صناعة الأسلحة، لا يوجد أي نقص في الأموال.
إنّ «الديمقراطيات» الليبرالية تزداد سلطوية يومًا بعد يوم؛ وتسعى البرجوازية الكبرى إلى إيجاد سبل للخروج من أزمتها البنيوية المرتبطة بمعدلات الربح، وضمان أرباح أكبر دون تنمية اجتماعية. كما جرى تحويل «الانتقال الأخضر» الذي وعد به الأقوياء، دون نقاش عمومي، إلى زيادة هائلة في النفقات العسكرية على الصعيد العالمي.
إنّ السباق نحو الحرب لا ينفصل عن تصاعد العنصرية والفاشية عبر القارة، ولا عن توسّع وكالة فرونتكس وميثاق اللجوء والهجرة؛ فالمراقبة الشاملة، وعسكرة الحدود، والهجمات على اللاجئين واللاجئات، هي ما تخطط له الطبقة الحاكمة لنا جميعًا، في وقت تتفاقم فيه الأزمة المناخية ويزداد فيه عدم الاستقرار الاجتماعي. إنّ العنصرية والفاشية في تصاعد في أوروبا، والدول الرأسمالية تعزّز أدواتها القمعية. ويترجم ذلك في أوربا بتشديد السياسات تجاه المهاجرين والمهاجرات، ليس فقط عند الحدود، بل أيضًا داخل البلدان الأوروبية وعلى الطرق المؤدية إليها.
في الواقع، يشهد الاتحاد الأوروبي زيادة غير مسبوقة في نفقاته العسكرية، تصل إلى 800 مليار خلال أربع سنوات. ولهذا الغرض، يُقترح تخفيف القواعد الصارمة للانضباط الميزانياتي، عبر السماح للدول الأعضاء السبعة والعشرين بالاستدانة، وتشجيع قروض جديدة من خلال إصلاح بنك الاستثمار الأوروبي، بل وحتى تحويل الأموال المخصصة لصناديق التماسك نحو النفقات العسكرية. إنّ الجهات نفسها التي كانت تدّعي استحالة تمويل «أوروبا اجتماعية» تروّج اليوم لأوروبا الحرب والعسكرة والأسلاك الشائكة.
إنّه تحوّل حقيقي في النموذج، لا يهدف فقط إلى زيادة النفقات العسكرية، بل أيضًا إلى تعزيز إعادة التصنيع الأوروبي عبر القطاع العسكري، مع مواصلة تدمير الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية. وهذه الرؤية للدفاع الأوروبي، المعروضة في وثيقة «البوصلة الاستراتيجية»، لم تعد قائمة على حفظ السلام، بل على حماية البنى التحتية الحيوية، والأمن الطاقي، ومراقبة الحدود، وحماية «طرق التجارة الأساسية». وبعبارة أخرى، حماية المصالح الاستعمارية الأوروبية عبر ضمان «الاستقلالية الاستراتيجية» للاتحاد الأوروبي، التي تظل في نهاية المطاف خاضعة لمخططات الإمبراطورية الأمريكية وحلف الناتو، ذراعها العسكري. كما واصل الاتحاد الأوروبي، بطرق مختلفة، تسهيل تسليم الأسلحة لإسرائيل لارتكاب إبادة الشعب الفلسطيني.
وهكذا، فإنّ التحوّل المُعلن لنموذج الإنتاج، وكذلك الانتقال الطاقي الضروري للامتثال لخطط إزالة الكربون، قد دُفنا تحت القنابل. غير أنّ سباق التسلّح الأوروبي، إضافة إلى كشفه زيف «الغسل الأخضر»، يمثّل تسارعًا نحو هاوية الأزمة المناخية. فالمواد الخام الأساسية والنادرة ستُستخدم الآن أيضًا في خطط إعادة التسلّح، رغم ضرورتها لضمان انتقال اشتراكي بيئي. إنّ إعادة التسلّح الأوروبية، شأنها شأن السباق نحو الذكاء الاصطناعي التوليدي، تمثل اندفاعًا متسارعًا نحو الهاوية المناخية.
لقد أصبحت إعادة العسكرة وإغلاق الحدود حجر الزاوية في المشروع الجديد «أوروبا القوة»، في سياق الأزمة العالمية المتعددة الأبعاد، مُشكّلةً امتدادًا لمنطق السوق المطلقة السائد حتى الآن. وقد شكّل الغزو الإمبريالي لبوتين عاملًا محفّزًا لهجوم النزعة العسكرية الداعي إلى إعادة التسلّح الأوربي، القائم على خلق شعور دائم بعدم الأمان.
تستخدم النخب الأوروبية «استراتيجية الصدمة»، على وقع قرع طبول الحرب، ليس فقط لتحقيق هدفها القديم المتمثل في التكامل العسكري الأوروبي، بل أيضًا لتعزيز نموذج اتحاد أوليغارشي وتكنوقراطي. ذلك أنّ نضالنا لا يهدف إلى اتحاد أوروبي «مستقل» عن الولايات المتحدة وروسيا والصين، يقوم على تعزيز استراتيجيته الإمبريالية والاستعمارية الخاصة، بل إلى بناء فضاء أوروبي اشتراكي بيئي قائم على التضامن والدعم المتبادل بين الشعوب.
من دون سياسة أممية مستقلة، سيُحكم على البروليتاريا وشعوب أوروبا بأن تكون مجرد دمى في يد القوى الكبرى؛ وستتجه الاقتصادات أكثر فأكثر نحو الصناعة العسكرية ونهب البيئة، ولن يكون عالم الشغل سوى وقود للحروب في يد حكومات ذات نزعة حربية.
لكل هذه الأسباب، ندعو شعوب أوروبا إلى النهوض ضد إعادة التسلّح وضد اقتصاد الحرب الذي يروّج له الاتحاد الأوروبي وحكوماته.
وندعوها إلى بناء تحالفات أممية لمواجهة خطر حرب عالمية جديدة والتهديد النووي الذي يلوح في الأفق.
يجب الانخراط في سياسة مناهضة للعسكرة، وفي أممية ترفض الإمبريالية بجميع أشكالها.
نرفض القومية والأحكام المسبقة الوطنية، ومشروعنا السياسي هو توحيد شعوب أوروبا، من روسيا إلى إيرلندا، ومن النرويج إلى إيطاليا، في نضال مشترك ضد حكوماتها الرأسمالية والإمبريالية.
يجب معارضة كل زيادة في الميزانيات العسكرية وخوض نضال أممي ضد مشاريع الخدمة العسكرية الجديدة التي تندرج ضمن مسار العسكرة.
كما يجب ربط النضال من أجل المناخ بالنضال ضد العسكرة، إذ لا يمكن تصور مستقبل اشتراكي بيئي مع أي عملية إعادة تسلّح إمبريالية.
نناضل من أجل إنهاء تجارة الأسلحة وتحويل الإنتاج العسكري إلى إنتاج اجتماعي.
ونطالب بحلّ التكتلين العسكريين: حلف الناتو ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي.
في ظل هذه الظروف، يجب أن تشكّل شعارات من قبيل «الحرب على الحرب»، و«تسقط الميزانيات العسكرية»، و«ضد الخدمة العسكرية» أدوات تعبئة سياسية لحركة مناهضة للنزعة العسكرية، بهدف الحدّ من قدرة البرجوازيات على الدفع نحو إعادة تسلّح تُغذّي نمو اليمين المتطرف، وتزيد من القمع داخليًا وعلى الحدود، وترفع احتمالات اندلاع الحروب.
إنّ عالمًا اشتراكيًا بيئيًا هو وحده القادر على وضع حدّ لتهديد الحرب. وعلى العكس من ذلك، يجب توجيه جهود البشرية نحو تحسين حياة الجميع، مع ضمان توزيع ديمقراطي وعادل للموارد، بما يكفل حياة أفضل بعيدًا عن الاستغلال اللامتناهي والقمع السلطوي.
يجب دعم التعبئات والإضرابات ضد إعادة التسلّح الإمبريالي التي تقودها منظمات العمال، خاصة في بلدان مثل إيطاليا، وكذلك التعبئات المرتقبة في 5 مارس في عدة مدن ألمانية ويوم 28 مارس في روما.
الحرب على الحرب: من أجل الأممية والتضامن بين الطبقات العاملة والمضطهدة في العالم بأسره.
يوم 25 فبراير 2026