مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

خواطر على هامش انتخابات الكنيسيت

بقلم جلبير الأشقر

بدأ الناخبون اليهود والعرب ذوو الجنسية الإسرائيلية يتوافدون إلى صناديق الاقتراع منذ بضع ساعات عند كتابة هذه السطور. ومن المرجّح ألا يتغيّر في الأمر شيءٌ لو تمت الكتابة بعد صدور نتيجة هذه الانتخابات للكنيسيت الإسرائيلي، وهي الأولى منذ أربعة أعوام، أي منذ تشكيل ائتلاف اليمين الأقصى بين حزب الليكود النيوفاشي وجماعات بن غفير وسموتريش النيونازية وسواها من الجماعات الدينية المتشدّدة، بما أفرز أكثر حكومة تطرّفاً في تاريخ الدولة الصهيونية. كما إنها الانتخابات الأولى منذ مضي ثلاث سنوات على العملية التي قادتها «حماس» في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وتبعتها حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الجيش الصهيوني على غزة، مع تهجير سكانها وتدمير مبانيها، هذا وناهيك من التصاعد الخطير، غير المسبوق في حدّته، الذي يشهده التنكيل بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ ذلك الحين، تحقيقاً لما يشكّل بكل وضوح تنفيذاً زاحفاً لحملة «تطهير عرقي» كالتي شهدتها معظم أراضي فلسطين خلال نكبة 1948 وشهده قطاع غزة مؤخراً.

كما تأتي الانتخابات الجديدة وقد عاد التوتّر على أشدّه داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي بين أنصار الائتلاف الحاكم وأنصار المعارضة الصهيونية، وهو توتّر كان على أوجّه قبل عملية «حماس»، تجسّد في حينه بتظاهرات كبرى للمعارضة، تمحورت حول مسائل قضائية. كان ذلك قبل أن تعيد عملية «طوفان الأقصى» توحيد معظم المجتمع اليهودي الإسرائيلي حول كره الفلسطينيين، الغزّاويين منهم على وجه الخصوص، لكن سائر الفلسطينيين أيضاً بمن فيهم ذوو المواطنة الإسرائيلية. أي أن الحقد العرقي الصهيوني بلغ أوجّه في المجتمع اليهودي الإسرائيلي في السنوات الثلاث المنصرمة، ولم يتراجع حتى الآن بصورة ملحوظة.

لذا فإن القضايا الرئيسية التي تدور حولها الجولة الانتخابية الجديدة لا تمسّ فعلاً الإجماع الصهيوني الرجعي الذي توطّد في المرحلة الأخيرة، وليست فلسطين قط في صلبها، بل هي مغيّبة تماماً عن السجال بين نتنياهو ومعارضيه، اللهمّ سوى في اتّهام كل طرف للآخر زوراً بأنه يخدم المصلحة العربية. والحال أن كافة الأحزاب الصهيونية، من أقصى اليمين إلى ما بقي من «اليسار» الصهيوني، تعلن رفضها حتى لإقامة دويلة فلسطينية على غرار ما تمثّله «السلطة الفلسطينية» القائمة في رام الله.

وإزاء هذه الحالة المزرية، فإن عدداً من الناخبين اليهود قد يزيد عمّا شهدته كافة المناسبات الانتخابية السابقة، أعلن عن نيّته التصويت لإحدى الكتلتين العربيتين، لصالح «القائمة الموحدة» برأسيها الإسلامي اليميني واليهودي الصهيوني في حالة اليهود الأكثر «اعتدالاً» ولصالح «القائمة المشتركة» في حالة اليهود الأكثر تقدّمية وتوقاً إلى التعايش السلمي مع الشعب الفلسطيني. وإذا صحّ أن إحراز «القائمة المشتركة» لنتيجة مهمة، مثلما توقّعته الاستطلاعات، إنما يشكّل أفضل ما يمكن أن ينجم عن الانتخابات الراهنة، فإن تصويت اليهود التقدميين لصالحها هو في الحقيقة، وفي المقام الأول، دليلٌ على فشلهم في تشكيل فصيل حزبي ذي أغلبية يهودية معارضٍ للإجماع الصهيوني برفضه مبدأ «الدولة اليهودية» وتبنّيه مطلب «دولة جميع مواطنيها» الذي رفعته وترفعه أحزاب المعارضة العربية التقدّمية، كما بمطالبته بانسحاب جيش الاحتلال والمستوطنين الصهاينة من كافة الأراضي التي احتُلّت في عام 1967، ناهيك من تبنّي حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أو التعويض في إطار ممارسة الشعب الفلسطيني لحقّه غير القابل للتقادم في تقرير مصيره.

هذا ويستعدّ منصور عبّاس، زعيم «القائمة الموحدة»، للسعي وراء اتفاق مع المعارضة الصهيونية على غرار الذي عقده وتجلّى في مشاركته بلا حقيبة في الحكومة التي دامت سنة ونصف السنة في عامي 2021-2022 بقيادة نفتالي بينت، أحد زعماء أقصى اليمين الصهيوني المنافسين لنتنياهو، ويائير لبيد، الذي يصفه الإعلام بالمعتدل بينما يزايد على نتنياهو في مسائل مثل القضاء على «حماس» أو العدوان على إيران. أما اليوم، فحيث تتوقع الاستطلاعات أن يكون حزب المعارضة الصهيونية الحائز على أكبر عدد من الأصوات ذلك الذي يقوده غادي أيزنكوت، الذي أشرف شخصياً في لبنان على تنفيذ المذهب العسكري الذي نظّر له والداعي إلى تدمير مناطق تواجد القوى المعادية برمّتها، بدون توفير المدنيين وبالتالي بخرق فادح للقوانين الدولية، فإن منصور عبّاس يتطلّع إلى التعاون مع أيزنكوت، بالالتفاف على رفض هذه الأخير إشراك حزب عربي. وهذا ما حدا عبّاس على ضمّ ضابط شرطة صهيوني في طليعة قائمته، أملاً منه أن أيزنكوت قد يقبل بهذا الأخير وزيراً في حكومة يشكلّها لو حاز على أغلبية برلمانية بدعم من «القائمة الموحّدة» (أنظر «في خطورة الانصهار في الإطار الصهيونيّ»، القدس العربي، 29/9/2026).

أما «القائمة المشتركة»، فقد أعلنت من جهتها استعدادها لتوفير ما أسمته «شبكة أمان» في تصويتات الكنيست لصالح المعارضة لنتنياهو وائتلافه الراهن لو التزم المعارضون بتلبية المطالب المعيشية الملحّة لفلسطينيي الداخل وأبدوا تأييدهم لقيام «دولة فلسطينية». بيد أن الإجماع القائم بين الائتلاف الحاكم والمعارضة الصهيونية على رفض الدويلة من حيث المبدأ، كما سبق ذكره، يجعل من عرض «القائمة المشتركة» عرضاً مستحيلاً لو التزمت بشرطها. وهو أمرٌ طبيعي، إذ لا يجوز لأي مناهضين فلسطينيين للصهيونية أن يمنحوا أي نوع من الدعم لأحزاب صهيونية معادية لشعبهم، إن لم يكن داخل حدود الدولة الصهيونية فخارجها بكل تأكيد.

ولا تظنّن أن حكومة بقيادة أيزنكوت قد تخرج عن الإجماع الصهيوني في شأن الاستمرار بمساعي القضاء على «حماس» والسيطرة على غزة، وكذلك الانقضاض على إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة، كما على «حزب الله» في لبنان. إن جلّ ما قد تتميّز به حكومة بقيادة أيزنكوت عن الحكومة الراهنة، فضلاً عن الخلاف حول تجنيد الطلبة الأصوليين اليهود، إنما هو في التصدّي لتجاوزات المستوطنين الصهاينة المتطرّفين الذين يحرّضهم بن غفير وسموتريش على الاعتداء على فلسطينيي الضفة الغربية. والحال أن نتنياهو نفسه أبدى بعض الاستياء من أفعال هؤلاء المهووسين بسبب الضرر الذي تلحقه بمكانة إسرائيل في الخارج. أما سقف ما يبتغيه أيزنكوت، فهو استمرار سيطرة الدولة الصهيونية على القسم الأعظم من الضفة الغربية وقطاع غزة، بأفق ضمّ هذه الأراضي في نهاية المطاف، على أن يبقى المجال مفتوحاً على القسم المتبقي من الأراضي المذكورة أمام تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخطة «السلام» المزعوم التي تبنّاها، وهو الأمر الذي سوف يُضطر نتنياهو نفسه لأن يسايره لو عاد ترامب إلى نزوته.

هذا ولو تأكد ما توقعته الاستطلاعات من عدم حصول أي كتلة على أغلبية في الكنيسيت، لن يكون مستبعداً أن يُعاد خلط الأوراق السياسية الصهيونية وينسلخ نتنياهو عن حليفيه المُربِكين بن غفير وسموتريش، كي يفسح المجال أمام تشكيل «حكومة وحدة وطنية» بينه وأطراف المعارضة الحالية، وقد سبق له أن شاركهم جميعاً في الحكم في ماضٍ قريب.

منذ 16 ساعة