مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

"جيل زيد" وصعود اليمين المتطرف

بقلم خوسيه لويس هيرنانديز أيالا
Daniel Cardenas / Amadolu via Getty Images

يسعى اليمين المكسيكي، مدعومًا بالقطاعات الأوليغارشية، ومشجَّعًا علنًا من دونالد ترامب، إلى استثمار حالة السخط الاجتماعي من أجل زعزعة استقرار حكومة كلوديا شينباوم Claudia Sheinbaum.

تظل قدرة هذا اليمين على الحشد محدودة، غير أن الخطر يبقى قائمًا وحقيقيًا. ولا يَبرز حاجز فعّال في مواجهته سوى تعميق مشروع التغيير المجتمعي، وبناء حركة اجتماعية مستقلة، ذات قدرة على صد للتهديد الفاشي.

ضخّت وسائل الإعلام الوطنية والدولية توقعات واسعة بشأن الأثر المزعزع المفترض لتعبئة «الجيل Z» في الخامس عشر من نوفمبر ضد حكومة كلوديا شينباوم باردو التقدمية، غير أن النتائج جاءت مخيبة لآمال مروّجيها. فقد تراوح عدد المتظاهرين في مختلف أنحاء البلاد بين 80 و90 ألفًا، لم يشكّل الشباب منهم سوى نحو الثلث، وهي نسبة لا تختلف عن تلك المسجلة في مسيرات سابقة نظّمتها الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة نفسها. واتخذت هذه القوى من أزمة الأمن ذريعةً للتعبئة، رغم أنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن تعميقها.

حاول منظمو التحرك استحضار نموذج تعبئة عشرات الآلاف من الشباب التي أسقطت حكومة فاسدة وغير شعبية بامتياز في نيبال

أثار اغتيال كارلوس مانزو، عمدة مدينة أوروابان، ثاني أكبر مدن ولاية ميتشواكان، على يد عصابة «خاليسكو نويفا خينيراسيون»، موجة غضب عارمة على الصعيد الوطني، ولا سيما في أوساط الشباب الذين ينسبون أنفسهم إلى هذا الجيل. غير أن أحزاب اليمين سارعت إلى توظيف هذا الغضب، وسعت إلى تحويله إلى وقود لحركة انقلابية علنية تستهدف الاستيلاء على القصر الوطني. وانتهت هذه المحاولة إلى الفشل، إذ رفض الشباب الانجرار وراء دعواتها، ونأوا بأنفسهم عن تلاعب المعارضة.

هجوم الأوليغارشية اليمينية المتطرفة

انبثقت القوى المحرّكة لهذه التعبئة من قطاعات أوليغارشية ومحافظة محددة المعالم. وتقدّم في طليعتها رجل الأعمال ريكاردو ساليناس بلييغو، مالك قناة «تيليفيسيون أزتيكا»، المعروف بنزاعاته الضريبية مع الدولة، وبخطابه الذي يقترب باطراد من النزعة النيوفاشية التي يمثلها سياسيون من طراز الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي. والتحق بهذه الحملة كبار رجال الدين الكاثوليك، المتأهبون لإحياء الذكرى المئوية لحرب «الكريستيروس»، إلى جانب القيادات التاريخية لحزبي الثورة المؤسساتية (PRI) والعمل الوطني (PAN). روّج نواب هذه الأحزاب خطابات كراهية واتهامات واهية، فوصموا حكومة كلوديا شينباوم بـ«الشيوعية»، وحمّلوها مسؤولية اغتيال مانزو. وشارك في الحملة أيضا عدد من الصحفيين والمثقفين، فنددوا بما سموه «انحرافًا استبداديًا» للحكومة، من دون أن يسندوا ادعاءاتهم بأدلة.

فسّر هذا التداخل السام للمصالح الطابع الجديد للحملة اليمينية. فخلافًا للتحركات السابقة التي حاولت الاحتماء بواجهة «ديمقراطية» هشة — كالمسيرة البيضاء أو «المد الوردي» أو الدفاع عن المعهد الانتخابي الفيدرالي — اتخذت الاحتجاجات الأخيرة طابعًا انقلابيًا صريحًا. وقد رُوجَت علنًا دعوات إلى تدخل عسكري أمريكي في المكسيك، وإلى انقلاب تقوده القوات المسلحة. وسُجلت أعمال عنف منسقة استهدفت الحواجز الأمنية المحيطة بالقصر الوطني، ورافقتها شعارات معادية للنساء والمثليين واليهود، وخطابات عنصرية، إضافة إلى ارتداء قمصان تحمل رموزًا نازية.

لم تأتِ إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهذه التعبئة من فراغ، كما لم يكن استبعاده اللاحق لإمكانية التدخل في المكسيك بذريعة مكافحة تهريب المخدرات أمرًا عارضًا؛ إذ أسهمت الإمبريالية الأمريكية، في هذا السياق، في تغذية ملامح «الوحش الفاشي» الصاعد.

وعلى الرغم من تواضع مظاهرة الخامس عشر من نوفمبر، وتعبيرها أساسًا عن حالة يأس داخل أوساط اليمين المتطرف، لا يجوز بخس دلالتها. فقد شهدت الأيام اللاحقة إضرابات جماعية لعمال النقل ولمدافعين عن الحق في المياه، امتزجت فيها مطالب مشروعة — كتحسين أمن النقل العمومي ومنع احتكار الموارد المائية من قبل الشركات متعددة الجنسيات — بمحاولات تلاعب قادها اليمين لزعزعة استقرار الحكومة. واستدعى هذا المشهد، في بعض جوانبه، تكتيكات اليمين التشيلي قبيل الانقلاب على حكومة سلفادور أليندي سنة 1973.

إشكالية انعدام الأمن

وجّهت حكومة كلوديا شينباوم ضربات ملموسة إلى عدد من الجماعات الإجرامية، غير أن معضلة انعدام الأمن ظلت قائمة، بل تفاقمت في بعض المناطق. ولم يعد تهريب المخدرات، بما يصاحبه من ابتزاز وخطف واتجار بالبشر، ولا سيما النساء، والجرائم الإلكترونية وغسل الأموال، نشاطًا لعصابات هامشية، بل غدا صناعة متجذرة في أعلى المستويات السياسية والاقتصادية والمالية.

ارتبط توسع هذه الظاهرة عالميًا بصعود النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، الذي أفضى إلى بطالة جماهيرية في قطاعات اجتماعية واسعة. وتُستحضر هنا صورة المدن الصناعية الأمريكية التي فرغت سريعًا بعد نقل الصناعات التحويلية إلى الجنوب أو إلى آسيا.

وفي المكسيك، أدت السياسات النيوليبرالية التي انتهجها ميغيل دي لا مدريد، وكارلوس ساليناس، وإرنستو زيديلو، إلى تشريد مئات الآلاف من الأشخاص وإلقائهم في الشارع. ولم يجد المتضررون سوى ثلاث مسارات للبقاء: الهجرة إلى الولايات المتحدة، أو الاندماج في الاقتصاد غير المنظم، أو الانخراط في شبكات الاتجار بالمخدرات. وأنتج الطابع غير المشروع لهذه الأنشطة بيئة خصبة لنشوء شبكات إجرامية جديدة، شملت الاتجار بالبشر ، لاسيما النساء، والتهريب والقرصنة، فضلًا عن كارتلات الاتجار بالمخدرات(النشاط الأكثر مردودية) التي ازدادت التصاقًا بمراكز السلطة السياسية والاقتصادية.

لا نبالغ إذا أكدنا أن التوسع الكبير للكارتلات منذ ثمانينيات القرن الماضي ما كان ليحدث لولا حماية مباشرة أو غير مباشرة من الدولة المكسيكية، بل ومن الولايات المتحدة نفسها. فقد موّلت واشنطن حروبها السرية في أفغانستان ونيكاراغوا بعائدات مستمدة من الاتجار بالمخدرات. ولم تعد الكارتلات جماعات هامشية، بل تحولت إلى شركات عابرة للحدود، تشغّل آلاف الأفراد، وتبسط نفوذها على حكومات محلية، وسياسيين بارزين، وقضاة، وقيادات عسكرية، وتسيطر على أقاليم واسعة.

في هذه البيئات، تشكلت «ثقافة المخدرات»، فاعتبر كثير من الشباب أن حياة إجرامية قصيرة قد تعوّضها مظاهر ثراء فاحش وبذخ صارخ. وليس ذلك سوى تجلي لثقافة نيوليبرالية مُمَجدة لفردانية مطلقة دُفعت إلى ذروتها الأشد عنفا.

تطلبت مواجهة هذه المنظمات وشبكات نفوذها والثقافة التي تضفي عليها الشرعية مسارًا طويل الأمد. وبرزت الحاجة، إلى جانب تفكيك شبكاتها المالية، ومحاربة الفساد داخل النخب السياسية والقضائية والعسكرية، واتخاذ إجراءات حازمة ضد الجماعات الإجرامية — بما في ذلك تنظيم أشكال دفاع ذاتي وشرطة جماعية في الأرياف — إلى حل جذري يتمثل في بناء نظام اقتصادي أكثر عدالة ومساواة، قائم على القيم الجماعية والتضامن. وبعبارة أدق: يقتضي الأمر تفكيك النيوليبرالية وخوض معركة ثقافية من أجل بديل اشتراكي.

كيف تُواجَه الفاشية؟

إن السبب الرئيسي الذي يجعل المكسيك، كواحد من البلدان القليلة التي يوجد فيها أقصى اليمين والفاشية في موقع دفاعي، هو أن الحكومة نجحت، وحتى دون قطيعة جذرية مع النيوليبرالية، في تحسين مستوى معيشة الأغلبية من السكان بشكل دائم. فقد أسهمت الزيادات في الحد الأدنى للأجور، وتوسيع البرامج الاجتماعية، والاستثمار في البنية التحتية، وتنظيم العمل بالعقود الخارجية، والتقدم في الحريات النقابية، واستعادة هوامش من السيادة الطاقية، وإلزام كبار المستثمرين بدفع الضرائب، في ترسيخ قاعدة اجتماعية واسعة ومستقرة لما يُعرف بـ«التحول الرابع».

غير أن هذا المسار، إن لم يُعمَّق وراوح منتصف الطريق سيفتح المجال أمام إعادة تشكل القوى اليمينية. وتبقى مهام جوهرية في انتظار الإنجاز، من بينها استعادة القدرة الشرائية للأجور التعاقدية، وإعادة إرساء نظام تقاعد تضامني عبر إلغاء نظام Afores (نظام استثمار صناديق المعاشات)، ومعالجة إشكالية مؤشر UMA1، وتحسين الأمن العام بصورة جذرية، والتجاوب مع مطالب الفئات الاجتماعية المختلفة عبر حوار فعلي وحلول ناجعة، فضلًا عن الدفع بإصلاح ضريبي تصاعدي، ومراجعة — ثم إلغاء — الدين العمومي ذي الطابع الكريه.

ويقتضي هذا البرنامج بناء حركة اجتماعية واسعة ومستقلة عن الحكومة، قادرة على الحفاظ على مستوى عالٍ من التعبئة في مواجهة تهديد الأوليغارشية اليمينية المتطرفة والفاشية، التي تجسدها شخصيات مثل ريكاردو ساليناس بلييغو، وتسعى إلى فرض حضورها عبر مناورات زعزعة الاستقرار. وفي الوقت نفسه، يتعين على هذه الحركة أن تدافع عن مطالبها الخاصة تجاه الحكومة القائمة، من دون الارتهان لليمين أو للسلطة، وبما يصون استقلاليتها السياسية والتنظيمية.

2 ديسمبر 2025

  • 1

    L’Unidad de Medida y Actualización  : وحدة حسابية تُستخدم في احتساب المعاشات والإعانات الاجتماعية، ويؤدي نموها الأبطأ مقارنة بالحد الأدنى للأجور إلى تآكل القدرة الشرائية للمتقاعدين.