يتناول رفيقُنا مادودا كوبي الرهانات الاجتماعية في جنوب أفريقيا حاليا، والتعبئات الجارية، والحاجة إلى إعادة بناء تنظيم سياسي للطبقات الشعبية بعد ثلاثين عامًا على سقوط نظام الفصل العنصري.
مادودا كوبي ناشطٌ جنوب أفريقي، وعضو في منظمة «زابالازا (الكفاح) من أجل الاشتراكية»، كما ينشط ضمن منظمة غير حكومية تُدعى «مركز المعلومات والتنمية البديلة». أجرى الحوار أنطوان لاراش.
لماذا تعتبر المشاركة في المؤتمر المناهض للفاشية مهمة جدًا بالنسبة لك؟
أنا سعيد جدًا بالمشاركة في هذا المؤتمر الدولي. وأكثر ما شدّ انتباهي أنه نُظّم بمبادرة من حركات اجتماعية ونقابات وأحزاب سياسية متنوعة. وأعتقد أن الوقت قد حان لبلورة ردود فعل شعبية قاعدية في مواجهة تصاعد السياسات اليمينية في أوروبا، وتنامي الفاشية، وكذلك الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية.
وأشير هنا إلى ما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا، وما تقوم به حاليًا تجاه إيران، فضلًا عن دورها في الحرب على غزة. لا أحد يطالبها بالمحاسبة، وأعتقد أن الوقت قد حان لكي تتحرك الشعوب في تضامن جماعي، وتقول بوضوح: "ليس باسمنا! نحن ندافع عن الإنسانية، ويجب أن يتوقف هذا!"
كيف ترى دور جنوب أفريقيا في هذا السياق العام؟
نحن إزاء مرحلة سياسية بالغة الأهمية على المستوى الدولي ، حيث أن القانون الدولي قد أصبح في حكم المختفي. كما أن الديمقراطية، بصيغتها المعهودة، تتعرض لهجمات قوية. وقد تمّ التخلي عن التعددية والتعاون بين الدول لصالح منطق «كل دولة لنفسها» وسياسات الترهيب التي تمارسها الولايات المتحدة بشكل خاص.
اتخذت جنوب أفريقيا موقفًا حازمًا من الحرب على غزة، إذ رفعت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. لكنها دفعت ثمن هذا الموقف، حيث فُرضت عليها رسوم جمركية من طرف الولايات المتحدة، كما تعرّض رئيسها للإهانة خلال زيارته إلى الولايات المتحدة من قبل دونالد ترامب.
ومع ذلك، ينبغي أخذ عدة عوامل بعين الاعتبار عند تحليل وضع جنوب أفريقيا، سواء على المستوى الداخلي أو في سياق التحولات العالمية الجارية. فعلى الرغم من أن البلاد تبنّت مواقف تقدمية على الصعيد الدولي، فإن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) يتجه بوضوح نحو اليمين على المستوى الداخلي. إذ يطبق سياسات نيوليبرالية تقوم على تقليص الإنفاق على التنمية البشرية والخدمات الاجتماعية، ولا يفعل عمليا شيئا لوقف تفكيك القاعدة الصناعية للبلاد.
في السابق، كانت جنوب أفريقيا تفتخر بصناعاتها في مجالات النسيج والصلب والسيارات، غير أن هذه القطاعات تشهد اليوم تراجعًا حادًا، ما أدى إلى فقدان مئات الآلاف من مناصب الشغل.
واليوم، يوجد أكثر من عشرة ملايين عاطل عن العمل، ويعود ذلك بشكل كبير إلى تدهور القطاع الصناعي. فقد أصبح الاقتصاد يعتمد بشكل متزايد على تصدير المواد الخام، وهي موارد تتسم بتقلب أسعارها وضعف مردودها. ويتم تصدير هذه المواد إلى أوروبا، بينما تُصدَّر معها أيضًا فرص العمل.
وقد أنتج هذا الوضع أزمة اجتماعية عميقة: فالبطالة المرتفعة تغذي الجريمة واليأس وتفاقم تدهور الشروط الاجتماعية. كما نشهد تفشيًا غير مسبوق لآفات اجتماعية خطيرة، من بينها العنف الجنسي والجريمة المنظمة، بل وحتى عودة أمراض كان يمكن علاجها سابقا.
وفي الوقت نفسه، تعاني البلديات من عجز حاد في الموارد المالية، ما يؤدي إلى تدهور وانهيار العديد من المجتمعات المحلية. إذ لا يتم جمع النفايات بانتظام، وتنقطع إمدادات المياه بشكل متكرر، والمراحيض العمومية معطلة، فيما تتدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع. لا تتوفر المدارس على ما يكفي من الوسائل وتسوء حالتها، وبعضها يفتقر حتى إلى مرافق صحية مناسبة. كما تعاني المراكز الصحية من نقص في الأدوية وندرة الأطباء. ويُجبر المواطنات والمواطنون على الوقوف في طوابير منذ الرابعة صباحًا، ليعودوا في النهاية إما بمسكنات للألم أو دون أي علاج. وبشكل عام، عدد من المجتمعات المحلية في حالة انهيار.
وأعتقد أن هذا الوضع يرتبط بالانزياح العالمي نحو اليمين، وبالتوازي مع تبنّي حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لسياسات نيوليبرالية تؤدي إلى تفاقم هذه الأوضاع.
كيف يتفاعل الشعب مع هذا الوضع؟
يهتمّ الجنوب أفريقيون، في المقام الأول، بمشكلاتهم الوطنية المباشرة.
فالناس يدركون بوضوح ما يجري على الساحة الدولية، خاصة بفضل وسائل الإعلام. وكثيرون يدركون أن ما يحدث في غزة لا يمكن اختزاله في حرب تقليدية، فالمدنيون فقط، بمن فيهم النساء والأطفال، من يتعرضون للقتل، وهو ما يثير تعاطفًا واسعًا.
لكن في الوقت نفسه، ينشغل الناس يوميًا بصراعهم من أجل البقاء، في ظل احتياجهم للغذاء والسكن والأمن والكهرباء والماء.
وإذا أردنا ربط النضال الفلسطيني بالواقع الجنوب أفريقي، فعلينا أن ننطلق من الشروط المعيشية الملموسة للناس، وأن نبني هذا الربط انطلاقًا منها.
وللأسف، في جنوب أفريقيا، تولّت الجالية المسلمة إلى حدّ كبير قيادة التعبئة حول هذه القضية، وقدّمتها في كثير من الأحيان باعتبارها قضية دينية. ورغم وجود تضامن واسع، فإنه غالبًا ما يبقى محصورًا داخل دوائر ذات خلفية دينية.
ينبغي أن يتغير هذا الوضع. علينا أن نخاطب الطبقة العاملة بأكملها: العاملات والعمال، الشابات والشباب. فالقضية ليست دينية، بل هي قضية إنسانية وقضية تضامن أممي. ويجب أن يمتد هذا التضامن إلى الأحياء الشعبية وأماكن العمل.
هل يمكنك التحدث عن التحركات الاجتماعية الحالية؟
نشهد اليوم بروز جيل جديد داخل الطبقة العاملة. فالأجيال التي خاضت النضال ضد نظام الفصل العنصري تتقدم في السن، وقد حلّ محلها جيل شاب لم يعش تلك المعركة بشكل مباشر.
يواجه هؤلاء الشباب والشابات تحديات كبيرة. فعندما ينظر الكثير منهم إلى المستقبل، لا يرون أي أفق حقيقي. إذ يبلغ معدل البطالة بين الشباب مستويات مرتفعة جدًا — تقارب 80٪ — وتشكل الشابات نسبة كبيرة من المتضررين. وحتى بين خريجي الجامعات، تظل البطالة واسعة الانتشار.
وفي الوقت نفسه، شهدت الأحياء التي يعيشون فيها تدهورًا كبيرًا.
وقد بدأت بالفعل موجة من التحركات الاجتماعية، إذ شهدت الجامعات مؤخرًا مظاهرات قادها الطلاب والطالبات. فالطلبة مسجلون في الدراسة، لكنهم لا يجدون سكنًا جامعيًا. كما أن المنح والمساعدات المالية الحكومية، التي تُصرف عبر البرنامج الوطني للمساعدة المالية للطلاب، تتأخر كثيرًا أو لا تُصرف إطلاقًا، رغم استمرار مطالبتهم بدفع الرسوم الدراسية.
ونتيجة لذلك، يضطر بعض الطلاب إلى النوم في المراحيض أو في العراء، ما يعرضهم لمخاطر جسيمة في مجتمع يعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من العنف.
وهذا ليس أمرًا جديدًا. ففي عام 2015 ظهرت حركة (يجب إسقاط تمثال رودس) Rhodes Must Fall، التي انطلقت من مطلب رمزي يتعلق بتمثال سيسيل جون رودس، لكنها عبّرت في العمق عن إحباطات أوسع، مرتبطة بارتفاع رسوم التسجيل، وإقصاء أبناء الطبقة العاملة من التعليم العالي، واستمرار اللامساواة داخل الجامعات.
وقد تحولت هذه الحركة إلى نضال أوسع، اعتُبر مرحلة جديدة من التحرر، لكنها في نهاية المطاف لم تنجح في بناء روابط متينة مع المجتمعات المحلية أو مع النقابات العمالية.
واليوم، كما أشار الزعيم النقابي زويلينزيما فافي، تشهد جنوب أفريقيا انتفاضات يومية غالبًا ما تمر دون اهتمام يُذكر. وهذه التحركات يغذيها الغضب الشعبي، وتتمحور حول قضايا ملحة مثل المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والسكن.
لكن هذه النضالات تبقى معزولة عن بعضها البعض؛ فهي تنشأ، وتتوسع، ثم تخمد — إما بسبب احتواء جزئي لمطالبها، أو نتيجة القمع، أو بسبب إنهاكها الذاتي. كما أن القيادات التي تفرزها تكون مؤقتة، ولا يتم الحفاظ على الخبرات أو نقلها.
والمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في تدهور الخدمات العمومية، بل في طبيعة النظام نفسه. ومن دون تغيير جذري في البنية الاقتصادية والسياسية، ستظل هذه الدورات تتكرر.
ويتمثل التحدي الرئيسي اليوم في مسألة التنسيق، إذ لا توجد أي حركة وطنية قادرة على توحيد هذه النضالات المختلفة. فمنذ عام 1994، فُقد هذا التماسك الوطني.
لقد أصبح المؤتمر الوطني الأفريقي يركز أساسًا على العمل البرلماني، ولم يعد متجذرًا بعمق في النضالات الشعبية. كما أن النقابات باتت تحصر نشاطها في قضايا أماكن العمل فقط، دون ربط كافٍ بالنضالات المجتمعية الأوسع.
ونتيجة لذلك، تعاني البلاد من غياب خطير لقيادة وطنية موحدة، وهي المهمة المركزية التي نواجهها اليوم.
تعيق القوى الإمبريالية مسارات التنمية. ومن أجل تبني سياسة جديدة مناهضة للإمبريالية، ينبغي بالتأكيد صياغة مطالب ملموسة تتعلق بقضية التنمية. ما رأيك في ذلك؟
تكمن الإشكالية الأساسية في غياب القيادة والإرادة السياسية لدى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.
فجنوب أفريقيا ليست حالة ميؤوسًا منها. فعلى خلاف بعض البلدان، لم ترث البلاد اقتصادًا منهارًا بالكامل بعد التحرر، بل على العكس، فبفعل العزلة التي فُرضت خلال فترة نظام الفصل العنصري، تطورت صناعات محلية كان هدفها تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. وبالتالي، نحن أمام قاعدة اقتصادية قائمة يمكن الانطلاق منها والبناء عليها.
غير أن السياسات المعتمدة اليوم لا تساهم في دفع مسار إعادة التصنيع أو تعزيزه.
يدور اليوم نقاش حول سبل إنعاش الاقتصاد والحدّ من الاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام. ومع تزايد الطلب العالمي على المعادن الاستراتيجية، تبرز أمام جنوب أفريقيا فرصة لتوظيف مواردها بشكل أكثر فاعلية واستقلالية.
وفي المقابل، تظل الأولوية هي الاستجابة للحاجات الأساسية للسكان، وفي مقدمتها توفير السكن اللائق.
لنتخيل، على سبيل المثال، إطلاق برنامج وطني طموح يهدف إلى بناء مليون وحدة سكنية سنويًا. مثل هذا المشروع قادر وحده على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب العاطلين عن العمل. كما أنه سيحفز الطلب في مختلف القطاعات، من مواد البناء إلى الصناعة التحويلية والخدمات، مما يولّد أثرًا اقتصاديًا مضاعفًا يشمل الاقتصاد ككل.
ومع توفر دخل مستقر لفئات أوسع من السكان، سيرتفع الاستهلاك الداخلي، وهو ما من شأنه أن يعزز النمو الاقتصادي بشكل إضافي. وبهذا يمكن أن يتحول الطلب الداخلي إلى رافعة أساسية للتنمية.
لسنا في حاجة إلى الارتهان فقط لتصدير المواد الخام أو المنتجات الزراعية. فالبلد الذي ينتج الغذاء لكنه لا يستطيع إطعام شعبه، يكون قد أخفق في الوفاء بالتزاماته تجاه مواطنيه.
في 29 مارس 2026