مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

حزب Your Party تأسس! وينتظرنا عمل صعب

بقلم سيمون حنة, وتيري كونواي

شهد المؤتمر التأسيسي لحزب Your Party صراعًا بين بيروقراطيين غير منتخبين والتيار اليساري، لكنه انتهى – رغم كل شيء – بتأسيس حزب اشتراكي عمالي جديد.

مثّلت المسيرة نحو المؤتمر التأسيسي اختبارًا عسيرًا، وكشفت عن جوانب سلبية عديدة لدى بعض المناضلين/ات بين اليساريين أنفسهم. شملت الصراعات محاولات السيطرة على ملفات المنخرطين/ات، وتبادل الشتائم العلنية، وسلوكيات اندفاعية، في مواجهة النزعة المحافظة للجهاز التنظيمي. بطبيعة الحال، تبخر الحماس الكبير الذي ساد مطلع أغسطس/آب، حين سجل نحو 800 ألف شخص في الموقع، بعدما باتت الخلافات العلنية حول العضوية والمالية مكشوفة للجميع. هكذا، أصبح الهدف الأساسي للمؤتمر هو الإجابة عن سؤال مصيري: هل يستطيع الحزب الاستمرار وتصحيح مساره أم لا؟

عُقد المؤتمر التأسيسي لحزب Your Party في ليفربول يومي 29 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. رغم الصعوبات الكبيرة، شهد المؤتمر ميلاد حزب يساري اشتراكي عمالي جديد، مستجيبا لحاجة سياسية ملحّة. تتناول هذه المقالة وقائع المؤتمر، حيث جاءت نتائجه متباينة، لكن منظمة المقاومة المناهِضة للرأسمالية (Anticapitalist Resistance) لا تزال عازمة على المساهمة في بناء حزب اشتراكي إيكولوجي، وترى في حزب Your Party أداة محتملة لتحقيق هذا الهدف.

غير أن صعود حزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي قلّص المساحة المتاحة أمام نشوء «حزب يساري» آخر، ما يطرح سؤالًا محوريًاكيف يمكن لحزب Your Party أن يحدّد هويته بوضوح كحزب اشتراكي، لا يختزل نفسه في نهج انتخابي ضيق؟

غياب تام للشفافية

لم يتحقق أي تقدم يُذكر بين إطلاق المبادرة ونوفمبر/تشرين الثاني، ما جعل الدعوة إلى المؤتمر تأتي متأخرة، عبر عملية اختيار غير شفافة وسحب قرعة غير ديمقراطي. أدى ذلك إلى استبعاد العديد من الأعضاء، خصوصًا ذوي الإمكانيات المالية المحدودة، أو الالتزامات العائلية، أو صعوبات التنقل.

كما بقي جدول أعمال المؤتمر غامضًا حتى لحظة انعقاده. اقتصر في معظمه على مداخلات لمتحدثين/ات بارزين/ات، ولم يُعلَن عنه إلا في اللحظات الأخيرة، بل وُزّع على الصحافة قبل الأعضاء/ات أنفسهم/ن. والأسوأ من ذلك أن المؤتمر لم يُمنح أي فرصة لتعديل هذا الجدول أو تقديم مقترحات بديلة.

عُرضت المقترحات للتصويت مع معرفة عدد الأصوات التي نالتها، لكن ظلّ مجهولًا سبب إدراج بعضها واستبعاد البعض الآخر. كما لم يكن واضحًا كيف جرى اختيار رؤساء الجلسات، ولا طبيعة علاقتهم باللجنة الدائمة الغامضة التي لم تُصدر أي تقرير.

معارك ناجحة داخل المؤتمر

رغم ذلك، أُدخلت تعديلات إيجابية قبل انعقاد المؤتمر، بفضل ملاحظات التجمعات الإقليمية التي ساهمت في تحسين الوثائق التأسيسية. حظيت أزمة المناخ بتركيز أكبر، وأُعيد تعريف معايير العضوية لتصبح أكثر شمولًا. كما جرى تعديل النظام الأساسي بما يسمح للجنة بتغييره بأغلبية بسيطة في المؤتمر القادم، قبل رفع العتبة إلى الثلثين.

بوجه عام، كان المؤتمر ناجحًا نسبيًا، وأثبت وجود جناح يساري مؤثر داخل حزب Your Party ، قادر على تحدي البيروقراطيين الذين نصّبوا أنفسهم على قمة الحزب، وحقق انتصارات في عدد من القضايا الرئيسية. غير أن هذه النجاحات تتطلب استكمالها بنقاشات معمقة داخل المجموعات المحلية والهيئات المختلفة، لتعزيز المكاسب ومعالجة نقاط الضعف.

أجواء تصفية حسابات

سادت أجواء متوترة عشية المؤتمر، مع تداول شائعات حول استبعاد قادة من الحزب الاشتراكي العمالي (SWP) بسبب «انتمائهم إلى حزب سياسي وطني آخر»، استنادًا إلى قاعدة وردت في «اللوائح المؤقتة». وعندما استفسر جون ريس من منظمة «كونترفاير»، أجاب جيريمي كوربين بأن القاعدة قد لا تنطبق إلا على الأحزاب المنافسة رسميًا.

لكن، على أرض الواقع، جرى عشية المؤتمر استبعاد قادة الحزب الاشتراكي العمالي جماعيًا، بمن فيهم أليكس كالينيكوس، الذي لم يكن أصلًا عضوًا في Your Party. ثم، صباح السبت، استُبعد مايكل فاليِت من «كونترفاير» (وهو مستشار مستقل منتخب في بريستون)، وجيمس جايلز (مستشار مستقل في كينغستون).

كان الخوف واضحًا من أن يتقدم SWP و «كونترفاير» - وهم أعضاء في «منبر الوحدة الاشتراكية»- بتوصية عاجلة للمطالبة بانتخاب قيادة جماعية للمؤتمر. انتشرت إشاعة عن نية بعض الأشخاص «اقتحام المنصة»، وهي إشاعة غير صحيحة، لكنها استُخدمت ذريعة للإقصاء.

انطلاق المؤتمر ونقاشاته

كان المؤتمر مجرد تمثيلية مُحضّرة سلفًا من البداية إلى النهاية. جرى خنق أي محاولة للاعتراض على النظام الداخلي، بما في ذلك قطع البث المباشر، مما عزّز جوّا من الرقابة والسيطرة المكثفة داخل القاعة. كانت المناقشات حول «خارطة الطريق» عامة وفضفاضة، من قبيل: «هل يجب أن يعتمد الحزب الجديد على الطبقة العاملة؟»، لكنها بقيت سطحية بسبب قصر مدة المؤتمر.

من اللافت أن الطابع الاشتراكي العمالي للحزب أصبح موضع جدل، في حين كان توزيع وقت المداخلات مختلًا لصالح المنظمين/ات على حساب المناضلين/ات في القاعدة. كما استحال تعديل البيان السياسي خارج إطار «خارطة الطريق»، وهو خيار تحكمت فيه اعتبارات سياسية واضحة، ما جعل العملية برمتها غير ديمقراطية.

بسبب عمليات الطرد والاستبعاد، سيطر نقاش «الانتماء المزدوج» على جزء كبير من المؤتمر. ورغم أن الخيارات المطروحة لم تكن مثالية، فإن الخيار الذي يسمح للجنة التنفيذية المركزية بتحديد قائمة المنظمات المسموح بالانتماء إليها بدا أقل سوءًا في السياق الراهن.

رغم الأجواء الكئيبة في ختام أشغال يوم السبت، أظهرت نتائج التصويت صباح الأحد تأثير مطالب الجناح اليساري. حظي مبدأ «القيادة الجماعية» بدعم واسع، واعتُبر التصويت ضد حظر الانتماء المزدوج انتصارًا على مناخ تصفية الحسابات.

عمليات تصويت متوترة

أعرب العديد من المشاركين/ات عن استيائهم من رفض زارا Zarah اخذ الكلمة قبل ظهر يوم الأحد، لكن في الواقع، كان ذلك هو أفضل وقت: فقد أتاح لها، من جهة، الاحتفال بالنجاح
الذي تم ذكره سابقًا، ومن جهة أخرى، التدخل في نقاش مباشر.

في تلك اللحظة، تم دعوة الأعضاء للتصويت على البيان السياسي والأنظمة، كما تم تعديلهما في اليوم السابق. في حال كان التصويت في غير صالحهما، لم يكن بالإمكان التوصل إلى أي توافق. على الرغم من ذلك، دعت عدة مجموعات إلى رفض اللوائح. كانت هناك شائعات بأن فريق كوربين كان يناقش الأمر، لكننا لم نحصل على دليل على ذلك – على الرغم من أننا شهدنا شخصاً، يبدو أنه من أتباع كوربين، يدافع عن هذا الموقف قبل أن يتراجع عندما تم استدعاؤه. وقد أوضحت زارا بوضوح، وسط تصفيق حار من الحضور، أنها تدعو إلى اعتمادها.

أخيرًا، تم اعتماد البيان السياسي والأنظمة بأغلبية ساحقة. ومع ذلك، شعر المشاركون خلال المؤتمر بإحباطات أخرى. وعلى وجه الخصوص، حقيقة أن جزءًا كبيرًا من المتحدثين يوم الأحد قد أخذوا الكلمة. على وجه الخصوص، كان هناك شعور بأن جزءًا كبيرًا من المتحدثين يوم الأحد قد اخذوا الكلمة بالفعل، أحيانًا عدة مرات. وقد اعتبر هذا الأمر ظلماً يصب في مصلحة الجماعات المنظمة، على الرغم من حملة تصفية الحسابات.

كانت هناك مشكلة أخرى تتمثل في عدم وجود وسيلة لتقييم المناقشات وفقًا لأهميتها أو طابعها الجدالي. وبالتالي، بدا أن بعض النقاشات كانت مجرد إجراء شكلي، دون إمكانية التصويت عليها في وقت مبكر، بينما كانت أخرى سريعة جدًا ومتحيزة بسبب طرق التصويت التي قدمت خيارين سيئين بدلاً من اقتراحات متوازنة.

أخيرًا، لم تُناقش بعض القضايا في المؤتمر: شعرنا بالارتياح، نوعًا ما، لعدم طرح فكرة ضرورة تنظيم حزب Your Partyفي أيرلندا الشمالية؛ إذ كان إعطاء الأولوية لهذه القضية سيُعدّ أمرًا سيئًا، والاستجابة لها ستكون كارثة استعمارية. في المقابل، من الإيجابي للغاية أن حقوق المتحولين جنسيًا قد نوقشت وحظيت بدعم واسع.

على الرغم من ذكر ذلك من قبل العديد من المتدخلين رفيعي المستوى، فقد تم استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة فعلياً من عملية استُغلت فيها مصالحهم من خلال السؤال عما إذا كانت لديهم احتياجات خاصة، دون توضيح ما إذا كان بالإمكان تلبية تلك الاحتياجات. إن وجود مترجمي لغة الإشارة أمر جيد، لكن السماح للمندوبين/ات بالصراخ مما يعيق الترجمة أمر غير مقبول. كما أن غياب النقاش حول كيفية تلبية Your Party  لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة أمر غير مقبول.

أما الموضوع الرئيسي الآخر الذي تم استبعاده من النقاش كان أكثر غرابة: فقد تم اختيار النقاش حول أجور العمال/ات ليتم مناقشته في بداية عطلة نهاية الأسبوع، ولكن تم سحبه فجأة لأسباب غامضة، مما يشير إلى أن الاعتراضات جاءت من المعنيين الأوائل!

تصويت وأسماء

ثم اندلع النقاش حول اسم الحزب بشكل باهت ومخيّب: كان معظم الأشخاص الذين تم استجوابهم غير راضين عن الخيارات المحدودة ولم يكونوا مقتنعين بالحجة القائلة إن ذلك كان قرارًا من اللجنة الانتخابية. لم يتم تقديم أي تفسير شفاف بشأن اختيار الاقتراحات المقبولة. علاوة على ذلك، اعتبر الكثيرون أن الاسم لم يكن القضية الأكثر أهمية، على الرغم من مشاركة أكثر من 10 آلاف شخص في هذا الاقتراع. كانت هذه التصويتات، بالإضافة إلى التصويت الذي يهدف إلى تحديد الحزب بشكل صريح كحزب اشتراكي، وإدماج دعم تحرر الأشخاص المتحولين جنسياً، من بين الثلاثة تصويتات التي سجلت أكبر عدد من المشاركين/ات.

كان بإمكان الأعضاء الاطلاع على رسم بياني يُظهر النسبة المئوية للناخبين لكل خيار، بالإضافة إلى العدد الدقيق للأصوات التي حصل عليها الخيار الفائز. الملاحظة الأولى هي انخفاض نسبة المشاركة: ينص القسم المخصص للأنظمة، على سبيل المثال: "يحق للأعضاء النشطين بالكامل والذين تم التحقق من هويتهم التصويت. وقد استوفى 22,266 عضوًا هذه المعايير". وبالتالي، من بين أكثر من 55 ألف عضو مسجل، تم التحقق من هوية أقل من النصف. من المستحيل معرفة ما إذا كان هذا الانخفاض ناتجًا عن انخفاض الروح المعنوية بسبب الصراعات الداخلية، أو صعوبات تقنية، أو عوامل أخرى. كانت نتائج التصويت يوم الاثنين، التي جاءت بعد المناقشات يوم الأحد، أكثر تباينًا بالنسبة لليسار وتعكس الارتباك السائد خلال النقاشات. عقب تدخل بارز من ليز ويثلي  Liz Wheatley  ،عضو في الحزب الاشتراكي العمالي ونقابة UNISON في منطقة كامدن، تم تسجيل تصويت إيجابي بشأن دمج مبادئ مكافحة الاضطهاد، والذي تم فهمه من قبل جميع الحاضرين في القاعة ومن قبل أولئك الذين تابعوا البث المباشر، كأنه مطلب تحرر الأشخاص المتحولين جنسيًا.

حظي حق عزل المسؤولين عن الفروع أيضًا بدعم كبير، شأنه في ذلك شأن التوجّه العام المناهض لسياسات التقشّف لدى المرشحين لانتخابات شهر مايو/أيار المقبل.
في النهاية، صادق التصويت عبر الإنترنت على إقرار التصويت الإلكتروني على مستوى الفروع والمؤتمرات التداولية. من الواضح أن البعض رأى في ذلك سعيا إلى إشراك الجميع ، ولكن عندما
يتم التصويت عبر الإنترنت، يتم ذلك بشكل مذرر، دون الحاجة إلى حضور جميع المناقشات. يمكن أيضًا أن يتم التلاعب بمثل هذا التصويت من قبل شخصيات مؤثرة على وسائل
التواصل الاجتماعي تحث على التصويت بطريقة معينة، دون مراعاة معنويات المنتدبين/ات. كما أن التصويت عبر الإنترنت على قرارات المؤتمرات التداولية يضر بمبدأ المشاركة في هذه المؤتمرات ذاتها. بالنسبة لنا، فإن مبدأ اشراك الجميع يعني أن الاجتماعات هجينة وتُعقد في أماكن يسهل الوصول إليها. ويتطلب ذلك بذل جهود حثيثة لانتخاب وفود تضم الجميع وإعطاء تقارير شاملة. إن النقاش الجماعي ضروري لبناء حزب العمال الجماهيري الضروري.

النضال من أجل حزب يشرك الجميع

في الوضع الذي يجري فيه بناء المنظمة، وحيث لم تكن هناك جمعيات في جميع المناطق، وحيث انعقدت الاجتماعات في وقت قصير جدًا، وحيث لم يتم إرسال الاخبار بالاجتماعات إلى جميع الأعضاء الذين يؤدون واجباتهم المالية، وحيث كانت هناك انقسامات عصبوية في بعض المناطق، لم نشهد تجربة جماعية كاملة. 

لذلك قرر المؤتمر أن الاجتماع المقبل سيجمع بين انتخاب المنتدبين/ات والاختيار بالقرعة، وأن "المبادرة السياسية المحلية سيتم تحديدها من خلال أنظمة التصويت عبر الإنترنت المفتوحة بشكل دائم لمشاركة الأعضاء المحليين" وأن «الاقتراحات المقدمة إلى المؤتمر سيتم اختيارها من خلال نظام التصويت الدائم». كانت نتيجة هذه التصويتات مربكة وغير شفافة، ومهما كانت نوايا أولئك الذين اقترحوها، فهي غير ديمقراطية في الأساس. 

إذن، من هنا يبدأ العمل. يتعلق الأمر ببناء هيئات ديمقراطية تشرك الجميع وسهلة الوصول إليها، حيث تتاح فرصة المشاركة للجميع. يجب أن تكون الحملات الانتخابية مصحوبة بالانخراط في المجموعات المحلية والحملات المحلية والنقابات العمالية. ويجب إنشاء الهياكل الوطنية والإقليمية ومجموعات العمل التي تمثل المضطهدين/ات وفقا لنفس المبادئ. هناك آفاق عظيمة مفتوحة أمامنا، ولكن هناك أيضًا مسؤوليات هائلة.

يتوقف نجاح Your Party أو فشله على كيفية تفاعله مع العالم الخارجي، وعلى قدرته على أن يصبح فاعلا لا غنى عنه في الصراع الطبقي. يجب عليه أن يقدم بدائل ضد التقشف، وضد جميع أشكال التمييز، والإمبريالية، وأن يدافع عن أفق مجتمع اشتراكي. أما إذا بقي غارقاً في صراعاته الداخلية، فسوف سيضمحل ويصبح ويتحوّل إلى منظمة عاجزة.

1 ديسمبر 2025

     

المؤلف - Auteur·es

سيمون حنة

(*) سيمون حنة كاتب ومناضل ونقابي، وعضو في حركة المقاومة المناهضة للرأسمالية  Anticapitalist Resistance، فرع الأممية الرابعة البريطاني. يعيش في جنوب لندن. يشغل منصب مساعد أمين فرع نقابة الوظيفة العمومية Unison. ألف كتبا عديدة، منها "حزب بداخله اشتراكيون: تاريخ يسار حزب العمال. A Party With Socialists In It : A History of the Parti travailliste Left.