يتطرق جلبير الأشقر، في هذه المقابلة مع جان باتو، إلى نتائج الانتفاضات في المنطقة العربية، بعد خمسة عشر عامًا من سقوط بن علي في تونس.
- تحل يوم 14 يناير 2026 الذكرى الخامسة عشرة لسقوط نظام بن علي، ممثلاً أول انتصار كبير لـ ”الربيع العربي“. وبعد تونس، انخرطت شعوب عديدة أخرى في نضالات جماهيرية، لا سيما في مصر وسوريا. بيد أنه جرى احتواء هذه الموجة الثورية الهائلة بحروب أهلية دامية، أججتها تدخلات أجنبية (جماعات جهادية، بلدان الخليج، إيران، تركيا، روسيا، إلخ)، وكذلك بقمع من الدول القائمة، ما أفضى إلى إعادة إرساء الأنظمة المستبدة. أيُّ حصيلة تستخلصُ من هذه السيرورة المديدة؟
الحصيلة سلبية جدا لحد الآن. فقد أُطيح النظام الديمقراطي في تونس، آخر المكتسبات الديمقراطية الكبرى لموجة الانتفاضات المسماة «ربيعا عربيا» في عام 2011، بانقلاب داخلي في العام 2021، بعد عشر سنوات. وقد غرقت المقاومة الشعبية ضد الانقلاب في السودان، آخر معقل لموجة 2019 الثورية الموصوفة بـ«الربيع العربي الثاني»، في الحرب التي اندلعت في العام 2023 بين مُكوِّنيْ النظام العسكري المسلحين. وعلى خلفية الهزائم هذه، اندلعت حرب إسرائيل للإبادة الجماعية لسكان غزة، في إطار تصعيد مأساوي للهجوم الصهيوني على الشعب الفلسطيني وعلى أعداء إسرائيل بالمنطقة.
لكن حصيلة المرحلة السلبية هذه تندرج في سياق ما كنتُ حللتُ منذ البداية بما هو «سيرورة ثورية طويلة الأمد»، لمّا كانت الأوهام التي عبر عنها تعبير «الربيع العربي» سائدة. كان جليا في نظري أن الأمر لم يكن يتعلق بانتقال ديمقراطي وجيز نسبياً، على غرار ما شهدت دول أوروبا الوسطى والشرقية في أواخر سنوات 1980. لم تُبدِ بيروقراطيات تلك الدول سوى مقاومة واهنة لموجة تغيير سياسي متصاعدة فرضتها أزمة عميقة في نمط الإنتاج البيروقراطي، ودعمتها إمبريالية غربية ظافرة في ذروة قوتها. ولم يكن قوام هذا التغيير السياسي غير تكيف مع النموذج الذي دفعت به هذه الإمبريالية الغربية، بالانسياق في منحدر أدنى مقاومة.
كانت الأمور، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مختلفة تمامًا، ولا تزال كذلك. الفئات الحاكمة هناك مالكة – وأحيانًا مالكة للدولة ذاتها – وتعارض بشدة التغيير السياسي الجذري المطلوب لإطلاق التنمية الاقتصادية المعاقة وتلبية تطلعات السكان الاجتماعية، وهو تغيير متعارض جدا مع مصالح الإمبريالية الغربية في المنطقة.
بيد أن صعوبة التغيير من شأنها أن تؤدي إلى تعَوُّق تاريخي مديد، لـأن الأزمة الهيكلية ظلت دون حل، إذ لم تكف الأزمة الاجتماعية والاقتصادية عن التفاقم، والسياق السياسي عن التدهور. وقد تجلى هذا التدهور في جملة حروب أهلية - في سوريا وليبيا واليمن والآن السودان - تسهم في إحباط سكان المنطقة وتفكيك تعبئتهم. لكن لا يمكن استعادة استقرار النظام القديم، فالتعوُّق الهيكلي يغذي حتما التوترات الاجتماعية التي ستتخذ عاجلاً أم آجلاً شكل انفجارات سياسية. إنها «سيرورة ثورية طويلة الأمد» قد تدوم عقودا، وقد تؤدي، إذا واجهت عرقلة مستمرة، إلى انهيار حضاري عام في المنطقة المتضررة. وبهذا يكون طرفي الخيار المتاحين هما الثورة الاجتماعية والهمجية.
- هل يمكن اعتبار إنشاء الإدارة الذاتية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في روج آفا، والسقوط النهائي لنظام الأسد في سوريا، نتائج لهذا الدورة الثورية، حتى لو ظل مستقبل سوريا غير مؤكد؟ ومن ناحية أخرى، ألا تظهر انتفاضة شباب المغرب الأخيرة أن الأزمة الاجتماعية لا تزال عميقة في المنطقة برمتها؟
ليست الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا جزءًا من السيرورة الثورية الجارية في المنطقة الناطقة باللغة العربية. إنها مشتقة منها، وباتت ممكنة بفضل الحرب الأهلية التي أضعفت الدولة السورية، وحَدَت بها إلى التسامح مع وجود هذه الإدارة الإقليمية. وقد نأت هذه الإدارة بنفسها منذ البداية عن الصراع بين النظام السوري والمعارضة. وتحالفت مع الولايات المتحدة في الحرب على داعش (تنظيم الدولة الإسلامية).
من ناحية أخرى، أدى تضافر تدخل الملكيات النفطية، ومناورات النظام السوري المكيافيلية، وعجز اليسار القائم في الحركة الشعبية السورية، إلى تحول الانتفاضة الثورية في هذا البلد سريعاً إلى حرب أهلية بين معسكرين مضادين للثورة: نظام الأسد من جهة، وقوى مسلحة متنوعة تنتمي إلى المعسكر السياسي للأصولية الإسلامية من جهة أخرى.
وقد كانت أكثر هذه القوى رجعية – جبهة النصرة، الفرع السابق لتنظيم القاعدة، التي حكمت منطقة إدلب في شمال البلد منذ بضع سنوات، مقيمةً علاقات مع الدولة التركية (أنكرتها هذه الأخيرة مدة طويلة) – المستفيد في النهاية من انهيار نظام الأسد. وقد سقط هذا الأخير بعد أن تخلت عنه روسيا، الموحِلة في غزو أوكرانيا؛ ثم إيران، التي باتت عاجزة عن التدخل، خاصة بعد قطع اسرائيل رأس حزب الله اللبناني في خريف العام 2024. السلطة الجديدة في دمشق، المعاد تشكيلها بعد إدلب مع احتفاظها بنفس المعايير الأساسية، سلطة رجعية وطائفية ومناهضة للديمقراطية، وبالطبع مناصرة لأبشع رأسمالية. ولهذا السبب لقيت ترحيبا فوريا من دونالد ترامب والعواصم الغربية.
وبالعكس، تندرج حركة الشباب المغربي الأخيرة كليا في استمرار السيرورة الثورية المنطلقة في العام 2011. وهي توضح تماماً جذورها العميقة، المتمثلة في هذا الانحباس التنموي مع نمو ضعيف، كانت أعراضُه الرئيسية، ولاتزال، بطالةَ الشباب. تسجل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عقود أعلى معدل بطالة شباب في العالم. إن يأس الشباب هذا، بوجه خاص، هو القوة الدافعة للانتفاضات الإقليمية.
- إذا كانت أسباب سلسلة الانتفاضات الشعبية هذه لا تزال قائمة، فما العلل التي تفسر التراجع الحالي للتحركات الاجتماعية في معظم البلدان؟ هل يعود ذلك إلى آثار القمع طويلة الأمد؟ أو إلى انهاك القطاعات التي كانت طليعة هذه النضالات؟ أو إلى غياب قيادات سياسية تتيح منظورَ قطيعةٍ مع الرأسمالية النيوليبرالية المافياوية و/أو الإسلاموية الرجعية؟
يكمن السبب الجوهري في غياب حركة سياسية منظمة تمثل تطلعات الشباب الثورية بنحو مستقل عن القوى المعارضة الإصلاحية سياسياً أو الرجعية اجتماعياً. تمكنت هذه القوى المعارضة من حرف قسم من طاقة الجماهير الثورية، ما أفضى إلى علاقة ثلاثية بين قطب ثوري وقطبين مضادين للثورة. كانت الحالة الأقرب مما ينقص متمثلة في الثورة السودانية، التي قادتها لجان شباب جذري في الأحياء – «لجان المقاومة»، وهي هيكل غير ممركز، لكنه قادر على توحيد الفعل بفضل استعمال تقنيات الاتصال الحديثة للتشاور. ما كان ينقص هذا الفصل هو تنظيم سياسي بإمكانه تمهيد طريق الثورة ببناء شبكة داخل القوات المسلحة، أو على الأقل العمل على بناء هكذا شبكة بمجرد اندلاع الثورة. هذا وحده يتيح تفادي خنق الثورة بحرب داخلية بين العسكر الرجعيين.
وهذا ما ينقص أكثر المغرب، إذ أن حركة الشباب، المعروفة باسم «GenZ 212»، أقل تنظيماً بكثير من «لجان المقاومة» السودانية، وتفتقر أكثر منها إلى إجابة سياسية في مستوى التحديات. لا يمكن اعتبار القمع سبباً بحد ذاته، لأنه من العقبات التي لا بد من تجاوزها، والتي نعرف مدى قسوتها الشديدة في هذه المنطقة من العالم. السؤال هو بالضبط كيفية التنظيم للتغلب على هذا القمع. وهنا يصبح العامل التنظيمي أمراً أساسياً.
- إلى أي مدى شكلت ”السياسة المَوْتية“ التي تنتهجها إسرائيل في غزة، أو الإمارات العربية المتحدة في السودان، ضربة قاسية لكفاحية الشعبين الفلسطيني والسوداني؟
قلما يمكن مقارنة الحالتين. فحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على سكان غزة هي هجوم على الشعب الفلسطيني برمته. والإمارات العربية المتحدة لا تتدخل مباشرة في السودان، إذ تساند أحد طرفي الحرب بين العسكر، أي «قوات الدعم السريع» التي تعود أصولها إلى الميليشيات المرتكبة إبادة جماعية في دارفور قبل حوالي عشرين عاماً. كما سبق القول، خنقت الحربُ في السودان السيرورة الثورية الجارية منذ العام 2019. بيد أن تأثيرها الإقليمي محدود. في المقابل، لا شك أن لحرب الإبادة الجماعية التي يشنها الكيان الصهيوني على غزة تأثير إقليمي كبير. وقد انضافت هذه الحرب إلى الهزائم المتراكمة منذ ”الربيع العربي“ لتزيد الإحباط العاجز، يخالطه شعور استياء بين شعوب المنطقة. أعتقد أن الاستياء سوف سيغلب في النهاية نتيجة لمزيج متفجر من الإحباطات - الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على صعيد كل بلد، والسياسية والعاطفية على صعيد إقليمي.
- ألا يخلق ظهور قوى إمبريالية فرعية في الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات وإسرائيل، متزايدة القوة والعدوانية عسكرياً ومالياً، ومهيأة لتعقب مصالحها بكل الوسائل، مشكلاتٍ متناميةً للولايات المتحدة؟ أفكر بوجه خاص في حُميّة إسرائيل الحربية تجاه العديد من جيرانها، إلى درجة قصفها لقطر، ولكن أيضًا في تنافس الإماراتيين والسعوديين في السودان.
تنافس أتباع الإمبريالية مفيد للإمبريالية بقدر ما يزيد اعتماد كل دولة تابعة على سيدها، أي الولايات المتحدة في هذه الحالة. تحرص واشنطن على عدم الانحياز في هذا النوع من التنافس، بل تمارس دور تهدئة،وتتصرف عند الضرورة للتوفيق بين عملائها. وهكذا، أذنت إدارة ترامب الأولى (2017-2020) لمقاطعة قطر من قبل الإماراتيين والسعوديين، مع الحفاظ على علاقاتها مع إمارة قطر، التي تستضيف القاعدة العسكرية الأمريكية الرئيسية في هذه المنطقة من العالم. انتهت المقاطعة مع نهاية ولاية ترامب الأولى. وفي ولايته الثانية، غيّر ترامب جذريا سياسته تجاه القطريين، الذين رشوه – الأمر الذي يبرع فيه القطريون.
حالة نتنياهو مغايرة، فقد توجد خلافات طفيفة بينه وبين ترامب، لكن كلاهما حريص على الحد منها. نتنياهو بارع في فن استمالة ترامب. فهو يترك الأمور تأخذ مجراها عند الضرورة، مثلما فعل مع ”خطة السلام“ المزعومة، التي اقتنع أنها لن تذهب بعيداً، وستتعثر حتماً على المدى القصير أو المتوسط. أما «الحُمية الحربية» لإسرائيل، فلم تحظ بموافقة واشنطن فحسب، بل أسهمت فيها هذه الأخيرة مباشرة – وبنحو مباشر أكثر في عهد ترامب، الذي أمر قواته المسلحة بالمشاركة في قصف إيران. وبالنظر لما بات لترامب من مصالح شخصية وعائلية مع القطريين، لم يكن بوسعه إلا أن يتبرأ من محاولة إسرائيل اغتيال قادة حركة حماس في قطر. لكنه فعل ذلك بفتور، وسارع إلى العمل على مصالحة حليفيه.
تشكل ملكيات الخليج النفطية، وملكيات الأردن والمغرب، ومصر وإسرائيل، مكونات نظام إقليمي وثيق الارتباط بالولايات المتحدة. كل هذه الدول تابعة لواشنطن بهذا النحو أو ذاك، وأدوارها متكاملة وليست متناقضة. وقد ظهر تكامل هذه الدول بجلاء إبان الإبادة الجماعية التي اقترفتها إسرائيل في غزة.
* مقابلة أجريت في 25 ديسمبر 2025.