مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

التعبئة الشعبية الإيرانية ضد الديكتاتورية الإسلامية وضد الإمبرياليين

بقلم Sara Selami
Une foule massive de manifestants et de manifestantes, 13 janvier 2026. © Mamlekate CC BY-SA 4.0

تواجه تعبئة الطبقات الشعبية قمعًا واسعا بينما تحاول أن ترتقي إلى قوة سياسية في مواجهة السلطة وباستقلال عن التدخلات الإمبريالية.

 

ما هي العوامل التي أدّت إلى اندلاع انتفاضة يناير؟

نتج اندلاع الانتفاضة عن تضافر عوامل ظرفية وبنيوية. أدى الانهيار الحاد للريال، العملة الوطنية، أمام الدولار إلى تفاقم تضخم كان أصلًا متصاعدًا، ودفعه إلى نقطة الغليان. أثّر ذلك في شرائح واسعة من المجتمع. بل إن هذا الوضع دفع حتى تجّار البازارات، القاعدة الاجتماعية التاريخية للنظام، إلى التعبئة. في طهران، أضرب جزء من تجار البازارات ونظّموا مسيرات داخل البازار.

وسرعان ما امتدت هذه التعبئات إلى طلبة جامعات طهران ومدن كبرى أخرى. وبالتوازي مع إغلاق الجامعات من طرف السلطة، انتشرت التعبئات الطلابية إلى مناطق مختلفة من البلاد. وبدأت الطبقات الكادحة، واحدة تلو الأخرى، تنخرط في التعبئة.

يجد انفجار غضب الطبقات الشعبية أحد أسبابه المباشرة والأساسية في إلغاء الدعم الموجّه للأسر الأشد فقرًا. هذه الفئات متضررة بشكل خاص من سياسة تصفها الحكومة رسميًا بـ«الجراحة الاقتصادية»، في سياق يتسم بارتفاع هائل في الأسعار، لا سيما أسعار المواد الغذائية.

لا تقتصر هذه الانتفاضة على هذه الجوانب الظرفية. فالعوامل البنيوية، التي أدت إلى تدهور كبير لظروف عيش قطاعات واسعة من السكان، تلعب دورًا مركزيًا في بروز هذا الحركة: السياسات النيوليبرالية المولِّدة لفوارق اجتماعية سحيقة؛ أجور هزيلة منفصلة تمامًا عن الأسعار الباهظة للمواد الأساسية؛ هشاشة التشغيل، البطالة الواسعة، انعدام الاستقرار الاجتماعي، فضلًا عن القمع السياسي والدكتاتورية.

في بداية المظاهرات، كان من العناصر اللافتة المشاركة القوية لسكان المدن الصغيرة الذين يعانون من حرمان اقتصادي شديد. انتقلت هذه الاحتجاجات تدريجيًا إلى المدن الكبرى. وشاركت جميع الأقليات القومية في الانتفاضة.

تجلّت الاحتجاجات الشعبية أساسًا في شكل مظاهرات في الشوارع اتسمت بأولى المواجهات مع قوات القمع، ثم بقمع دموي.

أما بخصوص الإضرابات، فيجدر التذكير بأنه منذ سنوات تُنظَّم إضرابات ومظاهرات منتظمة دفاعًا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال والعاملات. وقبل أيام قليلة من بدء إضراب التجار، كان ستة آلاف من أجراء العمل الهش في صناعات النفط والغاز في عسلويه قد أطلقوا بالفعل حركة تاريخية ترمي إلى إلغاء نظام المناولة (التعاقد من الباطن). وكذلك في طهران، خلال الأيام الأولى للانتفاضة، وبينما كانت مظاهرات شعبية تجري في بعض الأحياء، كان المتقاعدون/ات يواصلون تجمعاتهم الأسبوعية في شوارع أخرى من المدينة؛ وقد توقفت هذه التحركات مع اشتداد الانتفاضة واتساعها إلى مجمل العاصمة، ومع التدخل العنيف لقوات القمع.

 

ما هي المطالب الرئيسية ومصادر السخط الاقتصادية والسياسية التي عبّر عنها السكان؟

قُمعت هذه الانتفاضة بعنف غير مسبوق، قبل أن تبلغ حتى مرحلة بلورة مطالب «إيجابية» واضحة. وقد أسفر هذا القمع عن آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين/ات.

في بداية الحراك، تمحورت الشعارات أساسًا حول الصعوبات الاقتصادية وظروف العيش. وسرعان ما تعممت شعارات ترفض مباشرة الجمهورية الإسلامية. كما رُفعت شعارات تربط بين المشاكل الاقتصادية ورفض السلطة القائمة، مثل: «فقر، فساد، غلاء معيشة، سنمضي حتى إسقاط النظام».

وبوجه عام، طغت شعارات رفض النظام والوضع القائم بشكل واسع. وكانت أكثر الشعارات تجميعًا هي: «الموت للديكتاتور»، «الموت لخامنئي»، «لا نريد الجمهورية الإسلامية».

ووفق تحليل يتعلق بالأيام الستة الأولى للحراك، شكّلت الشعارات الموجّهة ضد الدكتاتورية والنظام نحو 65٪ من مجموع الشعارات، مقابل 14٪ فقط للمطالب الاقتصادية رغم دورها الأولي، ونحو 20٪ لصالح عودة الملكية.

غير أن هذه الأخيرة لا تعكس دائمًا مطلبًا سياسيًا فعليًا، إذ إن كثيرًا من المتظاهرين يردّدونها أساسًا بسبب غياب بديل واضح وبفعل اليأس، أكثر من تبنّيهم مشروعًا ملكيًا.

وعمومًا، افتقرت هذه الانتفاضة إلى بديل اجتماعي وسياسي محدد بوضوح. فقد عبّرت قبل كل شيء عن رفض الوضع القائم. وكان المطلب المشترك والموحِّد للحراك هو رفض الجمهورية الإسلامية وإسقاطها.

 

ما هي أبرز النقاشات والخلافات داخل الحراك، وما هي التيارات المنخرطة فيه؟

حاولت مجمل قوى المعارضة السياسية التأثير في توجّه هذه الانتفاضة. غير أنها لا تمتلك جميعها الوسائل نفسها.

• تسعى وسائل الإعلام الكبرى للمعارضة في الخارج — ولا سيما بعض القنوات التلفزيونية الناطقة بالفارسية مثل «إيران إنترناشيونال» المدعومة على نطاق واسع من إسرائيل، و«بي بي سي» بالفارسية، وغيرها من وسائل الإعلام الدولية — إلى تقديم ابن الشاه السابق بوصفه قائد هذه الاحتجاجات والحاكم المستقبلي للبلاد. وهذه الوسائل الإعلامية شديدة الحضور، تبث على مدار الساعة، وتمتلك بالتالي قدرة تأثير كبيرة.

• يتمتع مجاهدو خلق بموارد مالية كبيرة وشبكات ضغط قوية في أوروبا والولايات المتحدة، خصوصًا داخل تشكيلات سياسية يمينية. غير أنهم لا يحظون بأي دعم فعلي داخل إيران.

• شاركت الأحزاب والحركات المنبثقة عن الأقليات القومية في التعبئات مع صياغة مطالب خاصة، ذات طابع إثني وإقليمي في آن واحد. وإذا كان بعض التيارات السياسية الكردية يتجه نحو الولايات المتحدة أو إسرائيل، فإنه لا يوجد حاليًا في كردستان دعم شعبي لمشاريع تدخل أجنبي.

• كما حاولت قوى معارضة أخرى، تمتد من اليسار إلى الجمهوريين والقوميين — ومعظمها قائم في الخارج — التأثير في الحراك عبر وسائل إعلامها الخاصة، الأكثر تواضعًا، غير أن تأثيرها يظل محدودًا.

• يصف الجمهوريون، بتنوعهم، هذه الانتفاضة بأنها تمرد ضد الدكتاتورية ويطالبون بإقامة ديمقراطية علمانية. جزء من هذا التيار لا يعارض عودة الملكية ويستند إلى بعض الشعارات المرفوعة في الشارع. أما الأغلبية فتشدد على الاستقلال الوطني ورفض أي تدخل أجنبي. وهم يدافعون عن انتقال عبر انتخابات وإقامة ديمقراطية برلمانية. وعلى الصعيد الاقتصادي، يظلون متمسكين بالسياسات الليبرالية، واقتصاد السوق، والاندماج في السوق العالمية.

• تقوم التيارات اليسارية والاشتراكية بدور مهم في الدفاع عن العدالة الاجتماعية، ونقد الرأسمالية، وحماية حقوق العمال والعاملات. إن الوضع الراهن، وبعض شعارات الشارع، وتهديد هجوم عسكري أمريكي-إسرائيلي، تُبقي جزءًا كبيرًا من هذا اليسار — الواسع لكن المشتت — في حالة تأهب. وهو يناضل على ثلاث جبهات: ضد النظام القائم؛ ضد اليمين المتطرف، ولا سيما الملكيين — الذين يتحدثون بالفعل عن انتقامات حتى قبل الوصول المحتمل إلى السلطة —؛ وضد أي تدخل إمبريالي.

تتعلق أهم الخلافات داخل المعارضة بهذا البديل اليميني المتطرف (الملكيين)، وبمسألة تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل. فالملكيون يدعمون علنًا تدخّلًا عسكريًا إمبرياليًا، ويعتبرونه الوسيلة الوحيدة للعودة إلى السلطة. أما منظمات اليسار فتعترض عليه بشدة، وترفض الملكية، وتدافع، في معظمها، عن نموذج حكم قائم على ديمقراطية المجالس.

وأخيرًا، لا تتوافر معلومات دقيقة حول إنشاء هياكل ديمقراطية منظمة لتنسيق المظاهرات والإضرابات. غير أنه من المرجح أن مثل هذه المبادرات موجودة في طور جنيني.

 

هل توجد أوجه تشابه مع الانتفاضات السابقة؟

لا يمكن اعتبار الانتفاضات المتكررة في إيران «أزمات معزولة» ولا مجرد انفجارات غضب عابرة: فعندما تقوم دولة قسرية ذات طابع إيديولوجي بمفاقمة انعدام الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فإن النتيجة لا تكون تمردًا معزولًا، بل نمطًا متكررًا: احتجاج، قمع عنيف، إنهاك، ثم انتفاضة جديدة.

يكمن الاختلاف الرئيسي بين الانتفاضة الحالية وانتفاضتي 2017 و2022 في غياب شعارات إيجابية ومطالب بديلة.

ففي حركة 2022، تجلّى هذا البعد الإيجابي في شعار «امرأة، حياة، حرية»، بينما تميزت انتفاضة 2019 بشعار «خبز، عمل، حرية».

كانت معظم الانتفاضات خلال السنوات الثماني الماضية مدفوعة بأسباب اقتصادية واجتماعية، باستثناء حركة 2022، حيث جرى نقد البُنى الفوقية مثل النظام الأبوي والطابع الديني للنظام، وطُرحت أيضًا مطالب تتعلق بالحريات الفردية ونمط الحياة. وخلال تلك الحركة، رغم مشاركة جميع الطبقات الاجتماعية — بما فيها العمال وسائر الطبقات الشعبية — فإن راية الحراك حملتها أساسًا الطبقة الوسطى الحضرية.

أما محرّك انتفاضة 2026 فهو أساسًا تفاقم الوضع الاقتصادي وصعوبات الحياة اليومية. وتشارك تقريبًا جميع الطبقات الاجتماعية في هذه الانتفاضة، بما في ذلك جزء من البرجوازية مثل تجار البازار، غير أن حضور الطبقات الشعبية، والعمال/ات، والموظفين/ات الهشّين/ات، والعاطلين/ات عن العمل، هو الأبرز.

وعلى غرار باقي الانتفاضات منذ 2017، تتقاسم انتفاضة 2026 الإرادة في إنهاء الجمهورية الإسلامية برمتها.

أما الحركة الخضراء لسنة 2009، المعروفة بشعار «أين ذهب صوتي الانتخابي؟»، فعلى الرغم من ضخامتها، فإنها تميّزت باعتراضها المحدود على بعض ممارسات النظام، وشاركت بعض فصائل السلطة نفسها في قيادتها.

 

كيف ردّ النظام على هذه الانتفاضة؟

واجهت هذه الانتفاضة أشد أشكال القمع وحشية في تاريخ النظام. وما يزال هذا القمع مستمرًا إلى اليوم في شكل اعتقالات جماعية، وملاحقات قضائية جماعية، ومضايقات للجرحى وللطواقم الطبية، فضلًا عن التهديد بتنفيذ الإعدام بحق المتظاهرين والمتظاهرات المعتقلين.

إذا كانت الجمهورية الإسلامية قد بقيت في السلطة لما يقارب خمسة عقود، ضد إرادة أغلبية السكان، فإن ذلك يعود أساسًا إلى استخدام القوة وترسيخ ثقافة الخوف.

قد تثير التغطية الدولية للتعبئات الشعبية ضد النظام التعاطف وتعزّز الحراك معنويًا وماديًا، لكنها لا تؤثر مباشرة في عزيمة النظام. فعلى خلاف نظام الشاه، تتمتع الجمهورية الإسلامية باستقلال سياسي. ولا تستطيع القوى الإمبريالية ولا الرأي العام الدولي إجبارها على التراجع.

يتميّز هذا النظام بانتهاكه المنهجي لحقوق الإنسان وللمبادئ الأخلاقية الأساسية، وباللجوء المعلن إلى عنف مفرط كأداة حكم. ولا يمكن دفعه إلى تخفيف القمع إلا عندما يتبين أن هذا القمع يأتي بنتائج عكسية، من خلال تعزيز التعبئة أو الفشل في تقليص الضغط السياسي الممارس على السلطة.

وحدها تعبئة شعبية منظمة، قادرة على فرض ميزان قوى غير ملائم للنظام، يمكن أن تجعل المظاهرات فعّالة سياسيًا. وفي هذا الصدد، تشكل قدرة الطبقة العاملة على تعطيل التدفقات الاقتصادية والإدارية رافعة حاسمة.

 

هل ما يزال للنظام قاعدة اجتماعية؟

تُجسّد الجمهورية الإسلامية الدولة الرأسمالية الإيرانية. فهي البنية الفوقية السياسية للهيمنة البرجوازية. ولا تزال تحتفظ بدعم جزء من البرجوازية، مما يتيح لها تعبئة قواها للدفاع عن علاقات الإنتاج القائمة.

وُلد نظام الجمهورية الإسلامية في قلب ثورة شعبية ذات دينامية مناهِضة للرأسمالية، كانت تهدد ليس فقط المَلَكية، بل أيضًا أسس الرأسمالية في إيران. وقد أتاح الدعم الذي قدمه طيف واسع من البرجوازية الصغيرة للجمهورية الإسلامية قمعَ الحركة العمالية المستقلة والمبادرات الديمقراطية الثورية قمعًا شديدا. وهكذا أصبح هذا النظام الأداة الأكثر فعالية للحفاظ على المصالح الجوهرية للبرجوازية الإيرانية في زمن كان فيه بقاء الرأسمالية مهددًا، حتى وإن كان طابعه الثيوقراطي يتعارض مع القيم الثقافية لشرائح واسعة من تلك البرجوازية.

شكّل السحق النهائي للثورة سنة 1983 ونهاية الحرب مع العراق سنة 1988 خاتمة مرحلة ترسيخ النظام. وبذلك انتهى الدور التاريخي للنظام في حماية الرأسمالية الإيرانية من خطر ثورة مناهِضة للرأسمالية. ومنذ ذلك الحين، تم تأمين استقرار النظام عبر إعادة إنتاج ودورة رأس المال، مما أوجد إطارًا ملائمًا لتوسيع مصالح شرائح أوسع من البرجوازية الإيرانية.

ولتحقيق هذا الهدف، جرى تطبيق توصيات «مدرسة شيكاغو» ابتداءً من تسعينيات القرن الماضي: تحرير الأسعار، الخصخصة، ومرونة اليد العاملة مقرونة بهشاشة فائقة.

ورغم أن القاسم المشترك بين جميع الرأسماليين في الحقبة النيوليبرالية هو الهجوم على الأجراء/ات والعاطلين/ات، وتقليص الخدمات الاجتماعية، وتدهور مستوى معيشة العمال/ات والفئات ذات الدخل المنخفض، فإن التنافس الداخلي الملازم للطبقة الرأسمالية في إيران، كما في غيرها، يمنع البرجوازية من تبنّي سياسة موحّدة.

يتجلى هذا خصوصًا في محاولة النظام الإيراني ترسيخ موقعه المهيمن داخل النظام السياسي الإقليمي من أجل تعزيز الأنشطة الاقتصادية للبرجوازية الوطنية. فالأقسام المختلفة من البرجوازية الإيرانية — بحسب قطاع نشاطها، وسوق منتجاتها، وحجم رأسمالها، واعتباراتها التكنولوجية، إلخ — لم تتقاسم التفضيلات نفسها بشأن السياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية، القائمة على التدخل العسكري واستراتيجية ما يسمى بـ«العمق الاستراتيجي».

ورأى بعضهم أن تكاليف هذه السياسة تضر بالاقتصاد الوطني وتشكل عائقًا أمام الاندماج في السوق العالمية. بينما اعتبرها آخرون مفيدة ودعموها. وعلى أي حال، فإن فشل هذه السياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية دفع بعض قطاعات البرجوازية الإيرانية إلى إعادة النظر في مواقفها.

إضافة إلى ذلك، تتطور الشروط العامة لاشتغال رأس المال تحت تأثير التحولات الاقتصادية والسياسية، سواء العالمية أو الوطنية. واحتياجات مختلف أقسام رأس المال ليست ثابتة، بل تتغير تبعًا للظروف. وبناءً عليه، تنعكس هذه التحولات أيضًا على القواعد البرجوازية للجمهورية الإسلامية.

يمكن أن نضيف مثالا آخر: في مواجهة تشديد العقوبات في مطلع العقد الثاني من الألفية، أنشأت إيران تدريجيًا آليات غير رسمية عُرفت باسم trustees — وهم وسطاء موثوقون متمركزون في الخارج يُكلَّفون بإدارة العملات الصعبة خارج النظام المصرفي الرسمي. وقد اقتصر دورهم في البداية على استيراد العملات، ثم وسّعوا سريعًا نطاق عملهم ليشمل إدارة عائدات الصادرات وتسهيل العمليات التجارية، لا سيما في قطاعات المحروقات والبتروكيمياء، وهم يشكلون حلقة أساسية في استراتيجيات الالتفاف حول العقوبات الدولية.

يمكن لأي تغيير في الاستراتيجية الحكومية أن يقلّص دورهم ويفسح المجال لبروز أقسام أخرى من البرجوازية. وبناءً عليه، لم يعد بإمكان النظام الإيراني اعتبار قاعدته الاجتماعية الحالية أمرًا مضمونًا، ولا الاعتماد على الآليات نفسها التي أُنشئت في ظروف مختلفة.

وفي جميع الأحوال، فإن القاعدة الاجتماعية المستقرة للجمهورية الإسلامية والقابلة لتعبئتها تتكون من المستفيدين من الريوع والمنتفعين المرتبطين بالحرس الثوري والميليشيات شبه العسكرية «الباسيج» (قوة تعبئة المقاومة) الذين يستفيدون من النظام. أما الأقسام الأخرى من البرجوازية فتشكل قاعدة اجتماعية أكثر تقلبًا، يمكن للنظام الاعتماد عليها بشكل متذبذب تبعًا للظروف الدولية والوطنية.

 

ما هو الوضع داخل النظام؟ هل توجد انقسامات أو تصدعات، خصوصًا بشأن الحراك والقمع؟

حتى الآن، لم تُسجَّل أي تصدعات ذات دلالة داخل النظام. ففي القمع الأخير، جرى تعبئة قوات القمع الإيديولوجي — ميليشيات الباسيج شبه العسكرية وفيلق الحرس الثوري — إضافة إلى الشرطة وقوات حفظ النظام التقليدية. ولم يُلاحظ أي عصيان من الرُتب الدنيا داخل القوات المسلحة.

ولا تُظهر أي من مكوّنات النظام استعدادًا لإبداء تفهم تجاه المتظاهرين/ات، فضلًا عن السعي إلى استمالتهم أو احتوائهم سياسيًا.

في بداية الاحتجاجات، اعتمد رئيس الجمهورية نبرة تصالحية لإعطاء الانطباع بتفهمه للاحتجاج الشعبي. لكن مع اتساع المظاهرات وتجذرها، تغيّر خطابه، فصار يزكّي القمع والمجازر ويواكبهما.

يبقى الجهاز الإداري فاعلًا، ويتصرف النظام بشكل موحّد في قمع المظاهرات. ويُفسّر ذلك جزئيًا بطبيعة بنية السلطة. فمنذ نحو خمسة عقود، تحاول الجمهورية الإسلامية تحويل الأزمات إلى أدوات لإعادة إنتاج وترسيخ آليات بقائها. وتتركّز النواة الفعلية للسلطة في شبكة مؤسسات ذات طابع أمني قوي. والمؤسسة المركزية في هذا الجهاز هي فيلق الحرس الثوري الإسلامي، الذي تجاوز إلى حد بعيد دوره الأصلي كجيش إيديولوجي ليصبح فاعلًا متعدد الأبعاد: عسكريًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، وأداة رئيسية لإدارة الأزمات.

يسيطر الحرس الثوري أو يؤثر في جزء مهم من الاقتصاد، والمشاريع الوطنية الكبرى، وآليات الالتفاف حول العقوبات الدولية. وهو يشكل بذلك ليس فقط أداة رئيسية لبقاء سلطة المرشد، بل أيضًا فاعلًا يتمتع بقدر من الاستقلال ومصالح خاصة. إلى حد أن أحد سيناريوهات «الانتقال السياسي» الممكنة قد يتمثل في استيلاء الحرس على السلطة بشكل كامل، أي شكل من أشكال الانقلاب على حساب رجال الدين. وأي انتقال سياسي يتجاهل مصالحهم سيواجه مقاومة شرسة من جانبهم.

وبالتوازي، لا تزال تيارات أصولية قائمة، دورها أقل استراتيجية وأكثر رمزية — يتمثل في شغل الفضاءات المؤسسية وترسيخ الخطاب الرسمي. ورغم ضآلة قاعدتها الاجتماعية، فإنها تسهم في إعادة إنتاج النظام عبر السيطرة على الجهاز القضائي والتشريعي والتنظيمي والإعلامي.

أما التيار «الإصلاحي»، فيبدو أكثر تشتتًا من أي وقت مضى. فقد اقترب جزء من «الإصلاحيين»، خاصة من الكوادر الوسطى، من المعارضة ويرغب في سقوط النظام. وانضم بعضهم حتى إلى التيار الملكي في الخارج. أما الفصيل الرسمي المتبقي — الذي يُوصف غالبًا بـ«الإصلاحيين المحافظين» — فقد همّشه النظام حاليا. وبعد إبعاده عن مراكز القرار، يسعى أساسًا إلى ضمان بقائه السياسي، وأصبح دوره الاجتماعي التاريخي، بوصفه صمام أمان في مواجهة الضغط الشعبي، متجاوزًا. ومنذ انتفاضة 2017، ثبت فقدانه لنفوذه الاجتماعي. وتقتصر قاعدته الاجتماعية اليوم على جزء من برجوازية القطاع الخاص، التي تنتقد السلطات لبطئها في تنفيذ إصلاحات مستوحاة من تلك التي طبقها خافيير ميلي في الأرجنتين.

وخلال انتفاضة يناير 2026، لم يُلاحظ أي تصدع داخل الهيئات التنفيذية وصنع القرار في النظام، وواجهت جميع المؤسسات الحراك بشكل موحد.

 

ما تأثير الفاعلين الخارجيين على الحراك، كالولايات المتحدة، إسرائيل، والملكيين المحيطين بابن الشاه السابق؟

خلال انتفاضة أواخر ديسمبر 2025 ويناير 2026، عبّرت أقلية من المتظاهرين/ات عن دعمها لسلالة بهلوي أو لتدخل عسكري أمريكي. وبالنسبة إلى بعضهم، لم يكن ذلك تعبيرًا عن تبنٍّ سياسي بقدر ما كان تعبيرًا عن ضائقة اجتماعية عميقة. أما غالبية المشاركين/ات — أجراء/ات محرومون/ات من الأجور، معلمون/ات فقراء، شباب عاطلون، نساء يرفضن الخضوع… — فقد تعبأوا من أجل العدالة والحرية والكرامة في مواجهة ظروف عيش لا إنسانية. ومع ذلك، فإن خطر توظيف هذه الخطابات من طرف فاعلين خارجيين قائم أيضًا.

جرت الانتفاضة في سياق إكراه مزدوج: قمع داخلي دموي، وتدخلات انتهازية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. وأسهم هذا الوضع في تحييد قدرة السكان على التحكم في مصيرهم، ويذكّر بدينامية متكررة في حركات التحرر في بلدان الجنوب العالمي.

ورغم هذه الضغوط، تكشف الممارسات الاجتماعية ودينامية الاحتجاج خلال السنوات العشر الماضية في إيران عن وجود أشكال من التنظيم الذاتي والتسييس من الأسفل. ففي الإضرابات، والتعبئات المحلية، والشبكات غير الرسمية، تبرز تجارب ملموسة للفعل الجماعي، تدل على إمكانات مهمة لإعادة تركيب ديمقراطي داخلي، رغم العنف البنيوي الذي تمارسه الدولة.

 

ما ردكم على من يعتبر، داخل اليسار العالمي، هذه الانتفاضة «ثورة ملوّنة» جديدة محرّكة من الإمبريالية الأمريكية وحلفائها كإسرائيل؟

الوضع الراهن حرج ومعقد. ففي عدة بلدان غربية، نظّمت مجموعات ملكية إيرانية تجمعات أمام السفارات الأمريكية للدعوة إلى هجوم عسكري، بينما قدّمتها بعض وسائل الإعلام بوصفها الممثل «الطبيعي» للاحتجاجات في إيران. ويسهم هذا الحضور الإعلامي المضلِّل لابن الشاه — غير المتناسب مع نفوذه الفعلي — في تصوير الانتفاضة كمشروع «يميني» أو كسيناريو بسيط لتغيير النظام. وهو ما يغذي الشكوك والحذر لدى جزء من اليسار المناهض للإمبريالية. وفي سياق تصاعد الضغط العسكري الأمريكي، يمكن تفهم المسافة التي يتخذها بعض النشطاء اليساريين الدوليين، ممن لا يلمّون كثيرًا بالواقع الإيراني.

غير أن الانتقال من معارضة التدخل الإمبريالي — وهي معارضة ضرورية وحاسمة — إلى الصمت إزاء المجزرة التي ترتكبها الجمهورية الإسلامية، أمر لا يمكن الدفاع عنه. فمثل هذا الموقف لا يعكس مجرد حذر، بل ينتمي إلى منطق سياسي ينعت بـ «الاصطفافية»، والذي يختزل الساحة الدولية في صراع ثنائي بين الغرب والأنظمة السلطوية غير الغربية. وضمن هذا الإطار، تُقصى النضالات الشعبية التي لا يمكن تأويلها بوصفها «مناهِضة للغرب»، وتُعاد تسميتها «ثورات ملوّنة» موجَّهة من الخارج. وتؤدي هذه القراءة إلى نزع الشرعية عن انتفاضات شعبية أصيلة وتقديم قمعها كاستجابة دفاعية مشروعة.

إن الدعم الانتهازي الذي تُعبر عنه قوى يمينية أو يمينية متطرفة لانتفاضة شعبية لا يعني أنها وراء نشأتها أو أنها تمسك بزمامها السياسي. وكذلك، فإن محاولة فاعلين خارجيين — أمريكيين وإسرائيليين — استغلال تعبئة جارية لا يكفي لنفي شرعيتها. وإذا كان خطر الاحتواء قائمًا فعلًا، فإن اعتبار هذه المحاولات «أدلة» على التلاعب يعكس استبدال تحليل الوقائع الملموسة بمخططات إيديولوجية تبسيطية.

إن المنطق «الاصطفافي» يقدّم الأنظمة السلطوية غير الغربية كحواجز ضد الإمبريالية، ويقود إلى التخفيف من القمع الداخلي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إن لم يكن الى تبريرها. وينتج عن ذلك انقلاب أخلاقي صارخ: فممارسات مثل السجن والتعذيب والإعدام واضطهاد العمال/ات والنساء والأقليات — التي يدينها هؤلاء «الاصطفافيون» بحق في المجتمعات الغربية — تُقلَّل من أهميتها أو يُقدم لها العذر عندما تصدر عن نظام غير غربي يدّعي مناهضة الإمبريالية. وهكذا يجري تعليق انتقائي لمبادئ التضامن والتحرر باسم حسابات جيوسياسية تجعل «عدو عدوي» حليفًا تلقائيًا. وهكذا، لم يعد تحليلهم السياسي ينبني على الوقائع الاجتماعية، وعلى قدرة الشعوب على التحكم في شؤونها، أو حق تقرير مصيرها، وإنما على انحيازات اصطفافية مجرد.

وتتمثل قراءة شائعة لدى جزء من هذا اليسار في القول إن الجمهورية الإسلامية قمعية داخليًا، لكن هذا القمع «شرّ ضروري» لحماية موقعها الجيوسياسي في مواجهة القوى الإمبريالية — الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، وإسرائيل. ومن السذاجة، بحسب هذا المنظور، أن ننتظر من هذا النظام «رهافات أخلاقية» للديمقراطيات الليبرالية. ووفق المنطق نفسه، فإن هذا النظام يتدخل في المقام الأول، في مواجهته للقوى التي تعمل في الخفاء لتقويضه، لضمان بقائه ودعمه للمقاومة الإقليمية. وسيضعف سقوطه كل القوى المناهضة للهيمنة الغربية. وفي المحصلة، نجد المعادلة التبسيطية القائلة: «عدو عدوي هو حليفي».

وماذا يحدث عمليًا؟

حتى وفق معاييرها الخاصة — احتواء النفوذ الغربي وضمان السيادة — تبدو الجمهورية الإسلامية في حالة إخفاق. فقد تبيّن أن استثماراتها الضخمة لدعم حلفائها الإقليميين غير مثمرة، بينما ظلت حماية مواطنيها من التهديدات الخارجية قاصرة. وخلال حرب الأيام الاثني عشر (من 13 إلى 25 يونيو 2026)، لم يتمكن النظام من منع عملاء الموساد من التحرك بحرية داخل الأراضي الإيرانية، ولم يُنشئ في الوقت نفسه جهاز دفاع مدني فعّال لحماية السكان من العدوان الإسرائيلي.

يكشف ذلك عبثية المقايضة التي يروّج لها بعض أنصار اليسار الاصطفافي — التسامح مع القمع الداخلي مقابل أمن خارجي. فالأمن الموعود لم يتحقق، بينما يظل القمع أداة دائمة للسيطرة الداخلية، بغض النظر عن النتائج الجيوسياسية المزعومة لتبريره. وسواء كانت التهديدات مبالغا فيها أو حقيقية، يصبح «التوافق الأخلاقي» الذي يفترض أن يشرع القمع غير محتمل.

لم تُوجَّه السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية يومًا بمناهضة إمبريالية مبدئية، بل ببراغماتية متمركزة بدقة حول مصالحها الخاصة. ولم يتردد النظام في التعاون مع «أعدائه العلنيين» عندما اقتضت مصالحه الاستراتيجية ذلك. وربما كان القصف الإسرائيلي للمنشآت النووية العراقية في أوزيراك قد سُهِّل بفضل هذا التعاون.

خلال الحرب في أفغانستان في مطلع الألفية الثانية، نشأ أيضًا نوع من التعاون بين إيران والولايات المتحدة، خصوصًا ضد طالبان وفي إطار إقامة حكومة أفغانية جديدة بعد إسقاط نظام طالبان.

تُظهر هذه الحالات أن الموقف الذي يَدّعيه النظام بوصفه معاديًا للإمبريالية يخفي في كثير من الأحيان اختيارات انتهازية وبراغماتية، أكثر مما يعكس مبادئ مناهضة للإمبريالية حقًا.

تُقدّم الجمهورية الإسلامية نفسها بوصفها القوة الوحيدة القادرة على الدفاع عن سيادة إيران وحقها في تقرير المصير في مواجهة النفوذ الغربي، بل وتذهب إلى حد الادعاء بتصدير هذه المهمة الثورية. غير أن هذه الصورة تنهار أمام الوقائع: فالموقف المعادي للإمبريالية الحقيقي ينبغي أن يحترم حق الشعوب الأخرى في تقرير مصيرها. لكن الاستراتيجية الإيرانية تعتبر بصورة منهجية المجتمعات المجاورة ساحاتٍ للتدخل والتوظيف.

وفي الممارسة، تُترجم «الدفاعات الاستباقية» للنظام الإيراني إلى استثمارات ضخمة في ميليشيات وقوى محلية – في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن – من أجل التأثير بشكل غير مباشر في هذه البلدان، وغالبًا على حساب استقلالها. وخلف الخطاب الأخلاقي حول «مساعدة الشعوب المضطهدة»، تخدم «معاداة الإمبريالية» المُعلنة أساسًا أهدافًا جيوسياسية وبغاية الهيمنة، مما يُظهر أن الدفاع عن حق الآخرين في تقرير المصير يُضحّى به إلى حد كبير لصالح توسيع النفوذ الإيراني.

هذا النهج يحرم شعوب إيران من أي استقلالية حقيقية، ويحوّلهم إلى مجرد بيادق في النزاعات الجيوسياسية، منفصلين عن حياتهم اليومية وغير قادرين على انتقاد قادتهم. أما اليسار الاصطفافي الذي يدعم هذه الرؤية فيختزل الحركات الاجتماعية في مُلحقات للدول: فكل احتجاج يُنظر إليه بوصفه أداة بيد واشنطن أو تل أبيب، ويُقدَّم المتظاهرون والمتظاهرات بوصفهم أدوات غير واعية للإمبريالية.

وفي هذا الإطار تختفي الأسباب المادية – مثل التضخم، وانعدام الاستقرار الاقتصادي، والفقر، واللامساواة، والقمع، والصراعات الاجتماعية، وصراع الطبقات – خلف لعبة التنافس بين الدول. وإذا كانت الإمبريالية تقوّض بالفعل قدرة الشعوب على الفعل، فإن هذا «اليسار» الذي يقدّم الجمهورية الإسلامية بوصفها سدًّا في وجه الهيمنة الغربية يشارك نفسه، بمفارقة، في هذا المحو: إذ تبقى شعوب إيران مُستَخدَمة كأدوات، ويُهمَّش صوتها، وتُكرَّس هزائمها سياسيًا.

 

فما الموقف الذي ينبغي لليسار العالمي أن يتخذه إزاء هذه الانتفاضة؟

إن الجواب الوحيد الذي يفرض نفسه هو التضامن العالمي. فالأمر لا يتعلق بالاختيار بين هذين القطبين، بل بالقطيعة مع هذه البدائل الزائفة وفتح الطريق أمام منظور ثالث، مستقل وذاتي.

إن الرفض المتزامن للإمبريالية وللدكتاتورية الداخلية يجب ألا يبقى مجرد شعار فارغ، بل ينبغي أن يوجّه جميع أنشطتنا، ومواقفنا، واختياراتنا في التحالفات. إن النضال في إيران ليس معركة معزولة. فماضيه كما مستقبله لا ينفصلان عن مسارات نضال شعوب أخرى تواجه بنيات هيمنة مشابهة. وسواء شئنا أم أبينا، فإنه يندرج ضمن موجة عالمية من المقاومات ضد النيوليبرالية والأنظمة السلطوية. ويجب على اليسار التقدمي أن يعبئ كل الوسائل لمنع أن يتم الاستيلاء على هذه المعركة من قبل قوى رجعية أو أن تُستغل من قبل دول إمبريالية.

وهكذا فإن انتفاضة شعوب إيران لا تمثل فقط معركة محصورة داخل حدود البلاد. بل إنها تمثل، بشكل أكثر حسمًا، اختبارًا لليسار، في إيران وعلى الصعيد العالمي. فمن الممكن أن يبرز أفق سياسي يجمع في آن واحد بين مناهضة كل من الرأسمالية والاستبداد والإمبريالية. ومن الممكن أيضًا التحرر من الثنائيات الزائفة التي يسعى خصومنا إلى فرضها علينا. وإذا كانت نتيجة هذه الانتفاضة ما تزال غير مؤكدة، فإن عمق الأزمة يضمن أننا أمام دينامية قيد التشكل. وفي هذا السياق، فإن أي تدخل عسكري أمريكي–إسرائيلي سيشكّل فعلًا مضادًا للثورة، لن يؤدي سوى إلى سحق النضالات الشعبية المنطلقة من القاعدة.

وحتى اليوم، يظل بناء لغة مشتركة وتضامن عالمي، يكون في آن واحد ملموسًا ونقديًا، الاستراتيجية الوحيدة القابلة للحياة في مواجهة تحالف القوى الرجعية على اختلاف أنواعها.

 

كان جزء كبير من العالم مسرحًا لموجات من الانتفاضات التي اندلعت دون تنظيم ديمقراطي واسع، ودون أحزاب وبنيات يسارية متجذرة. فكيف يمكن مواجهة هذا الوضع الذي عرّض هذه الحركات لخطر الاستيعاب من قبل قوى رجعية أو للقمع من قبل الدولة؟

تتعايش قراءتان متعارضتان للتعبئات الشعبية داخل اليسار: من جهة، نقد منظم يوصَف بـ«الاصطفافية الجديدة»؛ ومن جهة أخرى، نزعة تميل إلى تمجيد كل تعبير شعبي بشكل تلقائي دون أخذ مسافة أو تحليل نقدي. وفي ظل هذه المقاربة الثانية، يُعتبر أي تشكيك في الشعارات أو في التوجهات المُهيمنة فورًا موقفًا معاديًا للحركة، بل وحتى شكلًا من أشكال النخبوية. غير أن التعبئة في الشارع ليست أبدًا تعبئة خالصة: فهي مجال لعلاقات قوى وصراعات، ولا شيء يضمن أن تكون التعبئات الشعبية، بطبيعتها، دائمًا تحررية.

تتشارك هاتان القراءتان في أنهما وقعتا في الواقع في المشكلة نفسها: غياب امتلاك سياسة طبقية منظمة. فإحداهما تفوض المبادرة إلى الدول، والأخرى تُفوضها إلى عفوية الشارع. وفي كلتا الحالتين، لا يتحول الغضب الشعبي إلى مشروع جماعي واعٍ. يكشف هذا الوضع عن أزمة أعمق لليسار على الصعيد العالمي، الذي غالبًا ما أصبح منفصلًا عن أماكن العمل وعن الحياة الملموسة للجماهير. وبالنسبة لجزء من هذا اليسار، حلّ التحليل الجيوسياسي ووسائل الإعلام محل العمل الميداني.

في إيران، حيث بلغ مستوى السخط الاجتماعي حدًا غير مسبوق، يُظهر استمرار الاحتجاجات أن الغضب الشعبي ليس عابرًا. فالهوة بين المجتمع والسلطة السياسية تتسع باستمرار. ولا تكمن المشكلة في غياب الاحتجاج، أو نقص في القوى السياسية، بل في عجز التنظيم الاجتماعي المستدام، رغم وجود إمكان اجتماعي حقيقي. فالمجتمع الذي يفتقر إلى بُنى ومؤسسات وآليات للتمثيل الجماعي يمكن أن يبقى، حتى بعد انهيار نظام سلطوي، عرضة لإعادة إنتاج أشكال جديدة من السلطوية والشعبوية والفاشية.

إن الوحدة السياسية، عندما لا تكون مستندة إلى تنظيم اجتماعي مُهيكل، تقود إلى طريق مسدود. فالانتقال الحقيقي لا يصبح ممكنًا إلا عندما تكون الحركات الاجتماعية منظمة ومنسقة، وعندما تنبثق القوى السياسية من هذه الديناميات الجماعية. ومثل هذا المسار يعيد تعريف دور الأحزاب القائمة عبر إدراجها في علاقة عضوية مع مجتمع منظّم بدوره.

لا تصبح الحركات الاجتماعية قوة سياسية إلا عندما تمتلك بنى تمثيل مستقرة، قادرة على الحفاظ على الفعل الجماعي إلى ما بعد الفترات الثورية أو لحظات الغليان. وبدون ذلك تبقى الحركات مجرد موجات مؤقتة، قوية في لحظتها لكنها عاجزة عن الاستمرار، وغالبًا ما يتم الاستيلاء على نجاحاتها من قبل قوى منفصلة عن المطالب الاجتماعية الحقيقية.

إن الفاشية وأشكال الشعبوية السلطوية ليست مجرد ظواهر أيديولوجية: إنها أنماط محددة من التعبئة تستغل فراغ التمثيل لتقدم نفسها بوصفها «الصوت الوحيد للشعب». وفي مجتمع يفتقر إلى بنى مستقلة، تفتقد الجماهير الأدوات التي تمكّنها من التمييز والمقاومة وفرض نفسها. وهكذا قد تؤدي التعبئة الجماهيرية إلى تركيز السلطة في يد قوة سلطوية رجعية بدل أن تفضي إلى التحرر.

إن المطلوب هو تعميق التغيير السياسي وترسيخه، لضمان ألا يكون أي تحول مجرد ظاهرة عابرة أو أن يتم تحريفها من قبل قوى خارجة عن الحركة ومعادية لقضيتها.

وهكذا، فإن المسألة الحاسمة بالنسبة لمجتمع مثل إيران لا تتمثل فقط في غياب بدائل سياسية، بل في نقص التنظيم الاجتماعي. فبناء تنظيمات دائمة في أماكن العمل والعيش، وشبكات وأدوات للفعل الجماعي، يشكل الشرط الذي لا غنى عنه لتحويل الغضب الشعبي إلى مشروع جماعي واعٍ قادر على إحداث تغييرات بنيوية دائمة، وعلى تفادي استيلاء القوى الرجعية عليه، وعلى مقاومة الضغوط الخارجية. 

18  فبراير/شباط 2026