مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

الدولة الاسبانية اليسار عند مفترق الطرق: ملاحظات من أجل بناء جديد

بقلم Julia Cámara, Raúl Camargo
Pedro Sanchez et Pablo Iglesias après avoir signé au Palais de la Moneda l'accord sur le projet de loi de finances de 2019. Photo gouvernement espagnol.

مرت ما يقارب ثمان سنوات منذ وصول الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) بقيادة بيدرو سانشيز إلى السلطة، أولا بمفرده، ثم ابتداء من عام 2020 في ائتلاف مع «يونيداس بوديموس» (المشكل من بوديموس، اليسار الموحد، الكومونيس) حتى عام 2023، ومنذ ذلك الحين مع إئتلاف «سومار» (المتكون من اليسار الموحد، الكومونيس، حركة سومار). هذه الفترة، التي تعادل عمليا ولايتين تشريعيتين كاملتين، كافية تماما لإجراء تقييم دقيق لما مثّلته هذه «الحكومة التقدمية» من الناحية الاجتماعية والسياسية.

يمكننا الاتفاق على أنه كان هناك منذ البداية تباين بين الخطابات الدعائية والإجراءات التي نفذتها هذه الحكومة فعليا. فقد تضمنت وعود الولاية الأولى لسانشيز إجراءات مثل إلغاء ما يسمى «قانون تكميم الأفواه»، الذي اعتمدته حكومة اليمين السابقة بقيادة ماريانو راخوي لقمع الاحتجاجات بشدة، أو إلغاء إصلاح قانون الشغل الذي أدى إلى إضراب عام ضد راخوي. ومع ذلك، لم يتم تصحيح أي من الجوانب الأكثر ضررا لهذين القانونين الرئيسيين في سياسة اليمين بعد ثماني سنوات من الحكومات «التقدمية». وتُعد سياسات الإسكان مثالا رمزيا آخر على تقاعس الحكومة التقدمية في قضايا حساسة بالنسبة للطبقة العاملة. خلال الولاية التشريعية التي حكم فيها الحزب الاشتراكي و«يونيداس بوديموس»، تم إقرار قانون للسكن، لكنه لم يكن ذا فائدة تُذكر، لأنه ترك للمناطق ذات الحكم الذاتي—التي يهيمن عليها في الغالب الحزب الشعبي—مسؤولية فرض قيود على الإيجارات؛ وحتى في المناطق التي يحكمها الحزب الاشتراكي، كانت هذه القيود نادرة جدا. وخلال هذه السنوات الثماني من حكومات «الائتلاف التقدمي»، لم تحدث أي إعادة توزيع حقيقية للثروة، في حين سجلت البنوك والشركات الكبرى أعلى أرباح في تاريخها.

اخفاقات التقدميين

لكن لا ينبغي أن ننسى أن الحكومة التقدمية حظيت طوال هذه السنوات بدعم الطبقات الوسطى المستنيرة ، وأغلبية الجزء من الطبقة العاملة التي تمارس حقها في التصويت، الذين دعموا في الأغلب الحزب الاشتراكي و«يونيداس بوديموس» في البداية، ثم «سومار» لاحقا في مختلف الانتخابات. ولم يتآكل هذا الدعم الذي كانت تتمتع به الحكومة بشكل ملحوظ إلا بسبب قضايا الفساد داخل الحزب الاشتراكي والانقسامات داخل فضاء «سومار–بوديموس».كما أن الدفاع عن ليبرالية اقتصادية وسياسية، مع الاتحاد الأوروبي كركيزة لرأسمالية ملائمة للطبقات الوسطى، يشكل أحد أسس الحكومة الحالية، وهو جزء من الإيديولوجيا السائدة داخل التيار التقدمي.

كما أنه ليس من المستغرب، بالنظر إلى السياق العالمي—مع صعود عام لقوى اليمين المتطرف وترامب المنفلت في طموحاته التوسعية—تتكاتف الطبقات الوسطى التقدمية للدفاع عن حكومات تضمن لها نمط حياة مستقر ورفاهية نسبية مقارنة بالبروليتاريا المهاجرة في بلدان المركز الرأسمالي أو بجيوب الفقر الهائلة في بلدان الجنوب. لكن النفور السياسي يتزايد بشكل كبير بين الشباب—وليس بينهم فقط—لأن اليسار لا يقدم لهم أفقا آخر للحياة سوى الهشاشة الدائمة وغياب آفاق الحياة الكريمة. وبالضرورة، إذا كان من هم في الأعلى يزدادون ثراءً، فإن من هم في الأسفل يعانون.

وإفلاسهم

كما شكل صعود منظمة اليمين المتطرف «فوكس» كذريعة دائمة لتقديم الحكومة الاجتماعية-الليبرالية على أساس أنها أهون الشرور مقارنة بإمكانية دخول اليمين المتطرف إلى الحكومة. لكن الموجة الرجعية لم تكن لها أسباب موضوعية فقط، بل هي أيضا نتيجة لخيبة الأمل والتآكل الناتجين عن إخفاق حكومات يسار الوسط، التي وصلت إلى السلطة مدفوعة بتطلعات كبيرة وانتهت إلى أن تُزاح من قبل أحزاب اليمين المتطرف.

نجد أمثلة على ذلك في أمريكا اللاتينية، مع حالتي الأرجنتين وتشيلي كنموذجين، لكن حدث هذا أيضا في بوليفيا والإكوادور. إن خيبة الأمل الناتجة عن غياب سياسات تهدف إلى التغيير[1.1] لدى هذه الحكومات (وهو ما ينطبق أيضا على الحالة الأوروبية) تؤدي أولا إلى الاستسلام في أوساط الطبقات الشعبية التي أوصلت هذه الأحزاب إلى السلطة، ثم إلى خيبة الأمل والعزوف عن المشاركة الاجتماعية والسياسية.

تراجع الوعي الطبقي

على عكس ما تشير إليه بعض التحليلات الانطباعية، لا نشهد في الوقت الحالي تحولا ملحوظا لدى الطبقات الشعبية نحو دعم خيارات اليمين المتطرف، بل تحولات داخل اليمين نفسه (من الأكثر تقليدية إلى الأكثر تطرفا)، مصحوبة بنوع من التبعية لدى بعض الشباب الذين يلاحظون أن الحكومات التقدمية لا تحسّن مستقبلهم اليائس على صعيد الشغل والحصول على السكن. إن الدعاية و«التضخم الخطابي» لحكومات يسار الوسط يتناسبان عكسيا مع التغييرات الفعلية الناتجة عن سياساتها، الخاضعة دون مقاومة تُذكر لقيود النيوليبرالية السائدة في الشمال كما في الجنوب.

أمام هذه الصورة القاتمة، لم تعد لدى الطبقات العاملة مرجعيات واضحة، وهو ما يترافق مع نهاية الانتماءات النقابية أو الهويات الجماعية. يشكل فقدان الهوية الطبقية أحد الأسس التي يقوم عليها انتشار الإيديولوجية النيوليبرالية والتراجع العام لليسار، ليس كعلامة انتخابية، بل كطريقة لتنظيم الطبقة العاملة في الحياة اليومية. لقد حلّ الاستهلاك الجماهيري ومنطق «كلٌّ لنفسه» محل الاجتماعات والمظاهرات واللجان الشعبية، كما حلّ استيعاب الرسائل المبسطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي محل الكتب والدراسة. إن إعادة بناء ذاتية قائمة على التجربة الملموسة والمادية للمستغَلّين/ات والمضطهَدين/ات يجب أن تكون أحد الأهداف الأساسية لأي خيار سياسي لا يزال يطمح إلى ثورة اشتراكية-بيئية.

أزمة اليسار الاجتماعية والسياسية

داخل ما يُسمّى بالمجتمع المدني، أصبح من العادة الحديث عن أزمة اليسار كما لو أنها ناتجة أساسا عن انعدام الوحدة الانتخابية بين مختلف المكونات التقدمية (سومار، بوديموس، اليسار الموحد، والتنظيمات الخاصة بكل إقليم)، وعن التراجع العام في عدد أصواتها. في الخطاب الأكثر سطحية، تُختزل فكرة الأزمة في المجال الانتخابي، كما لو أن العلاقة بين الأحزاب السياسية والمجتمع كانت علاقة من ذات طبيعة واحدة، تتم أساسا عبر صناديق الاقتراع—علاقة انتخابية عائمة فوق فراغ اجتماعي يتكون من ذوات فردية متفرقة. وفي نسخة أكثر تفصيلا لهذه الفكرة، يُقال إن الأزمة ناتجة، أو على الأقل مُغذية، عن اختفاء الحياة الداخلية للأحزاب، وثغراتها الديمقراطية، وحرب الأنا التي تمنع بناء اتفاقات وحدوية. وهكذا تصبح الأزمة ذاتية التفسير: ظاهرة تنشأ من أحشاء الأحزاب نفسها، وتؤدي إلى عواقب انتخابية، حيث تقوم العلاقة بين المجتمع/الناخبين والتنظيمات/الممثلين السياسيين على التباعد وسوء الفهم المتبادل.

اليسار "الفقاعة"

لكن أين وصل تحليل التغيرات والصعوبات داخل الكتلة التاريخية بمجملها؟ هل قبلنا فجأة أن السياسة المؤسساتية وطقوسها الدبلوماسية تمثل البعد الحقيقي الوحيد لما نسميه السياسة.

لا شك أن الدورة السياسية السابقة جددت أشكال العمل السياسي داخل اليسار. لكن بعد بضع سنوات، وبعد أن تبين أن هذه التعبيرات الجديدة عن التغيير قد تم استيعابها أساسا من قبل القيادات وسيطرتهم الكاملة على التنظيمات التي يجسدونها، فإن «الرياح الجديدة» لم تنجح في خلق قوى مقاومة على المدى المتوسط. بل أنتجت أثرا يشبه «الفرقعة» أو «الفقاعة» التي تتكرر مع كل عملية سياسية جديدة، سواء حملت اسم بوديموس أو «أهورا مدريد» أو «كومونيس» أو «ماس مدريد» أو «سومار".

اليسار السياسي الحالي هو مزيج من تنظيمات هرِمة وأجراء/ات شباب وجدوا في المؤسسات طوق نجاة في مواجهة مستقبل مهني غير مؤكد. لم يعد اليسار المؤسساتي يقدّم مشاريع قادرة على حفز الحركات الاجتماعية أو النقابات أو الشباب على الانخراط في رؤية لتحول اجتماعي جذري. ومنذ عام 2017 (حين حدث التحول في قيادة بوديموس نحو المشاركة في الحكومات الجهوية بدخوله حكومة كاستيا لا مانتشا)، أصبحت الرؤية الوحيدة هي الحكم على أي مستوى إداري كشريك ثانوي للحزب الاشتراكي.

على عكس التسعينيات، عندما أدى الموقف الأكثر كفاحية لخوليو أنغيتا إلى تقارب بين تيارات اليسار والشباب حول ما كان يمثله آنذاك اليسار الموحد، فإن الشباب اليوم يبتعدون عن هذا النوع من التنظيمات، ولم يعد أحد يعتبرها أدوات مفيدة لنضال يسعى إلى تجاوز الرأسمالية. لم تعد سوى أصوات انتخابية تُستخدم لاستكمال الأغلبية الاجتماعية-الليبرالية المقدّمة كخيار أقل سوءا في مواجهة صعود اليمين المتطرف. وباتت هذه الأحزاب، التي تفتقر الآن إلى استراتيجية ورؤية طويلة المدى، تتخبط من انتخابات إلى أخرى، محاولة الحفاظ على ما يكفي من الأصوات للحصول على التمويل العمومي الذي يضمن استمرار أجهزتها المتراجعة.

في هذه الظروف، ليس من المستغرب أن تظهر تنظيمات سياسية، تتكوّن أساسًا من الشباب، في قطيعة جذرية مع هذا اليسار المؤسساتي. هذا هو حال GKS في إقليم الباسك و CJS (2) في مناطق أخرى من الدولة، وهما تنظيمين نشآ جزئيا من انشقاق ضمّ أكثر من نصف اتحاد الشبيبة الشيوعية الإسبانية. ولا يبدو أن الخطاب الشيوعي الأرثوذكسي أو نمط البناء الذاتي ذي الطابع الهوياتي يشكلان عائقا أمام نموهما بين قطاعات الشباب التي تشهد تجذرا متزايدا.

أما تنظيمات أقصى اليسار، فلم تصل بعد إلى القوة الحاسمة التي تسمح بتحقيق قفزة نوعية على المدى القصير. ومع ذلك، تحتفظ تنظيمات مثل الحزب المناهض للرأسمالية Anticapitalistas بنواة مستقرة من الكوادر، وقد استوعبت جيلا جديدا من المناضلين/ات يمكن أن يلعب دورا مهما في إعادة تشكيل اليسار الجذري مستقبلا.

أزمة الحركات الاجتماعية

إن ما أُطلق عليه بين 2010 و2022 اسم «السياسة الجديدة» كان في الواقع مجموعة أوسع بكثير من البُنى والعلاقات والمؤسسات الشعبية وأطر الاحتجاج التي اجتاحت المجال السياسي بأكمله، وخلقت تصورات وتوقعات مشتركة. لا يمكن فصل تجربة بوديموس أولا، ثم تجربة سومار و«البلدياتية» لاحقا، عن مسار الحركات الاجتماعية الرئيسية التي ميزت تلك المرحلة: النسوية، البيئة، والنضال من أجل السكن. فبرامج هذه الحركات وهياكلها مرتبطة بأزمة اليسار، وتتأثر بها، كما سنحاول توضيحه.

في 23 سبتمبر 2014، أعلن ألبرتو رويز غاياردون Alberto Ruíz Gallardón انسحابه من السياسة: وقد شكلت استقالة وزير العدل السابق في حكومة الحزب الشعبي انتصارا كبيرا للحركة النسوية وأول سقوط لعضو في الحكومة بفضل هذا الحراك متعدد الأشكال الذي انطلق سنة 2011. كما مثل السحب النهائي لمشروع تعديل قانون الإجهاض—الذي كان يحمل اسمه—رمزا لما يمكن أن تحققه النضالات الاجتماعية، إلى جانب صور متزايدة لاعتصامات جماهيرية تمنع عمليات الطرد، والتنديد العلني بسياسات اليمين.

نشأت الحركات الاجتماعية الأساسية في معارضة حكومات ماريانو راخوي، وكانت لها منذ البداية علاقة معقدة مع نجاح بوديموس ودخوله الحكومات الائتلافية. ومع الانتقال من «الوهم الاجتماعي» إلى «الوهم السياسي»، انخرطت كوادر الحركات الاجتماعية بكثافة في المؤسسات وتسييرها، خاصة على المستوى المحلي. وقد ساهم العمل البلدي المشترك—الذي كان يُشاد به كثيرا بين النشطاء/ات والمستشارين/ات ومساعديهم/اتهم، إلى جانب غياب التكوين السياسي حول مخاطر النزعة البرلمانية وضعف الرقابة الديمقراطية على المنتخبين، في خلق علاقات شخصية وولاءات تعيق وضوح الأهداف والوسائل. ماذا كان دور الائتلافات النضالية والحركة الجماهيرية؟ ماذا حدث للمعارضة التقليدية لحكومات بدت فجأة وكأنها «حكوماتنا»؟ هل ينبغي الدفاع عنها؟ وهل يجب تعديل المطالب لتتلاءم مع واقعية الممكن على المدى القصير، في إطار احترام القوانين القائمة، دون اعادة النظر في بنية الدولة الموروثة عن الديكتاتورية، أو في التوافق مع أصحاب الثروات والرساميل الكبار، أو في الالتزام بإملاءات الاتحاد الأوروبي؟

التراجع ونقص البُنى الديمقراطية

إن أبرز تعبيرين للحركة الجماهيرية في السنوات الأخيرة (موجة الإضرابات النسوية بين 2017 و2020، والانفجار البيئي الكبير للشباب بين 2018 و2022) قد خلقا، على الأقل بشكل مؤقت، الشروط التي تسمح بالقطيعة مع هذه النزعات نحو المأسسة. إن دخول مئات الآلاف من الأشخاص إلى مجال المشاركة السياسية المباشرة، مصحوبا بتطور برنامجي جذري وجريء ومُعتبر على نطاق واسع ضروريا وممكنا (وكان يؤدي في كثير من الجوانب دور برنامج انتقالي)، جعل من هاتين الحركتين ظاهرتين سياسيتين ثمينتين، يصعب اختزالهما ضمن الإطار الضيق للعبة المؤسساتية. ومع ذلك، لم تتمكن لا الحركات النسوية ولا البيئية من بناء هياكل ديمقراطية مستقرة تضمن استمرارية الحركة خارج لحظات الانتفاض الملموسة، وتتيح النقاش الجماعي، بعيدا عن أخطاء أو نجاحات القيادات غير الرسمية والتجارب المحلية المحدودة.

وبسبب غياب الهياكل التي يمكن أن تتبلور فيها، وغياب انتصارات ملموسة رغم الدعم الواسع، وغياب وسائط بين لحظة الاحتجاج وآفاق المستقبل، دخلت الحركتان مرحلة من التفكك والتراجع التدريجي، تسارعت بفعل قيود الجائحة. ونحن نعيش هذا التناقض حتى اليوم: ففي الوقت الذي لا تزال فيه النسوية والبيئية تولدان إجماعا اجتماعيا مهما وتحشدان جماهير واسعة، تقوم الحركة على هياكل تنظيمية هشة وضعيفة للغاية، تفقد تدريجيا بوصلتها ومعناها. فمن جهة، تستمر التعبئة في مواجهة هجمات ملموسة في حشد أعداد كبيرة بشكل متقطع، لكن من جهة أخرى، يظل ترسيخ هياكل الحركة أقل بكثير من قدرتها على الرد على هجوم ملموس.

وخلال فترة حكومة الائتلاف التقدمي، شهدنا أيضا ظاهرة أخرى يمكن ربطها بما اعتبره غرامشي «الدولة الموسعة». إذ يتم تمويل العديد من أنشطة أو مبادرات الحركات الاجتماعية من قبل وزارات أو شركات عمومية أو وكالات حكومية، ويؤدي هذا التمويل إلى تضخم أعداد بعض الحركات والجمعيات التي بالكاد تستطيع تمويل نفسها عبر اشتراكات أعضائها. وهكذا يتم استبدال هذا التمويل المستقل عن الدولة بمصدر دخل ينطوي على مقابل. لسنا لاسلطويين ولا ندافع هنا عن فكرة أن الحركات الاجتماعية يجب أن ترفض أي دعم عمومي لأنشطتها. لكن عندما يعتمد الجزء الأكبر من ميزانية الحركات الاجتماعية المنتقدة للسلطة (وبالتالي للحكومة التي تدير الرأسمالية القائمة) على الدولة، فإن ذلك يعزز بلا شك البيروقراطية الداخلية والابتعاد عن برنامج قطيعة مع النظام القائم، ويجعل من إعادة إنتاج الحركة وشرائحها المأجورة غاية في حد ذاتها. وهذا يساهم في تحويل الحركة إلى جماعة ضغط لدى المؤسسات، مع إهمال هدف انتزاع المكاسب عبر التعبئة والتنظيم الذاتي.

أما فيما يتعلق بالنقابات، فإن تراجعها كمنظِّم للصراع الاجتماعي هو أمر لا يمكن إنكاره. فقد تحولت الكونفدرالية النقابية للجان العمالية (CCOO) والاتحاد العام للعمال (UGT) إلى مقدمي خدمات لمنخرطيهما، رغم احتفاظهما بعدد إجمالي يقارب مليوني شخص. ومناديبهما، مع بعض الاستثناءات، يعيشون حالة ركود داخل المقاولات، حيث بلغت الإضرابات مستويات منخفضة تاريخيا، ويكاد الصراع يغيب.

وخلال السنوات الثماني الماضية، اكتفت النقابات الكبرى بمواكبة الحكومة في قراراتها، دون اعادة نظر جدية (كما حدث في فترات سابقة خلال حكومات الحزب الاشتراكي) في السياسات الاجتماعية للسلطة التنفيذية. ويمكن التساؤل عما إذا كانت الأجهزة البيروقراطية لهذه النقابات قادرة على الرد، بعد سنوات من الشلل، في حال وصول حكومة جديدة من الحزب الشعبي و«فوكس»، التي ستشن دون شك هجمات عنيفة على جوهر هذه التنظيمات. ومع ذلك، توجد في مختلف مناطق الدولة الإسبانية هياكل نقابية أخرى لم تتبع مسار التكيّف الكامل الذي سلكته CCOO وUGT. فالاتحاد النقابي CIG في غاليسيا، وELA وLAB في إقليم الباسك، وCGT في كتالونيا، تمثل تعبيرات عن ممارسة نقابية تواصل، رغم حدودها، خوض النضال لتحقيق مكاسب.

آفاق من أجل يسار جديد اشتراكي بيئي وثوري

يهدف هذا التشخيص للوضع الحالي لليسار الاجتماعي والسياسي في الدولة الإسبانية إلى صياغة فرضيات ومقترحات ملموسة لإعادة بناء يسار طبقي، يمتلك روابط عضوية مع قطاعات من الطبقة العاملة، وقادر على رسم أفق اشتراكي ثوري موثوق ومرغوب فيه.

إن صعود القوى الرجعية يجعل الحاجة أكثر إلحاحا إلى تنظيمات سياسية يسارية بديلة عن النزعة الحكوماتية، تمتلك رؤية شاملة، وقادرة على مواجهة اليمين المتطرف، وغير خاضعة للنيوليبرالية «التقدمية» كما هو حال اليسار البرلماني اليوم. ولا يمكن بناء مثل هذه الأداة السياسية دون إجراء تقييم صادق لتجارب دورة 2011-2019، التي شارك فيها التيار الذي ننتمي إليه، الحزب المناهض للرأسمالية Anticapitalistas ، في إطلاق وتطوير تحالف هجين مناهض لليبرالية مثل بوديموس. نعترف بارتكاب أخطاء سياسية خلال تلك المرحلة، لكننا نعتبر أيضا أن تلك التجربة كانت ضرورية. ودون الخوض في حصيلة سبق إنجازها، ينبغي التذكير بأن العديد من مواقفنا آنذاك، سواء من حيث الاستراتيجية أو التكتيك أو النموذج التنظيمي، أثبتت صلابتها مع مرور الزمن.

الوضع السياسي اليوم جديد، ودون ادعاء الإحاطة بكل شيء، نعرض بعض النقاط المستخلصة من تلك التجربة، والتي نعتبرها أساسية لأي سياسة اشتراكية بيئية جديدة:

يجب أن يكمن الثقل الأساسي لتنظيم قطيعة في بناء قوة اجتماعية منظمة قادرة على مواجهة البرجوازية والسياسيين الذين يخدمونها في جميع المجالات. إن التواصل السياسي الجيد ضروري، لكنه ليس الأهم. يجب أن تُكرَّس تربية المناضلين/ات والنشاط السياسي العمومي لبناء التعبئات وتعزيز الحركات العمالية والنسوية والبيئية وحركات السكن ومجتمع الميم بتعدد هوياته وتوجهاته الجنسية وتعبيراته الجندريةLGTBIQ+ وكل ما يحمل إمكانية مناهضة للرأسمالية والقطيعة معها.

يجب بناء علاقة غير قائمة على التمايز مع الحركات الاجتماعية والنضالات الملموسة، تقوم على الإنغراس الترابي والعمل الجاد داخلها، مع السعي لإقامة روابط عضوية مع تنظيمات الطبقة العاملة وقطاعات محددة منها، على أساس المشاركة السياسية المباشرة والتنظيم الذاتي، وليس على مجرد التمثيلية.

يُعد البرنامج والإيديولوجيا عنصرين أساسيين في بناء أداة سياسية جديدة. وينبغي أن تكون هذه الأداة تعددية وغير محصورة في هوية واحدة، في إطار اتفاقات استراتيجية أساسية، تشمل خطوطا حمراء بشأن التحالف مع الليبرالية الاجتماعية، والدفاع عن تقاليد الحركة العمالية، ودمج باقي التقاليد التحررية (النسوية، البيئة، LGTBIQ+، مناهضة العنصرية)، إلى جانب رؤية للعالم مناهضة للإمبريالية وغير اصطفافية non-campiste.

يجب أن تكون الثقافة التنظيمية لتجمع يهدف إلى تجاوز أخطاء الماضي قائمة على الأخوة واحترام حرية النقد، مع السماح بوجود تيارات داخلية في إطار من الاخلاص العام. والمقصود بتجاوز أخطاء الماضي يشمل رفض عبادة الشخصية ومنع النقد الداخلي – اللذين كانا سمة بارزة في السياسة الجديدة– وكذلك تجنب الثقافة الفصائلية التي تحوّل التنظيمات الثورية إلى ساحات صراع دائم.

يجب أن تعتمد المنظمة الاشتراكية البيئية ماليا أساسا على اشتراكات أعضائها، وإذا حصلت على دعم عمومي، فيجب ألا يشكل مصدرها الرئيسي. كما يجب، في حال المشاركة في المؤسسات، وضع حدود للرواتب وعدد الولايات.

هذه النقاط ليست بالنسبة لنا سوى ملامح أولية لما يمكن أن تكون عليه منظمة جديدة للطبقة العاملة في الدولة الإسبانية (حيث ينبغي أن تلعب الطبقة العاملة المهاجرة دورا محوريا). لسنا ندّعي اختراع شيء جديد، وقد يُنتقد طرحنا باعتباره مثاليا وصعب التطبيق. لكن كما قال دانيال بن سعيد:

"ربما يكون بناء تنظيم ثوري ضروريا بقدر ما هو مستحيل، مثل الحب المطلق عند مارغريت دوراس. وهذا لم يمنع أحدا من الوقوع في الحب".

3 أبريل 2026