يأتي الهجوم على مادورو واختطافه في إطار الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة لإعادة تنظيم العالم، وتتمثل هذه الاستراتيجية، على نحو خاص، في تعزيز الضغط الإمبريالي على أميركا اللاتينية.
ماذا حدث أثناء اختطاف مادورو؟
لا تزال كثير من العناصر والتفاصيل غير معروفة لدينا، لكننا نواجه عدوانًا إمبرياليًا واسع النطاق، بل انقلابًا بالمعنى الحرفي، وقع في ليلة الثاني إلى الثالث من يناير. تعرّضت فنزويلا لقصف جوي مع نشر عسكري غير مسبوق (أكثر من 150 طائرة ومروحية). وهذه هي المرة الأولى التي يُقصف فيها بلد في أميركا الجنوبية بهذه الطريقة (باستثناء التدخل ضد نورييغا في بنما عام 1989، أو غزو غرينادا عام 1983، الذي أعقبه اعتقال ثم إعدام رئيس الوزراء موريس بيشوب).
كان الوجود العسكري الأميركي مكثفًا في منطقة البحر الكاريبي منذ عدة أشهر، بما في ذلك وجود أكبر حاملة طائرات في العالم، جيرالد فورد، وكل ذلك بذريعة مكافحة تهريب المخدرات. وفي نهاية المطاف، تأكد احتمال التدخل. جرى إنزال قوات خاصة على الأرض أثناء الهجوم، مع تدمير العديد من النقاط الحيوية والدفاعية. وقد سمح الغياب شبه التام للدفاع المنظم، ولا سيما الدفاع الجوي، للقوات المسلحة الوطنية البوليفارية (FANB) بالقبض على الرئيس مادورو وزوجته، النائبة سيليا فلوريس، واحتجازهما في وقت قياسي، حيث تم إخراجهما قسرًا وترحيلهما إلى الولايات المتحدة. بل جرى تقديمهما إلى قاضٍ في نيويورك بتهم خيالية، من بينها تهمة قيادة «دولة مخدرات».
تفتح هذه العملية العسكرية، التي تنتهك سيادة فنزويلا، وبالطبع جميع القوانين الدولية (وهي آخر ما يهم ترامب)، الباب أمام محاولة عنيفة لإعادة استعمار البلاد، وربما حتى إقامة محمية على المدى المتوسط، إذا صدّقنا الإعلانات الأولى للبيت الأبيض. وفي سياق الأزمة الطويلة للرأسمالية، وتراجع الهيمنة العالمية للولايات المتحدة، وإعادة التنظيم العنيف للنظام الإمبريالي، يسعى ترامب إلى إخضاع «نصف الكرة الأرضية» لسيطرته، مستندًا إلى أكبر ترسانة عسكرية وصناعية بنتها البشرية على الإطلاق. ويتعلق الأمر أيضًا، وبشكل أكثر مباشرة، باستعادة السيطرة على فنزويلا البوليفارية والتحضير لنهب احتياطي النفط الثقيل الهائل في البلاد.
وفقاً لمعلوماتك، ما موقف جهاز الدولة والطبقات المهيمنة في فنزويلا من هذه العملية؟
لا يزال هذا الجهاز في طور إعادة التنظيم. وما نلاحظه، وهو ما تؤكده اتصالاتنا هناك، أنه بعد احتجاز الرئيس، ثمة استمرارية لجهاز الدولة المادوري، الذي تجسّده اليوم الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز. ويبدو أن القيادات العسكرية والمدنية، والطبقات العليا من البيروقراطية، والفصائل المختلفة من برجوازية رجال الأعمال البوليفارية، تتوحّد، في الوقت الراهن، حول موقف واحد. وبطبيعة الحال، يظل العامل الحاسم هنا هو موقف الجيش، الذي يمثل ركيزة السيطرة السياسية لمادورو، ولا سيما منذ أزمات 2017–2019.
نرى اليوم، إلى جانب ديلسي رودريغيز، كبار قادة ما كان يُعرف بالمادورية التي حكمت البلاد منذ عام 2013، بدءًا من ديوسدادو كابيلو، الذي يُعد الرجل القوي في النظام، بحكم سيطرته على أجهزة الشرطة، وعلاقاته الوثيقة جدًا بالجيش وبالصين. وهناك أيضًا وزير الدفاع ورئيس الأركان، فلاديمير بادرينو لوبيز، الذي يصعب إزاحته من منصبه، والذي أعلن دعمه، إضافة إلى شقيق الرئيسة، خورخي رودريغيز، أحد الشخصيات المركزية في نظام تشافيز ثم نظام مادورو، وهو اليوم رئيس الجمعية الوطنية.
ومع ذلك، تبرز شكوك حول المدى الذي قد يذهب إليه جزء من النظام في التخلي المسبق عن مادورو، و«التوصل إلى اتفاق» بشأن الانتقال الجاري، في ظل الضغط الشديد الذي تمارسه الولايات المتحدة، والفشل المتكرر للمفاوضات مع ترامب. فجزء كبير من البيروقراطية الحالية، ولا سيما كبار المسؤولين العسكريين، يمتلك مصالح اقتصادية في قطاعي النفط والتعدين، يسعى إلى الحفاظ عليها، إلى جانب الحرص على التفاوض بشأن حصانتهم من الملاحقات القضائية لاحقًا. غير أن السؤال المطروح يبقى: ما هامش المناورة المتاح اليوم؟ خصوصًا في غياب حركة مقاومة وطنية واسعة النطاق؟
الحقيقة أنه لم تكن هناك قدرة فعلية على الرد على العدوان، رغم أنه كان متوقعًا على نطاق عالمي، ورغم أن القوات المسلحة كانت في حالة استنفار دائم. فقد استُثمرت عدة مليارات من الدولارات في معدات روسية وصينية، ولا سيما لحماية كاراكاس والمجال الجوي، من خلال منظومات دفاع جوي ورادارات متطورة خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، يبدو أن كل ذلك جرى تحييده مسبقًا. ولم تصدر أي أوامر دفاعية. فهل يعكس هذا الصمت تواطؤًا داخليًا نشطًا أو سلبيًا؟ أم فقدانًا كاملًا للسيطرة على سلسلة القيادة؟ أم سلبية استراتيجية متعمدة من قبل هيئة الأركان، في انتظار إعادة تنظيم السلطة من دون مادورو؟ تتزايد النقاشات والشائعات في قصر ميرافلوريس، كما في مختلف أنحاء فنزويلا. وقد دفع ثمن هذه الكارثة أكثر من مئة شخص، من مدنيين وعسكريين، من بينهم أفراد من الحرس الشخصي لمادورو، ولا سيما 32 عنصرًا كوبيًا جرى اغتيالهم.
أمّا فيما يتعلّق بموقف ديلسي رودريغيز، فقد أكدت فرض حالة الطوارئ، ما يعني أننا بعيدون كلّ البعد عن أي احتمال لانفتاح أو دمقرطة. بل على العكس تمامًا، فحتى مع الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين، بمن فيهم المعارض إنريكي ماركيز، يبدو أن رودريغيز تؤكد، عمليًا، ما أعلنه دونالد ترامب وماركو روبيو بفخر خلال مؤتمرهما الصحفي عقب الهجوم: الاستعداد لبدء عهد جديد من «التعاون» مع الولايات المتحدة، ولا سيما من أجل تسهيل «إعادة بناء» صناعة النفط تحت السيطرة الإمبريالية.
وعلى الصعيد الداخلي، كرّرت الرئيسة، في المقابل، أن الأمر يتعلّق بإنقاذ سيادة البلاد، وطالبت رسميًا بالإفراج عن مادورو وفلوريس، كما اعتمدت نبرة معادية للإمبريالية في خطاباتها التلفزيونية. ومع ذلك، جرى استقبال مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في كاراكاس ومنحه ميدالية! وقد أعلن ترامب أنه ألغى أي هجوم جديد، لأن «الولايات المتحدة وفنزويلا تعملان الآن معًا بشكل جيد»…
إلى أي مدى يمكن أن تتنظم المادورية من دون مادورو، تحت ضغط الإمبريالية وبالتعاون مع ترامب؟ ولماذا لم تحدث تعبئة واسعة من القواعد التشافيزية والشعبية؟
كان الخيار الذي كنا نعتقد أنه خيار ترامب يتمثل في تغيير النظام عبر تنصيب المعارضة النيوليبرالية المتشددة والموالية للولايات المتحدة، التي تمثلها ماريا كورينا ماتشادو، والمرشح الرئاسي لعام 2024 إدموندو غونزاليس، الذي أُقيل من منصبه بسبب تزوير الانتخابات. غير أن ماتشادو تعرّضت لإذلال علني وتم تهميشها من قبل ترامب، ولن يغيّر من ذلك كثيرًا تقديمها «هديتها» المتمثلة في ميدالية جائزة نوبل للسلام إلى المستبد الأميركي. من الواضح أن رهان ترامب يتمثل في الاعتماد على جهاز الدولة المادوري، باعتباره جهازًا يسيطر على البلاد بقبضة من حديد، ويحظى بدعم الجيش وبقاعدة اجتماعية معينة، هي الشافيزية الشعبية، التي يسعى إلى توجيهها.
سيجري ذلك عبر ممارسة ضغط سياسي وعسكري إمبريالي كثيف ومتزامن. وتقدّر واشنطن أن ماريا كورينا ماتشادو وإدموندو غونزاليس غير قادرين على إعادة تنظيم البلاد جذريًا من دون دعم مباشر من الإمبريالية، بما في ذلك التدخل البري. ولا يبدو سيناريو على غرار العراق واردًا بالنسبة إلى ترامب، نظرًا إلى كلفته الباهظة، بما في ذلك على الصعيد الداخلي الأميركي، في وقت تواجه فيه قاعدته الانتخابية» لنجعل أميركا عظيمة من جديد» MAGA انتقادات داخلية حادة، فضلًا عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في وضع ليس جيدا.
مع ذلك، يظل من المثير للدهشة أن يكون جهاز الدولة والبوليبورجوازية قادرين على إحداث مثل هذا التحول.
الجميع يعيش حالة ترقّب، والحكومة الفنزويلية المؤقتة تتخذ مواقف متناقضة، بما في ذلك تجاه شعبها. غير أن السقوط كان عنيفًا، لا سيما بالنسبة إلى أولئك الذين اعتقدوا بإمكانية قيام مقاومة وطنية واسعة النطاق. ويسود الخوف والريبة، وإذا كانت قد جرت بعض المظاهرات الداعمة لمادورو، فإنها بقيت محدودة نسبيًا.
ويُعزى ذلك، من جهة، إلى التفاوت العسكري الهائل والضغط السياسي الشديد الذي تمارسه الإمبريالية الأميركية على فنزويلا، في سياق إقليمي يزداد تدهورًا. ومن جهة أخرى، إلى الانهيار الاستبدادي والسياسي والاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عقد، مقارنة بما مثّلته فنزويلا التشافيزية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من زخم شعبي وطني راديكالي وتقدمي مناهض للإمبريالية.
أوضحت المادورية أكثر الجوانب إشكالية في التشافيزية، وعزّزت صعود زمرة بوليبورجوازية في السلطة، أي أوليغارشية راكمت الثروات عبر المصادرة والفساد، مستفيدة من العملات الأجنبية المتأتية من استخراج النفط والمعادن. وبعد قمع المظاهرات وقطاعات من المعارضة المحافظة المؤيدة للإمبريالية، وإغلاق البرلمان المنتخب مؤقتًا، وتركيز السلطات، لم يتردد مادورو في قمع المعارضة اليسارية أيضًا، بما في ذلك حلفاء الأمس، ولا سيما الحزب الشيوعي، فضلًا عن سجن نقابيين وقادة تشافزيين سابقين.
أدى تدهور الأوضاع الداخلية، الذي تفاقم بفعل سنوات من العقوبات الجائرة والحصار الأميركي، إلى نزوح نحو ثمانية ملايين فنزويلي من أصل 28 مليون نسمة. ورغم تسجيل انتعاش اقتصادي بطيء خلال السنوات الأخيرة، تجسّد في إدارة براغماتية جدًا قادتها ديلسي رودريغيز في قطاع النفط، فإن العديد من النقابات الفنزويلية تندد بسياسات اقتصادية وحقوق شغل في عهد مادورو أقرب إلى نموذج نيوليبرالي متوحش، يقوم على تدمير شامل للحقوق الأساسية، أكثر مما يمت بصلة إلى أي تصور «اشتراكي».
في ظل هذه الظروف، يتضح تمامًا غياب الشروط الملائمة لمقاومة إمبريالية تستند إلى قاعدة شعبية تعبّئ دفاعًا عن حكومة وطنية شرعية. وإدارة ترامب تدرك هذا الواقع جيدًا. فنحن لسنا في أبريل 2002، حين أطاح انقلاب مدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأميركية وأرباب العمل المحليين بهوغو تشافيز، قبل أن يُجهضه تحرّك شعبي واسع النطاق، مدعوم بموقف رافض من قطاعات حاسمة في الجيش.
لكن هل توجد أقسام من الجهاز العسكري–المدني لا تزال متجذّرة في هذه الرؤية الوطنية–الشعبية، ومستعدة للمقاومة؟ لقد ضعفت الشافيزية الشعبية، واليسار النقدي، والنقابات، والحركات الاجتماعية ضعفًا كبيرًا؛ فأصاب الإحباط بعضَها، فيما جرى احتواء البعض الآخر. ونتيجة لذلك، يسود قدر كبير من الاستسلام، بل وحتى الأمل الواهم، لدى شريحة لا يُستهان بها من السكان، ممن يعتقدون أن هذه الأزمة الجديدة قد تخفف الخناق عن البلاد، وأن تدفّق رؤوس الأموال الأميركية قد يقود إلى انتعاش اقتصادي…
فهل سنشهد إقامة شكل من أشكال الإدارة المشتركة القسرية، والتعاون «المؤيد للإمبريالية»، من قبل جزء من البرجوازية البوليفارية، في محاولة لإنقاذ مصالحها ــ وهو سيناريو غير مرجّح على المدى الطويل ــ مع الاستمرار، في المقابل، في إبقاء البلاد ضمن هذا السياق شبه الاستعماري؟ وما هي قدرات الطبقات الشعبية على إعادة التنظيم المستقل، والنضال من أجل رفض وصاية ترامب والمطالبة بدمقرطة البلاد، في هذا السياق الجديد، بعد سنوات من الحرمان المادي الشديد؟
أوضح ترامب أنه يريد استعادة ما سُرق من الولايات المتحدة من موارد نفطية
يُصرّ الرئيس الأميركي على إعلان رغبته في استعادة السيطرة على الموارد النفطية الفنزويلية، ويعبّر صراحة، ومن دون مواربة، عن مشروع تدمير ما تبقى من سيادة البلاد. فمنذ اكتشاف النفط وحفر أولى الآبار عام 1914، ولا سيما خلال ذروة الاستخراج في ستينيات القرن الماضي، حين كانت الشركات الأميركية متعددة الجنسيات تهيمن على القطاع، جنت هذه الشركات أرباحًا هائلة، بل مفرطة، تفوق بكثير ما حققته نظيراتها في مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط أو المملكة العربية السعودية.
هذه هي روح الأوليغارشية الحاكمة في الولايات المتحدة، التي تسعى اليوم إلى العودة إلى نمط التراكم القائم على نزع الملكية. فعندما يقول ترامب إن الأميركيين «أُقصوا» من فنزويلا، قد يبدو للوهلة الأولى أنه يشير إلى تأميم النفط عام 1976 في عهد الاشتراكية الديمقراطية الفنزويلية بقيادة كارلوس أندريس بيريز، غير أنه في الواقع يلمّح، وبصورة أدق، إلى عام 2007، حين أعاد هوغو تشافيز تنظيم الشركات المختلطة لصالح شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، وقام بتأميم جزء كبير من عمليات الاستخراج في حزام أورينوكو النفطي، حيث تتركز اليوم الاحتياطات الرئيسية التي قد تصل إلى نحو 300 مليار برميل. وهي أكبر احتياطات مؤكدة في العالم، لكنها من نوع البيتومين الثقيل جدًا، مرتفعة الكلفة من حيث التكرير.
ما يريده الملياردير ترامب هو إعادة هذه الاحتياطات إلى شبكات إكسون وشيفرون وغيرها من الشركات الأميركية الكبرى متعددة الجنسيات، مع السعي إلى التحكم في أسعار النفط الخام عالميًا، علمًا بأن فنزويلا تُعد فاعلًا أساسيًا في منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك). غير أن تحقيق ذلك ليس بالأمر السهل، في ظل توجّه نحو 80 في المئة من الصادرات النفطية الفنزويلية حاليًا إلى الصين، فضلًا عن التدهور الحاد في البنية التحتية، رغم أنها لا تزال تسمح بإنتاج يقارب 800 ألف برميل يوميًا.
وعلى أي حال، يتطلب هذا المشروع استثمارات ضخمة، يُقدَّر حجمها بما بين 60 و100 مليار دولار على مدى عدة سنوات، يفترض أن يضخها رأس المال الأميركي. غير أن هذا الخيار لم يُحسم بعد، إذ يتوقف على ضمان استقرار طويل الأمد للسيطرة الاجتماعية والسياسية في البلاد، إضافة إلى إقصاء الصين فعليًا، أو على الأقل تهميشها. إننا إزاء أفق حقيقي لإعادة استعمار قد يتحقق.
في الوقت نفسه، إذا كان محور الطاقة والنفط حاضرًا بوضوح في خطاب ترامب، كما يتجلى في قوله إن «المال يخرج من الأرض في فنزويلا»، فإن البعد الجيوستراتيجي لا يقل أهمية. فقد عبّر ماركو روبيو عن هذا البعد بفظاظة لافتة، حين تحدّث عن ضرورة ترويض المنطقة بأسرها وتهديد أميركا الجنوبية. ولا يقتصر هذا المنطق على فنزويلا وحدها، بل يشمل أيضًا البرازيل، التي لا تزال تتمتع بهامش نسبي من الاستقلال الجيوستراتيجي.
ويتصل بذلك هدف إعادة تنظيم منطقة البحر الكاريبي، والسعي إلى إسقاط كوبا، التي تشكّل هاجسًا دائمًا لعشيرة روبيو، بوصفها «ثمرة ناضجة»، بدل التدخل العسكري المباشر. وتزداد هشاشة كوبا مع فقدانها حليفها الأساسي في كاراكاس، في وقت يمر فيه اقتصاد الجزيرة بظروف أسوأ حتى من تلك التي عرفتها خلال الفترة الخاصة في أوائل تسعينيات القرن الماضي. كما يندرج ضمن هذا السياق تهديد كولومبيا والمكسيك، اللتين تحكمهما اليوم حكومتان تقدميتان تتمتعان بهامش معين من الاستقلالية على المستوى الإقليمي.
تؤكد وثائق «الاستراتيجية الوطنية الجديدة للأمن» الصادرة عن البيت الأبيض في ديسمبر الماضي هذه الرغبة في قلب العلاقات الدولية، بل وفي إحداث «تحوّل فاشي» في بنية النظام العالمي. كرس إريك توسان دراسة مفصلة لهذا الموضوع(1). فنحن ندخل من جديد عصر الدول المفترسة، وعصر العصابات الإمبريالية (التي لم تختفِ أبدًا بالطبع)، حيث لا مكان سوى لمنطق القوة الغاشمة: أميركا اللاتينية تُعامل بوصفها «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، في حين يُترك لروسيا هامش واسع للتصرف في الساحة الأوروبية، بما في ذلك في أوكرانيا، بينما تُقدَّم الصين باعتبارها العدو «النظامي» الحقيقي، الذي يجب إضعافه في أميركا اللاتينية واحتواؤه في جنوب شرق آسيا.
تعمل إدارة ترامب على إعادة تقسيم العالم لمواجهة تراجع هيمنة الإمبراطورية الأميركية. وتشكل هذه المرحلة من العلاقات الدولية، في زمن العصر الرابع للرأسمالية والتغيرات المناخية والبيئة، واحدة من أخطر المراحل، مع تسارع عسكرة العلاقات بين الدول وتوسّع الصراعات الحربية على نطاق قاري. وقد وصف جلبير الأشقر هذا الوضع بأنه «حرب باردة جديدة»(2) بين تكتلات، وتتسم على نحو متزايد بالصراعات المفتوحة و«الساخنة» والعنف الاستعماري، من غزة إلى مناطق أخرى من العالم.
كيف تُفهم عملية إعادة الاستعمار هذه في أميركا اللاتينية، في وقت تُعد فيه الصين الشريك التجاري الأول للمنطقة؟
يمكن قراءة هذه التطورات في إطار ما بات يُعرف بأزمة متعددة الأوجه للنظام الرأسمالي والإمبريالي. فمنذ أزمة 2008، لم تستعد القوى العظمى عافيتها الفعلية، ونحن نعيش مرحلة طويلة من «الركود المزمن»، تترافق مع إعادة تنظيم سلاسل القيمة العالمية، ومع تركيز مفرط لرأس المال على الصعيد العالمي(3). وفي هذا السياق، تسعى القوة الإمبريالية الأولى، أي الولايات المتحدة، التي تشهد تراجعًا نسبيًا، إلى استعادة مواقعها ومواردها وأسواقها عبر وسائل عنيفة، ومن خلال توسيع نفوذها الجيوستراتيجي.
في هذا الصدد، تكتسي العودة إلى كتابات لينين وروزا لوكسمبورغ وإرنست ماندل وسمير أمين حول الإمبريالية أهمية خاصة، لا بوصفها «حقائق نهائية»، بل باعتبارها أدوات تحليلية تساعد على فهم العلاقات بين المركز والأطراف، ونظرية التطور اللامتكافئ والمركب، ونقاشات التبعية في سبعينيات القرن الماضي(4). فقد ثبت خطأ الأطروحات التي بشّرت بانتهاء عصر الإمبريالية، أو بظهور «إمبريالية فائقة» للشركات متعددة الجنسيات العابرة للحدود، تحكم العالم بمعزل عن الدول. ما يتأكد اليوم هو وجود منظومة إمبريالية شديدة التراتبية والتنافس، تقوم أساسًا على دول قومية قوية، مدعومة بقوى عسكرية وطنية، ترافقها الشركات متعددة الجنسيات ورأس المال المالي.
في هذا الإطار، تتعزز بقوة فكرة «الأمن في نصف الكرة الغربي» ومبدأ الأمن القومي، اللذين يشكّلان جوهر التفكير الاستراتيجي الأميركي تجاه أميركا اللاتينية. وتعود إدارة ترامب، بعنف وصخب، إلى استحضار مبدأ مونرو وامتدادات سياسات روزفلت، في ظل منافسة متصاعدة مع الصين على المستويات التكنولوجية والبنية التحتية (بما في ذلك البنية التحتية للتكنولوجيا الكبيرة والنقدية) والجيوسياسية (حتى لو لم تصل بعد إلى المستوى العسكري) . يمكن لعمل بنجامين بورباومر أن يكون مفيدا في هذا الصدد. فالتطور الرأسمالي للصين منذ التسعينيات يهدد بشكل مباشر العولمة تحت هيمنة الولايات المتحدة والدولار، كما تم بناؤها خلال النصف الثاني من القرن العشرين (5). تتفوق الصين حالياً على الولايات المتحدة في المجال التجاري والاقتصادي في منطقة أمريكا اللاتينية، حيث باتت الشريك التجاري الأول للبرازيل وبيرو وتشيلي وجميع دول أمريكا الجنوبية. ويبدو أن هذه الدينامية يصعب عكسها. حتى المكسيك (خاصة من خلال اتفاقية التجارة الحرة)، المندمجة بعمق في سلاسل القيمة الأميركية، تُعد الصين شريكها التجاري الثاني، ، مع شركات أنشأتها الصين مباشرة على الحدود مع الولايات المتحدة.
قال ترامب ذلك وكرره: لم يعد من الممكن أن تسيطر الصين على الموانئ في المحيطين الهادئ والأطلسي عند مداخل قناة بنما، وقد نجح في تغيير الوضع بضغوط سياسية وملايين الدولارات، لتصبح بنما من جديد قناة خاضعة بالكامل للسيطرة الأمريكية. وتتجلى أدوات هذه السيطرة في القواعد الأمريكية المتعددة، ونشر الأسطول الرابع، والرقابة الصارمة على المستويات العسكرية والإعلامية والاقتصادية، في حين أن الصين لا تملك وسائل عسكرية حقيقية في المنطقة (في هذه المرحلة).
تعتبر العلاقة مع كولومبيا أساسية في هذا السياق، إذ كان هذا البلد حتى الآن مفتاح الاستراتيجية العسكرية والجيوسياسية لمنطقة أمريكا الجنوبية، من خلال «خطة كولومبيا» وبذريعة مكافحة الجماعات المسلحة و«تجار المخدرات». وفي الوقت نفسه، تُعتبر منطقة أمريكا الوسطى والكاريبي أسهل في السيطرة عليها، (على الرغم من أن كوبا لا تزال تقاوم). وهذا ما يفسر الصراعات الدبلوماسية الشديدة بين ترامب والرئيس بيترو، رغم استمرار المفاوضات.
نتائج هذه المعركة بين العمالقة غير مؤكدة، فحتى في الأرجنتين بقيادة خافيير ميلي، لا تزال الصين تحتل موقعًا مركزيًا في التجارة. ومن هنا تظهر الجوانب الجيوسياسية والأيديولوجية: يريد ترامب تعزيز «أتباعه»، أي اليمين المتطرف الإقليمي، مثل ميلي وبولسونارو وكاست، ويمارس التدخل الانتخابي كما فعل في انتخابات منتصف المدة في الأرجنتين. وقد نجح مؤخرًا في هندوراس، وسيواصل الاعتماد على كاست، المؤيد لبينوشيه الذي انتُخب حديثًا في تشيلي، وعلى الملياردير المحافظ نوبوا في الإكوادور، وعلى اليمين المحافظ الليبرالي في بوليفيا، والضغط على الحكومات، حتى تلك المعتدلة جدًا، مثل حكومة لولا في البرازيل، ليقول لها: «إذا قاومتمونا، فسوف تُعتبرون أعداء، وإذا كنتم أعداء، فسوف نفرض عليكم رسومًا جمركية غير مسبوقة بنسبة 40 أو 50٪، أو سنهددكم عسكريًا، كما فعلنا في فنزويلا».
ويظهر هذا الاستعراض للقوة، الذي يشمل أيضًا غرينلاند، أن الولايات المتحدة تبتعد أكثر فأكثر عن كونها «هيمنة» قادرة على بسط نفوذها فحسب، بل وعن قدرتها على ممارسة القوة الناعمة وتحقيق الالتزام والتوافق: فهي تمثل الآن هيمنة صارمة تركز على العلاقات السياسية والعسكرية والقوة التجارية، مع التهديد بالدمار الاقتصادي أو الاستعماري ضد «غير المنحازين»، بما في ذلك أوروبا وحلفاء الناتو.
لا بد أن تغيير سلاسل القيمة والتنظيم الدولي للعمل أمر معقد للغاية، ولذلك سيتطلب وجود حكومات قمعية جدًا. حتى في فنزويلا، قد يتعارض هذا بسرعة مع ما قد يقدمه ترامب أو غيره على أنه انفتاح ديمقراطي مزعوم.
من المثير للاهتمام ملاحظة التصريحات الأخيرة لشخصيات تمثل الرأسمالية الأحفورية الأمريكية والشركات الكبرى، والتي أعربت عن شكوكها وترددها بشأن حجم الاستثمار الذي سيمثله «استعادة» النفط الفنزويلي لصالحها، وكذلك قلة الضمانات حول المستقبل في ظل عدم الاستقرار السياسي المستمر، إلا من خلال إقامة محمية قمعية ومكلفة. اضطر ترامب إلى استقبالهم وتأكيد التزامه بدعمهم.
في المقابل، أعرب القادة الصينيون عن رفضهم للعدوان على حليفهم الفنزويلي، لكنهم اضطروا للاعتراف بتلقيهم ضربة قاسية، إذ ثبت عدم فعالية معداتهم العسكرية في الميدان. كان المبعوث الخاص لشي جين بينغ إلى أمريكا اللاتينية قد التقى مادورو في كاراكاس لفترة طويلة قبل ساعات قليلة من غارة ترامب، ومع ذلك أصدروا وثائق استراتيجية جديدة تجدد رفضهم للإمبريالية الأمريكية، واعربوا عن استعدادهم للتعاون «الودي» ونقل التكنولوجيا مع دول أمريكا اللاتينية، على عكس الموقف العدواني للولايات المتحدة.
تفهمت الصين التهديد جيدًا، ولديها نقطة ضعف تتمثل في اعتمادها على الطاقة، إذ تشتري البلاد 70 ٪ من احتياجاتها النفطية من الخارج. سيسعى القادة الصينيون إلى تعزيز نفوذهم في أمريكا اللاتينية باسم الاحترام المتبادل، على الرغم من النكسة الفنزويلية، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع ترامب في نصف الكرة الغربي. وهم يروّجون لخطاب «مربح للجانبين». ومع ذلك، تظل العلاقة بين الصين وأمريكا اللاتينية غير متكافئة تمامًا: فهم يريدون المزيد من المواد الخام والمعادن والأراضي الصالحة للزراعة والصناعات الزراعية، ويعلنون عن هدفهم في استثمار 500 مليار دولار في المنطقة. ويعد ميناء تشانكاي الضخم، الذي تم افتتاحه مؤخرًا، جوهرة التاج في المنطقة بالنسبة لـ «طرق الحرير». ومع ذلك، يواجه الاقتصاد الصيني تباطؤًا واضحًا.
رغم أن الحزب الشيوعي الصيني ينضم إلى الخطاب حول التعددية وبناء دول البريكس و»الجنوب العالمي»، فإن العديد من النشطاء يدركون جيدًا أن الرأسمالية الجشعة لهذا العملاق الآسيوي لا يمكن أن تجسد بديلًا حقيقيًا من حيث التحرر والتنمية، وحتى من الناحية الدبلوماسية. وقد ظهر ذلك في صمتهم إزاء المذابح في غزة، بل ودعمهم المباشر أو غير المباشر لنتنياهو. إنهم يدافعون عن نظام عالمي آخر، بالتأكيد، ولكنه لن يكون بالضرورة نظامًا يحقق تحرير شعوب الجنوب(6).
تقع أمريكا اللاتينية على تقاطع صفيحتين تكتونيتين متصارعتين: إمبريالية مهيمنة وعنيفة ومأزومة، وهيمنة إمبراطورية عالمية محتملة في طور التكوين. في هذه المرحلة، تمثل الولايات المتحدة أكثر من 36 ٪ من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، وهو رقم هائل. يتم نشر 250 ألف جندي أمريكي حول العالم، في حين لا يوجد سوى بضع مئات من الجنود الصينيين، وربما 30 إلى 35 ألف روسي. ويريد ترامب الاعتماد على هذه القوة العسكرية والصناعية الهائلة لمحاولة إعادة ترتيب مكانة الولايات المتحدة كلاعب عالمي لا يزال من الصعب المساس بها.
هل لديك معلومات عن المقاومة لهذه الهجمة في أمريكا اللاتينية؟ وكذلك موقف الحكومات التي تسمى «تقدمية»؟
فيما يتعلق بالحكومات التقدمية أو اليسارية الوسطية، فإنها تدين العدوان على فنزويلا، واختطاف الرئيس مادورو، وخرق النظام الدولي، وانتهاك سيادة دولة مجاورة. كذلك فعل لولا، وكلوديا شينباوم في المكسيك، وبوريك في تشيلي، وغوستافو بيترو بشكل أوضح في كولومبيا، وهذا لا يعني بالضرورة تأييد نظام مادورو.
تدخل لولا بشكل أساسي على الصعيد الدبلوماسي وبطريقة مترددة إلى حد ما: طالب بعقد اجتماع عاجل للأمم المتحدة، باعتبارها المكان الشرعي لتسوية النزاعات الدولية، وحاول أيضًا حشد منظمة الدول الأمريكية، لكنه أظهر في الوقت نفسه نوعًا من العجز. في حين كانت الحكومات الشعبية الوطنية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تتمتع بقدرة قوية على التعاون والتشارك، مع الاتحاد الجنوب أمريكي (UNASUR) والاتحاد لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (CELAC) وحتى الرابطة الأوروبية-لاتينية الأمريكية(ALBA) (7) في محاولة للتأثير على الساحة الدولية، فإننا بالأحرى نواجه حالة من التفتت.
لم يعد هناك أي حديث عن مشاريع بنك الجنوب، أو حتى عن عملة بديلة مشتركة. يتراجع اليوم، المثل الأعلى لــ «الوطن الكبير» Patria grande في كل مكان، وتنتشر النزعات القومية واليمين المتطرف، ويثقل انهيار التجربة البوليفارية كاهل المنطقة بأسرها، وتختنق كوبا، وتنقسم الحركة نحو الاشتراكية (MAS) البوليفارية، وتفسح تجربة بوريك المجال لكاست، إلخ. تبدو الحكومات التقدمية الحالية (البرازيل، كولومبيا، المكسيك، أوروغواي) معزولة نسبياً، حتى لو أظهر بيترو، وبدرجة أكبر كلوديا شينباوم، قدرتهما على توطيد قاعدة اجتماعية متعددة الطبقات وانتخابية قوية.
يتمثل العامل الحاسم في مثل هذا السياق في المقاومات «من القاعدة»، والصراعات الطبقية والشعبية، بغض النظر عن موقف الحكومات، من أجل تقرير المصير والسيادة الوطنية. إحدى الطرق لزيادة الوزن على الساحة الإقليمية وفي مواجهة ترامب، بما في ذلك بالنسبة لليسار في السلطة، هي الاعتماد على تعبئة شعبية تطالب بالأفق التاريخي المناهض للإمبريالية الذي لا يزال حاضراً بقوة في مخيلة وقيم جزء من سكان أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، في البرازيل أو مع بوريك في تشيلي، كانت السياسة التقدمية تتمثل في تعطيل النضالات والفاعلين في التعبئات. ناهيك عن فنزويلا. قامت حكومة مادورو باحتواء المقاومة و/أو قمعها، وما لم تفعله بشكل مباشر، تولى الاقتصاد المنهار القيام به. لا تزال هناك «بلديات» وبعض التجارب الشجاعة للتنظيم الذاتي، التي وجب دعمها، لكنها هشة.
هذا لا يعني أنه لا توجد في الوقت الحالي تعبئات ومقاومات متعددة. لا تزال قارة ساندينو والزاباتيين مليئة بالنضالات. يبدو ذلك واضحا جدا في البرازيل، كما رأينا في الفترة الأخيرة، ولا تزال حركة المزارعين (MST) بدون أرض قوية، على الرغم من نقاشاتها الداخلية حول علاقتها مع اللولية. في الإكوادور أيضًا، في مواجهة نوبوا، مع التعبئات الكبيرة لاتحاد القوميات الأصلية في الإكوادور CONAIE، والنقابات الحضرية، والائتلافات البيئية، التي نجحت في إلحاق هزيمة سياسية قاسية بالحكومة في استفتاء نوفمبر 2025، ورفضت مشروع القاعدة العسكرية الأمريكية الجديدة والإصلاح الاستبدادي للدستور. لذلك، هناك تحركات في عدة بلدان.
يمكننا أن نتحدث عن قوة الحركات النسوية في القوميات الأصلية والمناهضة للفكر الاستعماري: فهي على سبيل المثال أمل في تشيلي لمواجهة كاست وتدابيره الاجتماعية الرجعية والعنصرية والذكورية. لكن لا توجد حاليًا تعبئات على نطاق قاري، كما رأينا في الماضي، على سبيل المثال لمواجهة مشروع منطقة التجارة الحرة للأمريكتين(8)، الذي هُزم في عام 2005. يمكن للتعبئات الجماهيرية المتزايدة في قلب الولايات المتحدة، وحركة No Kings، والنضالات ضد العنف البوليسي وشرطة الهجرة الفاشية (ICE)، وفوز مامداني في نيويورك، وإعادة تشكيل اليسار ضد المؤسسة الديمقراطية وغيرها أن تشكل بالفعل نقط ارتكاز أساسية.
وإلا، وجب الاعتراف بأن هناك تراجعًا نحو نهج المحافظين الجدد، بل وحتى رجعيًا على عديد من الأصعدة، في معظم البلدان، ينزل بكل ثقله. كما أن العنف يغزو الحياة اليومية ووسائل الإعلام، سواء كان عنف الكارتلات وتجارة المخدرات، أو عنف الدولة أو الجماعات شبه العسكرية أو الهجرة القسرية. هذا هو الحال في تشيلي، التي أعرفها عن كثب. من الضروري أن نفهم جيدًا ما الذي قاد هذا البلد من الانتفاضة الشعبية الكبيرة في عام 2019 (التي قُمعت بشدة) إلى الانتصار الساحق للبينوشية الجديدة التي مثلها خوسيه أنطونيو كاست في عام 2025: هذا أمر أساسي، في رأيي، لأنه يمثل هزيمة كبيرة لجميع أطياف اليسار الاجتماعي والسياسي في بلد نموذجي للنيوليبرالية العالمية(9).
نمر بمرحلة يمكن أن تبدو فيها النيوفاشية وتيارات اليمين المتطرف المحافظ «بديلاً» في عيون جزء كبير من الطبقات الشعبية، وحيث فقد فيها اليسار مصداقيته أو صلاته بالطبقات الشعبية لصالح الكنائس الإنجيلية المحافظة. بالطبع، من وجهة نظرنا، هذا «بديل» تراجعي يخدم رأس المال، ويخدم تدمير البيئة، والسلطة الأبوية، والهيمنة الوحشية للأوليغارشيات، وما إلى ذلك، كما يخدم الإمبريالية الأمريكية. هكذا، رحب كاست بصخب باحتجاز مادورو وسيليا فلوريس. ينطبق الأمر نفسه على نوبوا الذي نشر تغريدات يؤكد فيها أن الهجوم كان خبراً ساراً لأمريكا اللاتينية. يفكر اليمين المتطرف البرازيلي بنفس الطريقة. فهم جميعا «أذناب» لترامب. وهذا كله في الوقت الذي يقترب فيه أجل الانتخابات في البرازيل وكولومبيا وبيرو في غضون بضعة أشهر. وهناك خطر حقيقي من عودة اليمين في كولومبيا. وماذا سيحدث في البرازيل، مع وجود يسار مؤسساتي مازال معتمدا على شخصية لولا الهرِم (80 عامًا)؟
ما هي السبل التي يمكن ان تقدمها لانجاز برنامج انتقالي عالمي مناهض للإمبريالية؟
هذا طموح للغاية! ولا يمكنني الإجابة بمفردي على سؤال كهذا، الذي يجب أن يتم تناوله وفقًا للظروف المحلية والوطنية ثم العالمية على أساس التراكمات الجماعية للسكان المعنيين. ما يمكن قوله بسهولة هو أنه من المؤكد أننا لن نجد الحل في هذا السياق من العسكرة والهجمات الإمبريالية والحروب والإبادة الجماعية في غزة وغزو فنزويلا وخضوع الشعوب المعمم للحكومات الاستبدادية والقمع الجماعي كما في إيران والنزعة الفاشية... لذلك، كما قال صديقنا دانيال بنسعيد، تكمن الخطوة الأولى في قول: «لا ! (10).
في السياق اللاتيني الأمريكي الحالي، ما تسعى تيارات اليسار المناضلة والراديكالية إلى بنائه هو بالفعل مقاومة مناهضة للإمبريالية، تكون واسعة ووحدوية قدر الإمكان على نطاق القارة، لدعم فنزويلا وللدفاع عن نفسها منذ الآن ضد تدخلات جديدة في القارة. في هذه المرحلة، لا تزال التعبئة القارية أقل بكثير من حجم الطوارئ الراهنة، لكن هناك مطالب بالانسحاب الفوري للأسطول الضخم الذي تحتفظ به الولايات المتحدة منذ شهور في منطقة البحر الكاريبي، وإطلاق سراح مادورو وسيليا فلوريس، وفقاً لمبدأ أن الشعب الفنزويلي، ووحده فقط، له الحق في تقرير من يحكمه(11).
في بلدان «الجنوب»، يتطلب هذا إنشاء جبهات موحدة واسعة لرفض الانتهاكات لسيادة الشعوب وحقها في تقرير المصير. لكن مثل هذه الجبهات المقاوِمة، مفتوحة وغير عصوبية، لا ينبغي أن تضحي، في الوقت نفسه، ببناء يسار كفاحي، مستقل عن البرجوازيات الوطنية والحكومات التقدمية المتذبذبة التي أبانت عن جميع تناقضاتها على مدى 25 عامًا.
وهذا يعني أيضًا خوض نقاش واضح مع العديد من التيارات «المعسكراتية» في أمريكا اللاتينية، كما هو الحال على الصعيد الدولي: لا يمكن أن تؤدي الاعتبارات «الجيوسياسية» إلى إخفاء النضال ضد جميع أشكال الاستبداد والدفاع غير المشروط عن الشعوب التي تناضل ضد الإمبرياليات الأخرى غير إمبريالية ترامب (بدءًا بروسيا). في بلدان «الشمال العالمي»، هناك حاجة ملحة لبناء تضامن دولي فعال وملموس. هذا ما بدأنا، بشكل متواضع، في تنفيذه في فرنسا حول فنزويلا. عمل أممي تكون مهمته أيضاً التشهير بنفاق حكوماتنا ومسؤوليتها عن الفوضى في العالم وخضوعها لترامب: جاءت حرب الابادة في غزة لتذكرنا بذلك بشكل مؤلم، وكذلك الموقف المخزي لحكومة ماكرون بشأن فنزويلا. على المدى القصير، في مارس المقبل، يمكن أن يكون مؤتمر بورتو أليغري المناهض للفاشية نقطة انطلاق وجب الاستفادة منها(12). نأمل أن يتحول هذا المؤتمر إلى مؤتمر دولي مناهض للإمبريالية في محاولة لتوحيد القوى السياسية والاجتماعية حول أهداف مشتركة، دون عصبوية، حتى لو لم تتفق على كل شيء، مثل حزب العمال (PT) وحزب الاشتراكية والحرية (PSOL) والاتحاد العمالي البرازيلي (CUT)، وقطاعات اليسار الراديكالي في جميع أنحاء القارة، وحركة فيا كامبسينا (Via Campesina)، والقوى النقابية والحركات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم.
فيما يتعلق بالبدائل الملموسة، علينا أن نحاول إبراز شعار «الحرب على الحرب الإمبريالية»، مع دعم أولئك الذين يقودون بشجاعة حركات المقاومة من أجل التحرير، لا سيما في أوكرانيا وفلسطين أو في كردستان. أبعد من هذا الجانب «الدفاعي»، فذلك يعني التفكير بشكل جماعي و«إيجابي» في بناء بدائل ديمقراطية في سياق انهيار المناخ والبيئة والمحيط الحيوي والتنوع البيولوجي، وبالتالي التفكير في برنامج انتقالي ما بعد الرأسمالية وما بعد الإنتاجية، أي منظور اشتراكي بيئي وقائم في نفس الوقت على تقليص واع للنمو. نقول تقليص النمو بالطبع في البلدان الغنية، ولكنه يتفاوت وفقًا لمعايير متقاطعة (طبقية وجندرية وعرقية)، وكذلك تقليص النمو في الأوليغارشيات القائمة في بلدان الجنوب. يسير ذلك مع إعادة بناء الخدمات العمومية، وإعادة توزيع جذرية للثروات، وإلغاء الديون العمومية غير المشروعة، والتخطيط البيئي على عدة مستويات (من المحلي إلى العالمي) على أساس التداول، و التنظيم المجتمعي القاعدي، والتنظيم الذاتي، والرقابة الديمقراطية. كل هذا وفق منظور يطرح مسألة الاستغلال والاضطهاد الذي تعاني منه مجتمعاتنا ونعاني منه كأفراد (العنصرية، والتمييز الجنسي، والتمييز ضد ذوي الإعاقة، إلخ).
لا يمكننا ”إعلان“ جميع هذه الأمور بشكل مجرد، كشعار. كيف يمكننا أن نبني معاً برامج وتدابير انتقالية ملموسة للغاية تندرج في إطار استراتيجية عامة أكثر على أساس مداولات واسعة النطاق؟ أيّ تجارب الماضي يمكن الاستفادة منها واستخلاص دروسها؟ ؟ كيف يمكن لليسار أن «يفتن العالم» مرة أخرى، وأن يخاطب «مشاعر» الملايين من الناس، وأن يشكل كتلة تاريخية تطرح مسألة السلطة وكيفية الحصول عليها، دون أن ينكر ذاته أو ينزلق إلى الدوغمائية؟ لنبدأ أولاً بتجنب الإجابات الجاهزة، فالقرن العشرين وفظائعه لا تزال موجودة.
كما نعلم، لن يكون هناك تحرر دون تحرير العمل، وقد يكون إعادة بناء حقوق العمال/ات (أجراء/ات ومياومين على حد سواء) أول بوصلة لنا. لنعطِ اهتمامنا أيضًا للأوطوبيات والتجارب. فأمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، هي موطن الزاباتية والعديد من السيرورات الثورية، وتناقش حركاتها منذ حوالي عشرين عامًا سبل بناء مجتمع «العيش الكريم»، الذي يعتمد على إعادة تفسير بعض مطالب وممارسات مجتمعات السكان الأصليين. ينطبق الأمر نفسه على حقوق المرأة وجميع المطالب النسوية ضد النظام الأبوي(13). رأينا مدى قدرة الحركة النسوية التشيلية على تبني رؤية شاملة وجذرية للتصدي لـ«هشاشة الحياة»، ومواجهة النيوليبرالية، وتشجيع استقبال المهاجرين بكرامة، والدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية. لذا، يجب أن ننطلق من هذا المنطلق للتفكير في المطالب الانتقالية، وتطبيقها بلداً بلداً، ولكن أيضاً من خلال إعادة بناء التضامن الإقليمي والدولي. في مواجهة رأس المال المعولم، من الضروري التفكير على هذا المستوى أيضاً. وذلك دون الاستسلام لنداءات ”النزعة الوطنية“ التي يطلقها جزء من اليسار، بما في ذلك اليسار المناهض للفكر الاستعماري، مع الاعتراف بضرورة «الحلم» من جديد، وإعادة اختراع قوتنا الجماعية، والمساعدة في بناء جماعي للسيادات الشعبية على عدة مستويات (من بينها المستوى الوطني، بالتأكيد) (14).
نعتقد أن الوضع محدد بشكل مفرط بالكارثة (التي بدأت بالفعل) التي يهدد بها التغير المناخي البشرية، وأنه يجب إعادة التفكير في كل شيء على هذا الأساس. لذا، يجب إعادة التفكير في «البرنامج الانتقالي» الشهير (الذي اقترحه تروتسكي في عام 1938) من الألف إلى الياء. هذا هي المنظور الذي طرحته الأممية الرابعة للنقاش، بعدة لغات، في البيان من أجل ثورة اشتراكية بيئية –القطيعة مع النمو الرأسمالي، وهو نص تمت المصادقة عليه في المؤتمر العالمي الأخير، وثمرة عمل جماعي أممي استمر عدة سنوات(15). التحديات المطروحة هائلة: من الضروري «سحب فرامل الطوارئ»، على حد تعبير والتر بنيامين. ومع ذلك، يجب ألا يشلنا حجم التحديات: كما يقول دانيال تانورو، «فات الأوان على التشاؤم»(16). ترامب ونتنياهو وماكرون وبوتين وعالمهم قادرون على الأسوأ، فلنشعر بأننا قادرون على التفكير في الأفضل!
18 يناير 2026
فرانك غوديشو
هو عضو في قيادة الأممية الرابعة، وفي لجنة تحرير موقع Contretemps web، وأستاذ جامعي في تولوز (فرنسا) .وهو مؤلف أو منسق لعدة كتب عن شيلي وأمريكا اللاتينية.
1 «الولايات المتحدة: فهم «العقيدة الجديدة للأمن القومي» وتداعياتها»، 16 يناير 2026، Contretemps web. https://inprecor.fr/etats-unis-comprendre-la-nouvelle-doctrine-de-secur….
2 الحرب الباردة الجديدة، جيلبر الأشقر، يناير 2024، Éditions du Croquant. انظر أيضًا «أصول الحرب الباردة الجديدة. حوار مع جيلبر الأشقر»، 29 أبريل 2023، Contretemps web. www.contretemps.eu/origines-nouvelle-guerre-froide-entretien-achcar.
3 ديوغو ماتشادو، فرانسيسكو لوسا، «الأوليغارشيات الجديدة والقديمة – تحولات نظام تراكم رأس المال»، 13 يناير 2026، Inprecor. https://inprecor.fr/nouvelles-et-anciennes-oligarchies-les-transformati….
4 سمير أمين، التطور اللامتكافئ، Éd. de Minuit، 1973؛ إرنست ماندل، العصر الثالث للرأسمالية، Édition 10/18، 1976.
5 بنجامين بورباومر، الصين/الولايات المتحدة، الرأسمالية ضد العولمة، La Découverte، 2024.
6 إريك توسان، «لماذا لا تتحرك دول البريكس ضد الإبادة الجماعية الجارية في غزة»، 6 أكتوبر 2025، Contretemps web. www.contretemps.eu/brics-inaction-genocide-gaza.
7 الولايات المتحدة عضو في منظمة الدول الأمريكية، ولكنها ليست عضوا في اتحاد دول أمريكا الجنوبية (UNASUR)، وجماعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (CELAC)، والتحالف البوليفاري للأمريكتين (ALBA).
8 منطقة التجارة الحرة للأمريكتين ZLEA أو ALCA حسب اللغة.
9 كارينا نوهاليس، بابلو أبوفوم سيلفا، «كاست: الطريق الديمقراطي نحو البينوشية»، 15 ديسمبر 2025، Inprecor. https://inprecor.fr/kast-la-voie-democratique-vers-le-pinochetisme
10 دانيال بنسعيد، العنيدون: مُبرهَنات المقاومة ضد روح العصر ، Textuel، 2001.
11 اقرأ المبادرة التي أطلقها نشطاء أمريكيون لاتينيون «وقف هجوم ترامب الاستعماري الجديد على فنزويلا وأمريكا اللاتينية»، والتي وقعها عدة مئات من الرفاق/ات. https://venezuela.enresistencia.org/.
12 من 26 إلى 29 مارس. المعلومات والبرنامج والتسجيل متوفرة على الموقع: https://antifas2026.org.
13 فيرونيكا غاغو، القوة النسوية أو الرغبة في تغيير كل شيء، دار النشر Divergences، 2021.
14 مؤلف جماعي، «لنحلم كماديين أممين»، Contretemps web، 10 مارس 2025. www.contretemps.eu/rever-materialistes-internationalistes.
15 بيان من أجل ثورة إيكولوجية اشتراكية – القطيعة مع النمو الرأسمالي، متاح بعدة لغات على موقع الأممية الرابعة، ونشرته دار La Brèche.
https://fourth.international/fr/congres-mondiaux/874/699.
16 دانيال تانورو، فات الأوان على التشاؤم! إما الاشتراكية البيئية أو الانهيار، Textuel، 2020