منذ بداية القرن العشرين، حدّد استغلال النفط في فنزويلا مُمَيزات تطورها الرأسمالي، وتشكّل الطبقات الاجتماعية وتمثلاتها السياسية، وكذلك نموذج الاغتناء البرجوازي وأشكال الرقابة الاجتماعية(1).
كان الاقتصادي البرازيلي سيلسو فورتادو يعرّف النموذج الفنزويلي باعتباره «تخلّف مصحوب بوفرة العملات الصعبة»، وهو ما يتجلى في نزع التصنيع، والفساد، والتركيز السريع للثروة في يد أقلية، وانتشار فقر واسع.
الرأسمالية الريعية
شاع استعمال مصطلح «الدولة الريعية» بفضل حسين مهداوي سنة 1970 لوصف الدول التي تتلقى مداخيل ضخمة من عائدات خارجية (وهي هنا عائدات النفط)، والتي تطوّر نماذج اقتصادية وسياسية فريدة، تقوم على اعتماد مفرط على استغلال النفط، وإعادة توزيع زبونية، وحافز ضعيف جدًا لتنويع الإنتاج. وقد طوّر أسدروبال بابتيستا مفهوم الرأسمالية الريعية (1997) لوصف نمط التراكم والاغتناء البرجوازي في فنزويلا، القائم على العائدات الخارجية بدل الإنتاج الداخلي، مع ما يترتب على ذلك، بالنسبة للاقتصاد المحلي، من تقلبات أسعار النفط الخام على المستوى الدولي.
وبما أن البرجوازية الفنزويلية هي نتيجة عملية إثراء ريعي خاصة بالتطور غير المتكافئ والمحدد للرأسمالية في البلاد، فإنه يستحيل دراسة وفهم التراكم والادخار البرجوازيين في فنزويلا ضمن الإطار الصارم للنماذج العالمية أو الإقليمية. ولهذا نستخدم مصطلح الاكتناز لوصف الاستحواذ على رأس المال وتركيزه، دون إنكار في الوقت نفسه أن هناك ضرورة بالنسبة للبرجوازية أن تواصل زيادة ثروتها، عبر استخدام جزء من هذا المال لتحفيز آليات أخرى للتراكم عبر نزع الملكية، كما يحدث في حالة الواردات أو المضاربة المالية.
لقد تشكّلت بنية العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والسياسة والمجتمع في النظام الريعي الفنزويلي ابتداءً من عشرينيات القرن الماضي، مع توترات دائمة بين الديكتاتورية والديمقراطية، وبين الأحزاب السياسية وروابط اجتماعية منظمة أخرى، ومع دور الدولة والاقتصاد الاجتماعي، مما جعل النظام الريعي ظاهرة ليست اقتصادية فقط، بل سياسية وثقافية واجتماعية أيضًا. وحتى طريقة فهم العلم والابتكار والتطور التكنولوجي والتعليم تأثرت بقوة بهذا النظام الريعي، الذي فرض كذلك طابعا كوزموبوليتيا استهلاكيا في مختلف المجالات.
جذور الأزمة الفنزويلية الراهنة
شَهٍد نظام الريع النفطي ازدهارًا استثنائيًا ابتداءً من الطفرات النفطية لسنوات 1973-1974 و1979-1981، مما أدى إلى نمو قوي في الناتج الداخلي الإجمالي حتى منتصف السبعينيات، مع مؤشرات على استقرار الاقتصاد الكلي (تضخم منخفض، سعر صرف ثابت عند 4.30 بوليفار مقابل دولار واحد منذ 1964، ودين خارجي معتدل). لكن تبيّن أن هذا النموذج غير مستقر على المدى الطويل بسبب اعتماده المفرط على عائدات النفط، واتساع الإنفاق العام، والمبالغة في تقدير قيمة البوليفار، وغياب تنويع الإنتاج. وقد خُصص جزء مهم من هذه العائدات للإدماج السياسي والضبط الاجتماعي، وللاستهلاك، ولآليات الارتقاء الاجتماعي القائمة على تفاوتات في طرق الحصول على الثروات وإظهارها.
في نهاية حكومة كارلوس أندريس بيريز (1978) وخلال ولاية لويس هيريرا كامبينس (1979-1984)، بدأت تظهر مؤشرات انهيار النموذج، مع تقلص الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي للفرد خلال بعض الفصول أو السنوات، وانخفاض معدل تراكم رأس المال، وارتفاع التضخم من مستويات معتدلة (7٪ سنة 1978) إلى مستويات أعلى، مما أثر بسرعة في مستوى معيشة السكان، إلى جانب تزايد الدين الخارجي وظهور عجز في الميزانية والميزان التجاري. وكان المفكر الفنزويلي أرتورو أوسلار بيتري يقول إن فنزويلا بددت خلال تلك الفترة ما يعادل عشرين خطة مارشال.
وقد تميزت الفترة 1979-1983 بتسارع أزمة النموذج نتيجة انخفاض أسعار النفط (1981-1982)، مما أدى إلى تراجع الصادرات بنسبة 30٪ وهروب واسع لرؤوس الأموال، يقدره بعض الاقتصاديين بنحو 8 مليارات دولار. وتزامن ذلك مع أزمة الدين الخارجي في أمريكا اللاتينية، التي أثرت في إمكانيات إعادة التمويل، ومع الانخفاض الحاد في احتياطات العملة الصعبة (من 19 مليار دولار سنة 1981 إلى 4 مليارات سنة 1983)، وهو ما شكّل بداية ما يسميه المحلل البارز مالفريد غيريغ «الكساد الفنزويلي الطويل الأمد». وقد تسارعت هذه الأزمة وتضخمت مع مجيء العولمة النيوليبرالية وضغوطها على الدولة-الأمة، وتفكيك دولة الرفاه، وبداية الدورة ما بعد الفوردية.
إن الإجراءات الحكومية المتخذة في فبراير1983 لم تكن مجرد تعليق مؤقت لحرية تبادل العملات، أو خفض قيمة البوليفار، أو بداية فقدان السكان لقدرتهم الشرائية (بنسبة 70 إلى 75٪ في غضون ساعات قليلة فقط بالنسبة للمدخرات والأجور بالبوليفار)، أو فرض قيود على خروج العملات الصعبة؛ بل كانت أيضًا انهيارا لنموذج الاكتناز الريعي. وكان ذلك بداية الأزمة البنيوية التي تشهدها فنزويلا حاليًا، والتي استمرت 43 سنة دون حل، والتي شكّلت ما يسمى بالثورة البوليفارية محاولة ـ للأسف غير ناجحة ـ لتجاوز النموذج الريعي، بل وأكثر من ذلك لبناء مخرج مناهض للرأسمالية. وقد أضيفت إلى هذه اللحظة التأسيسية أزمات أخرى مكمّلة (2) جعلت إيجاد مخرج لصالح الشغيلة أكثر تعقيدًا.
الثورة البوليفارية بين دوامتين
أدى الانقلاب العسكري سنة 2002 إلى إبعاد تشافيز عن السلطة لبضع ساعات ووضع على رأس ما سُمّي بحكومة «الإنقاذ الوطني» زعيم اتحاد أرباب العمل فيديكاماراس، كارمونا إستانغا(بدعم من ماريا كورينا ماتشادو). وقد تسبب ذلك في قطيعة غير مسبوقة بين البرجوازية والسلطة السياسية، وأعاد تشكيل العلاقات بين قادة الثورة البوليفارية والبرجوازية.
ابتداءً من سنة 2002 أطلق تشافيز مشروعين متوازيين: من جهة بناء السلطة الشعبية و«اشتراكية القرن الحادي والعشرين»، ومن جهة أخرى المشروع الاقتصادي للثورة الذي كان يهدف إلى تشكيل برجوازية جديدة. وقد عبّرت هذه الازدواجية عن أحد الأشكال التي اتخذها الصراع الطبقي في فنزويلا آنذاك.
وقد أثار هذا الوضع ـ ولا يزال يثير ـ نقاشًا داخل اليسار الراديكالي حول ما إذا كان ينبغي دعم الثورة البوليفارية أم لا، خصوصًا في مواجهة هذا المنعطف (الذي ينبغي التأكيد أنه لم يكن واضحًا تمامًا في ذلك الوقت). فقد اختار جزء مهم من اليسار دعم النداء التقدمي لبناء السلطة الشعبية ثم اشتراكية القرن الحادي والعشرين في إطار الصراع الطبقي. ويبقى سؤال آخر قابلًا للنقاش: إلى أي حد كان من الصحيح الاستمرار في هذا الدعم.
وكما ذكرنا، فإن نموذج التراكم والاغتناء الريعي في فنزويلا يشكّل نوعًا من الشذوذ؛ فهو لا يتطابق مع النماذج الفوردية للرأسمالية الصناعية، ولا يندرج أيضًا في ما بعد الفوردية الخاصة بإنتاج الذوات السياسية والاجتماعية. بل يبدو بالأحرى نوعًا من الهجين، له هوية خاصة ضمن إطار التراكم البرجوازي ورأسمالية القرن الحادي والعشرين.
المتاهة المصرفية
في الاقتصادات الريعية مثل اقتصاد فنزويلا، لا يعمل النظام المصرفي دائمًا كمحرّك للائتمان الموجّه للإنتاج الرأسمالي، بل بالأحرى كجسر أو وسيط للريع. ويأتي الاغتناء عبر النظام المصرفي من التلاعب بمتغيرات مالية لا تتحكم فيها إلا الدولة.
تمّت عملية الاكتناز ما بين سنتي 2002 و2009 عبر عدة طرق أساسية:
الطريقة الأولى هي التحكيم المالي(3) عبر سندات دين مقوّمة بالدولار(notas estructuradas). فقد كانت الحكومة تصدر سندات سيادية أو سندات دين لشركة نفط فنزويلا(PDVSA) (4) مقوّمة بالدولار، لكنها تسمح للبنوك الوطنية بشرائها بالبوليفار بسعر صرف مدعوم (5). وكانت البنوك وزبائنها المميزون (المرتبطون في الغالب بالمراتب الحكومية العليا) يشترون هذه السندات ثم يبيعونها بسعرها الحقيقي في السوق الدولية للدولار.
أما الطريق الثاني فكان ما يسمى «الفلوات» (float)، أي إدارة الأموال العمومية. وهو آلية كانت تسمح للوزارات والشركات العمومية بإيداع مواردها الميزانياتية في بنوك خاصة بدل البنك المركزي. وكانت البنوك تستخدم هذه الودائع لاستثمارها في سندات حكومية تدر فوائد (كما لو كانت أذون خزانة). وبعبارة أخرى، كانت البنوك تجني فوائد عبر «إقراض» الدولة مالها الخاص، مولّدة بذلك أرباحًا مالية منخفضة المخاطر.
أما الآلية الثالثة فكانت القروض المرتبطة بالتضخم وتخفيض قيمة العملة، حيث كانت البنوك تُقدم قروضًا بالبوليفار بأسعار فائدة أقل من معدل التضخم (أي بفائدة حقيقية سلبية). وكان من يحصلون على هذه القروض في مثل هذه الظروف (غالبًا قطاعات مرتبطة بالنخبة السياسية) يستخدمون هذه الأموال لشراء أصول، مثل العقارات أو الدولار في السوق السوداء التي كانت قيمته ترتفع باستمرار. وهكذا، عند نهاية مدة القرض كانوا يعيدون للبنك بوليفارات فقدت قيمتها مقارنة بالأصول التي اشتروها. وقد عمل ذلك كآلية تراكم عبر نزع الملكية، بتحويل الثروة من المدخرين(الذين كانت أموالهم تفقد قيمتها) إلى كبار المدينين المرتبطين سياسيًا.
أما الطريقة الرابعة فكانت عمولات الوساطة المصرفية التي تحققت في إطار نظام مراقبة الصرف مثل CADIVI وSICAD وSIMADI، حيث كانت البنوك تتدخل كفاعلين. فقد كانت البنوك تشكّل المَرشح الذي يسمح لشركة ما بالوصول إلى العملات الأجنبية المدعومة. وكانت هذه المؤسسات المالية تتقاضى «عمولات وساطة» أو تشترط فتح حسابات في بنوك أجنبية يملكها أو يشارك فيها المنتمون لدائرة الحكم المحليون. وقد مكّن هذا النظام من تحويل العائدات النفطية إلى ملاذات ضريبية أو حسابات خاصة تحت غطاء عمليات استيراد قانونية.
أما الطريقة الخامسة فكانت «بنوك الحقيبة» (banca de maletín)، وهي مؤسسات مالية أنشئت فقط لتنفيذ النظام المذكور في النقاط الأربع السابقة. ولم تكن بنوكًا بالمعنى التقليدي للكلمة، إذ لم تكن لها فروع أو شبكة وكالات مفتوحة للجمهور، بل كانت أشبه بمكاتب لإدارة العمليات المالية. وكانت تُستخدم أيضًا لغسل عائدات النفط الناتجة عن تضخيم الفواتير أو العقود العمومية أو الفساد المباشر، وذلك عبر تحويلها من خلال النظام الدولي سويفت Swift قبل أن تتمكن أجهزة الرقابة الرسمية من اكتشافها.
وخلاصة القول إن جزءًا من النظام المصرفي عمل كآلية لتركيز رأس المال بهدف تشكيل البرجوازية الجديدة، من خلال جذب ودائع الدولة، وتحويل البوليفارات إلى دولارات عبر التحكيم المالي، والاستحواذ على الفارق الناتج عن دعم الدولار الرسمي، وتسهيل هروب رؤوس الأموال نحو النظام المالي العالمي. وبحكم أصلها، لا تتميز هذه البرجوازية الجديدة بسمات قومية؛ بل على العكس، فهي تندمج بسرعة في منطق النظام العالمي.
وخلال هذه الفترة (2004) أُنشئت وزارة الغذاء، التي سنرى لاحقًا أنها لعبت دورًا أساسيًا في تنويع نموذج التراكم والاغتناء البرجوازي.
البرجوازية الجديدة على الساحة العلنية
كشفت الأزمة المصرفية لسنة 2009 عن هذا الشكل من تركيز رأس المال الذي مارسته البرجوازية الجديدة. وكان العنصر المفجّر هو نظام notas estructuradas الذي توسّع ليشمل شراء سندات دين لدول أخرى (خصوصًا الأرجنتين والإكوادور)، وكذلك شراء الدولة لسندات الجمهورية ثم إعادة بيعها للقطاع المصرفي المحلي، ولا سيما للمؤسسات التي كان يعمل فيها ممثلو البرجوازية الجديدة. وكانت البنوك تشتري هذه السندات من الدولة بالسعر الرسمي للبوليفار، لكن بما أنها أدوات مالية مقومة بالدولار، كانت تعيد بيعها بالدولار في السوق الموازية، مما يزيد هامش أرباحها ويولّد سيولة ضخمة وفورية. وهكذا استطاعت بنوك صغيرة، أنشئت أو اقتنيت ما بين 2002 و2009، أن تتحول من مؤسسات متواضعة إلى مُدبرة لثروات هائلة.
وقد كشف ذلك الطابع المنحرف لشراء البنوك بأموال الدولة نفسها، وهو ما يسمى «الشراء الذاتي». فقد كان رجال أعمال جدد (وقديمون) يتمتعون بعلاقات سياسية يتلقون ودائع ضخمة من هيئات عمومية (مثل وزارة المالية أو «PDVSA» شركة نفط فنزويلا). وكانوا يستخدمون هذه السيولة لشراء بنوك أخرى أو شركات تأمين (إذ استعانت الدولة بشركات التأمين الخاصة لموظفيها، وهو ما عمل كآلية إضافية لتراكم الثروة). وهكذا أصبحت البرجوازية الجديدة مالكة لبنوك ليس بأموالها الخاصة، بل بفضل الأموال التي كان يفترض أن تحتفظ بها كودائع. وخلال الأزمة المالية لسنة 2009 اتضح أن أفرادًا من عائلات وأقارب كبار المسؤولين كانوا يملكون بنوكًا وشركات تأمين أُنشئت وفق هذه الآليات.
ولم يتوقف نظام تركيز رأس المال عند هذا الحد، بل توسع عبر دورة تقوم على تحويل الودائع العمومية إلى قروض تُمنح لشركات تابعة للمجموعات نفسها. وخلافًا لخطاب المعارضة اليمينية، لم تبقَ البرجوازية القديمة خارج هذا النظام لتركيز الثروة؛ بل على العكس ساهمت في تنشيطه عبر عملها كوسيط ومشغّل للإصدارات الكبرى لسندات الدين التي كانت تغذي السوق المالية المُضارِباتية. كما أنها، بعد ملاحظتها ارتفاع «مخاطر البلد» (6) الناتجة عن التسارع الافتراسي لهذه الدينامية، اختارت بيع مؤسساتها المصرفية للبرجوازية الجديدة، وغالبًا بأسعار مبالغ فيها.
وفي النهاية، وأمام هذه الأزمة المصرفية التي حملت بصمات واضحة للبرجوازية الجديدة، تصرفت الدولة كما اعتادت، فأطلقت خطة إنقاذ عمومية وعمّمت الخسائر على حساب السكان. وعندما استُنفد نظام notas estructuradas بدأت البنوك تعاني عجزًا في رؤوس أموالها بسبب تحويل الأموال إلى شركات خاصة، مما أدى إلى انهيار نموذج التراكم البرجوازي. وابتداءً من نوفمبر 2009 تدخلت الدولة في سلسلة من البنوك (Banco Canarias de Venezuela، Banco Confederado، Bolívar Banco، Banpro ou Banco Provivienda، Banco Real، Central Banco Universal، Baninvest et Banorte). وإذا كانت الأزمة المصرفية في فنزويلا قد تأثرت بتداعيات الأزمة العالمية لسنة 2008، فإنه من الضروري تحليل خصوصياتها.
وقد أظهرت هذه التدخلات المصرفية والاتهامات الموجهة إلى «قيصر» شبكة الغذاء الشعبي MERCAL كيف كانت البرامج الاجتماعية تُستخدم ضمن هذا النموذج للتراكم عبر نزع الملكية، بحيث أصبح الفقر عنصرًا في نشأة البرجوازية الجديدة وتطورها، مع إبراز المشاركة الواضحة للخزينة العمومية في توجيه الودائع العمومية وتخصيص notas estructuradas.
وأدت هذه الأزمة إلى إنشاء Banco Bicentenario الذي تولى استيعاب وإدارة عملية الانقاذ من الأزمة، اعتمادًا على بنك عمومي اعتُبر فعالًا وهو Banfoandes . وقد استخدمت الدولة عائدات النفط لتعويض المدخرين. وكانت سنة 2009 السنة التي أصبح فيها وجود مشروعين متوازيين داخل ما يسمى بالثورة البوليفارية واضحًا ولا يقبل الإنكار: المشروع الشعبي-الاشتراكي-المجتمعي، ومشروع إنشاء برجوازية جديدة، اللذين كان يُفترض أن يجتمعا ضمن نموذج جديد للحكم ما بين الطبقات.
شركات البورصة وبيوت الوساطة(7) في تراكم الثروة
بعد الأزمة المصرفية، انتقل الجزء الأساسي من نموذج تركّز رأس المال وإثراء البرجوازية (2008-2010) إلى عمليات شركات البورصة وبيوت الوساطة (7)، وهي الفترة المعروفة باسم عصر الدولار بيرموتا (dólar permuta). خلال هذه الفترة تحقق التراكم عبر التحكيم في الأوراق المالية. وبما أن الوصول إلى الدولارات الرسمية عبرCADIVI (الوكالة العمومية لمراقبة الصرف) كان بطيئًا جدًا (ومحصورًا في فئات معينة)، أنشأت شركات البورصة سوقًا موازية مقنَّنة قائمة على شراء وبيع أوراق مالية مقوّمة بالدولار لكنها تُقتنى بالبوليفار. وفي هذا المسار الثلاثي، كانت شركات البورصة تحوّل الورقة المالية إلى حساب في الخارج (بنما، سويسرا، ميامي)، ثم تعيد بيعها بسعر الصرف العادي (غير المدعَّم)، ما يسمح لمالك هذه الأوراق بالحصول على دولارات في الخارج (مما يساهم في هروب الرساميل)، في حين تحقق شركات البورصة أرباحًا من الوساطة. وقد ساهم ذلك في توسيع الفجوة بين الدولار الرسمي والدولار الموازي. وفي الوقت نفسه، كان التحكيم في الأوراق المالية يسمح لبعض شركات البورصة بالحصول مباشرة على مخصصات من سندات الخزينة العامة (Tesorería Nacional) التي كانت تعيد بيعها لفاعلين اقتصاديين آخرين بسعر مبالغ فيه، محتفظة بالفارق كربح. ويقدّر بعض المحللين أنه في يوم واحد فقط كان بإمكان شركة بورصة أن تجني ملايين الدولارات. في هذا السياق، طوّر مشغلو البورصة والموظفون الحكوميون والبرجوازيون الجدد نموذجًا خاصًا جدًا لتراكم الثروة.
بين عامي 2008 وماي 2010 خلق ذلك فقاعة مضاربات حول شركات البورصة، التي كانت تعمل في مكاتب فاخرة دون أن تمتلك فعليًا محافظ حقيقية لعملاء من المستثمرين الصغار، وكانت تُستعمل لتحقيق أرباح عبر عقود عمومية مبالغ في أسعارها وكذلك لإخراج الرساميل من البلاد. وقد انفجر هذا النظام مع ما عُرف بـ"كاسازو"(Casazo)، الأمر الذي دفع البنك المركزي الفنزويلي(BCV) إلى منع شركات البورصة من التفاوض على الأوراق المالية المقوّمة بالدولار، وإلى إنشاء SITME (نظام المعاملات بالأوراق المالية بالعملات الأجنبية)، الذي قام بتركيز تجارة السندات داخل البنك المركزي. وقد أظهر ذلك أن دينامية استحواذ البرجوازية على الرساميل كانت تنتقل إلى الأماكن التي كانت الدولة تضع فيها فائض عائدات النفط.
مراقبة الصرف، الاستيراد وتراكم رأس المال
ابتداءً من تلك اللحظة (2010)، أصبح محور مركزي من محاور استحواذ البرجوازية على رأس المال الريعي هو استيراد المواد الغذائية للقطاعات الشعبية، سواء بيعت بأسعار مدعومة أو سُلّمت مباشرة دون كلفة. وقد اعتمد هذا النظام على التحكيم في الاستيراد (مرحلة CADIVI/CENCOEX)، باستخدام المناولة الدولية والتحكم اللوجستي، مستفيدًا من تجربة التحكيم المصرفي لتطبيقها على التحكيم الغذائي، وواضعًا الريع النفطي في صناديق غذائية.
فمع إغلاق سوق البورصة أصبحت الآلية المثالية للحصول على دولارات رخيصة (مدعومة من النفط / الحصول على الريع) هي طلبها من الدولة بهدف استيراد مواد غذائية. وقد خلق ذلك آلية شديدة الانحراف: إذ يمكن لمستورد أن يحصل على مليون دولار، ويترك منها 500 ألف دولار في حساب بالخارج، ويستعمل النصف الآخر فقط لاستيراد مواد غذائية إلى البلاد. وعندما تشتري الدولة تلك السلع بسعر السوق المحسوب بالدولار الحقيقي، يتم تسديد القرض.
في تلك الفترة كان الحديث يدور عن حاويات فارغة، وأخرى مملوءة بالحجارة مُصرَّح بها كحمولات غذائية، وعن فضائح مرتبطة بمنتجات منتهية الصلاحية تم شراؤها بهذه الطريقة التي تسمح بتعظيم الأرباح. ولفهم آلية التراكم بشكل أفضل يجب معرفة أنه بينما كانت القيمة الحقيقية للدولار 100 بوليفار، كان المستوردون يستفيدون من سعر صرف يساوي 6,30 بوليفار للدولار الواحد، وهو ما كان يمثل بحد ذاته ثروة تتراكم فورًا.
سمحت وفاة هوغو تشافيز سنة 2013 بظهور المادورية (madurisme)، أي التعبير السياسي لموجة جديدة من التراكم الشره لثروة البرجوازية الجديدة، وكذلك الرد على انخفاض أسعار النفط، الذي دفع هذا القطاع إلى تصفية ذلك الجزء من المشروع الوطني-الشعبي-الاشتراكي الذي كان تشافيز قد أطلقه، للتركيز بدلًا من ذلك على تعزيز عملية اكتناز الثروات لدى الأثرياء الجدد. وكان كل من ديلسي رودريغيز (الرئيسة المؤقتة الحالية)، وخورخي رودريغيز (رئيس البرلمان)، وديوسدادو كابيلو (وزير العلاقات الداخلية)، وفلاديمير بادرينو (وزير الدفاع، الذي تراجعت مكانته الآن) جزءًا لا يتجزأ من المادورية، وهم اليوم مستعدون للتكيف مع دور مجلس إدارة استعماري أسندته لهم الولايات المتحدة.
الحل الغذائي ونموذج التراكم عبر نزع الملكية
ابتداءً من إنشاء وتأميم المجالس المحلية للإمداد والتخطيط (CLAP) سنة 2016، انتقل النظام من شركات استيراد خاصة كانت تعمل كمضخات لامتصاص الإيرادات، إلى شبكات وسطاء عابرة للحدود لها صلات مباشرة مع أعلى دوائر السلطة. وقد سمح ذلك ليس فقط بتراكم الثروة، بل أيضًا ببناء علاقات سياسية مع قطاعات كانت سابقًا معادية، بما في ذلك شركات مرتبطة دوليًا بالاشتراكية الديمقراطية أو حتى باليمين المتطرف (كما في حالة رجال أعمال كولومبيين مرتبطين بقطاعات متهمة بعلاقات مع الميليشيات شبه العسكرية). كانت هذه الشركات تشتري منتجات رديئة الجودة في السوق العالمية وتبيعها في البلاد كما لو كانت من الدرجة الأولى، مضاعفة أرباحها أربع مرات. أما التحكم في اللوجستيك (حيث شاركت شركات عديدة مرتبطة بشخصيات عسكرية) فكان يعمل كآلية أخرى لالتقاط الإيرادات عبر النقل البحري وعمليات التوزيع داخل الأراضي (التسليم للمجالس البلدية أو للمجالس المحلية للإمداد والتخطيط CLAP). وهكذا ساهم الفقر والندرة والتضخم وضعف القدرة الشرائية في اغتناء البرجوازية والحفاظ على البنية غير الإيديولوجية للسلطة.
بعبارة أخرى، انتقلنا من السندات المهيكلة والسندات إلى الصناديق الغذائية، ومن الفارق المصرفي لدى البنك المركزي إلى توسيع هذا الفارق مضافًا إليه التكاليف الزائدة، ومن فقدان السيادة المالية إلى فقدان السيادة الغذائية، خاصة بعد العقوبات والتدابير القسرية الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية. لقد ساعدت العقوبات على تعزيز نموذج التقاط الريع وتركيز رأس المال وإغناء البرجوازية الجديدة. وفي هذه المرحلة لم يعد اكتناز الثروة يتطلب تدخل البنوك، بل كان يعتمد على وجود شركة شريكة في بلدان ذات رقابة مرنة وعلى علاقات رفيعة المستوى داخل الحكومة تمنح تراخيص الاستيراد والوصول إلى العملات الأجنبية المدعومة من الدولة.
دور قوس التعدين، الذهب، المعادن النادرة والاقتصاد الرقمي في تدعيم البرجوازية الجديدة
عندما دخلت العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ وخرجت فنزويلا من نظام سويفت(8) SWIFT، كان ينبغي تحويل على الآليات نحو نزع الطابع المادي (باستخدام العملات المشفرة) أو العودة إلى قيم مادية مثل استغلال الذهب. وعندما جمدت الولايات المتحدة حسابات البنك المركزي وشركة نفط فنزويلا PDVSA في الخارج، تم إطلاق مشروع القوس المنجمي للأورينوكو(9) بأقصى سرعة. وبما أنه غير خاضع لأي رقابة عمومية ولا يقدم حسابًا لأحد، فقد جعل من إنتاج الذهب الصندوق الأسود للبرجوازية الجديدة والحكومة، مُنشئًا بذلك آلية جديدة لتراكم الثروة. ويحيط الغموض الكامل بهذا الموضوع؛ إذ لا أحد يعرف حجم احتياطات الذهب ولا كيف تم بيع وتخزين المعدن النفيس القادم من القوس المنجمي. إضافة إلى ذلك، بدأت حول الأورينوكو عمليات استغلال المعادن النادرة أو “الرمال السوداء” عبر المؤسسة الفنزويلية للتعدين (CVM)، خاصة القصدير والنيكل والروديوم والتيتانيوم وغيرها من المعادن التي يسهم استغلالها وتسويقها وإيراداتها المرنة جدًا في تراكم الثروة لدى الطبقة البرجوازية الجديدة.
أما العملات المشفرة التي شجعتها الحكومة بقوة منذ 2016-2017 عبر مزارع تعدين البيتكوين، فقد شكلت نموذجًا آخر للتراكم عبر نزع الملكية بفضل آليات مالية مضارباتية سمحت للبرجوازية المحلية "بتعلم" تحقيق الأرباح في بيئات شديدة التقلب. ومع إنشاء البترو (Petro) سنة 2017، العملة الرقمية الفنزويلية، أصبحت هذه العملة آلية للتفاوض الدولي تتجاوز الرقابة التي تفرضها الدول التي تطبق العقوبات. كما سمح استعمال العملات المستقرة (USDT) ببيع النفط وإجراء التجارة دون الحاجة إلى إذن من النظام المصرفي العالمي. غير أن هذا النظام انهار عندما اختفى 23 مليار دولار من المالية العمومية، وتبين أن ديونًا سُجلت في ذمة شركة نفط فنزويلا رغم أنها كانت قد سويت، لكن الموارد المقابلة لها حُولت إلى عملات رقمية من قبل أثرياء جدد يشغلون مناصب عليا داخل الحكومة، خاصة في شركة النفط الوطنية.
إن تداول الدولارات القادمة من الذهب، والتحكيم في العملات المشفرة، وعمليات الفَوترة المُبالغ فيها، قد ولّد ما يسميه الاقتصاديون "سراب التعافي"أو فقاعة استهلاك موضعية ومجزأة داخل نطاق أولئك الذين يدورون حول هذا الاقتصاد الفرعي. وقد أدى ذلك إلى ظهور البوديغونات (Bodegones)، وهي متاجر تُعرض فيها مختلف السلع المستوردة، تعمل كآليات لالتقاط الريع وتمتلكها غالبًا عائلات سياسيين وعسكريين. كما أن افتتاح متاجر وكلاء السيارات الفاخرة كان بدوره آلية أخرى لالتقاط هذا النوع من الإيرادات. وظهرت منافذ أخرى لهذه التدفقات من رؤوس الأموال عبر تنشيط سوق العقار وبناء الأبراج الكبرى والمراكز التجارية.
وعندما أعلن المدعي العام للجمهورية سجن المسؤولين عن تهريب العملات المشفرة، أوضح أن العملات الرقمية وأموال شركة نفط فنزويلا استُخدمت من قبل القطاع المتهم بالفساد لزيادة انخفاض قيمة البوليفار وارتفاع سعر الدولار بوصفها آلية أخرى للاستحواذ على الإيرادات. وبعبارة أخرى، فإن المأساة التي عاشتها الطبقة العاملة الفنزويلية نتيجة تدهور القدرة الشرائية للبوليفار والتضخم لم تكن فقط نتيجة للعقوبات الأمريكية، بل أيضًا نتيجة نظام تراكم الثروة الذي كان يعمل عبر الارتفاع المستمر والمتزايد لسعر الدولار الذي نظمته البرجوازية الجديدة وكبار المسؤولين الذين كانوا يسيطرون على العملات المشفرة وعائدات النفط.
في كل مرحلة من هذه المراحل كان مال الفساد يُغسل عبر هذه الآليات الموسعة لالتقاط الريع، كما كانت الميزانية العامة مصدرًا آخر لاغتناء البرجوازية. وهذا ما يفسر لماذا شهدت فنزويلا، رغم مداخيل تراكمية تعادل عشرة خطط مارشال خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تدهورًا سريعًا في بنيتها التحتية وكذلك في الشروط المادية لعيش السكان. لقد عمل الثنائي، الفساد-الفقر، كنظام تراكم عبر نزع الملكية.
ضرورة اتفاق ما بين البرجوازيات
إن البحث عن اتفاقات داخل البرجوازية من أجل البقاء في السلطة مرتبط بطبيعة البرجوازية بوصفها طبقة اجتماعية. ولهذا السبب عملت البرجوازية الفنزويلية الجديدة بكثافة، منذ سنة 2018، من أجل التوصل إلى تفاهمات مع البرجوازية القديمة وتشكيل طبقة واحدة دون انقسامات صراعية. ولتحقيق هذا الهدف كان من الضروري استعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، بإظهار أن ما تبقى من الثورة البوليفارية قد فقد كل قدرة وكل إرادة للدفع نحو التجذر. وقد أصبحت المفاوضات علنية ابتداءً من سنة 2019، عندما أكد مادورو أن محادثات قد بدأت مع الإدارة الأولى لترامب. واستمرت هذه المفاوضات في عهد بايدن (الذي اعترف بها في 8 مارس 2022)، حيث استعادت فنزويلا دورها كمزوّد موثوق للولايات المتحدة بالنفط في سياق الحرب في أوكرانيا.
وقد حدث تقارب متسارع بين البرجوازيتين، ما بين 2018 و2026، إلى درجة أن كثيرين منا يعتقدون اليوم أنهما أصبحتا عمليا مندمجتين تقريبًا في مصالحهما، وأن الوجه المرئي لهذا الاندماج هو ديلسي رودريغيز، الرئيسة المؤقتة الحالية. ومنذ سنة 2021 أصبحت ديلسي رودريغيز ضيفة الشرف في الاجتماعات السنوية لاتحاد أرباب العمل فيديكاماراس (Fedecamaras). وبعد أحداث 3 يناير 2026 كانت هي من دعا إلى تخفيف القيود القانونية من أجل تشجيع الاستثمارات الخاصة، الوطنية والدولية، وذلك بموافقة توافقية ليس فقط من طرف البرجوازية الوطنية بأكملها، بل أيضًا من البرجوازية الدولية.
وللوصول إلى هذا التوافق البرجوازي، ما بين 2018 و2026 لم يتم فقط حظر جميع الأحزاب اليسارية ووضعها تحت الوصاية، بل تم أيضًا تطبيق مجموعة من إجراءات تحرير الاقتصاد، وتقييد الحريات النقابية وحق الإضراب، وتقييد حرية الرأي، ومصادرة السيادة الشعبية. ولا يعد كل من قانون مُواجهة الحصار(وهو تعبير ملطف لفرض تقويم نيوليبرالي جديد على الاقتصاد الفنزويلي) وقانون المناطق الاقتصادية الخاصة سوى تعبيرين عن إعادة الترتيب الجديدة هذه.
البرجوازية الفنزويلية (الجمهوريتان الرابعة والخامسة) تقبل العلاقة الاستعمارية
في إطار بروز النظام العالمي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة إلى قيادته، أصبح منح حقوق النفط والنظام الاقتصادي الذي أقامه مادورو غير كافٍ بالنسبة لواشنطن؛ فإدارة ترامب تريد وصولًا كاملًا إلى الطاقة والثروات الفنزويلية. وحين بدأت الهجمة العسكرية الأمريكية في جنوب الكاريبي في أغسطس 2025، كانت البرجوازية الفنزويلية الموحدة تحاول الحفاظ على الوضع القائم في مجال اكتناز الثروة. إن الإغلاق الديمقراطي الذي فُرض منذ يوليو 2024 ليس في صلب اهتمامات هذه البرجوازية الموحدة، كما أنه ليس كذلك بالنسبة للولايات المتحدة بعد أحداث 3 يناير 2026.
وخلال الثلاثين يومًا التي تلت الهجوم الإمبريالي على فنزويلا، واعتقال واختطاف مادورو، وفرض وضعية الوصاية التي أشرفت عليها مباشرة داخل الأراضي الفنزويلية القائمة بالأعمال الأمريكية لورا دوغو، أطلق "المجلس الإداري الاستعماري" (ديلسي رودريغيز، خورخي رودريغيز، ديوسدادو كابيلو، فلاديمير بادرينو) سلسلة من الإصلاحات التشريعية البنيوية بهدف ضمان أن تحصل البرجوازية المحلية، في الوضع الجديد من الهيمنة، على جزء من تراكم الريع. وقد تم تعديل القوانين التجارية وتبسيطها، كما تم إصلاح قانون المحروقات، مُحدثا قطيعة حتى مع القومية المحدودة التي كانت قد روّجت لها الاشتراكية الديمقراطية الفنزويلية في سنتي 1943 و1976، وهو ما أعاد البلاد إلى الفترة التي كانت فيها الشركات النفطية متعددة الجنسيات تملي العلاقات مع الخزينة الوطنية. إن خفض نسبة الضرائب (من 30٪ إلى 15٪)، والسماح للشركات متعددة الجنسيات ببيع النفط مباشرة، وقبول قدرة الولايات المتحدة على تقرير إدارة الموارد الناتجة عن التجارة النفطية، كلها تمثل محاولة مخزية من طرف البرجوازية الموحدة ومجلس الإدارة الاستعماري للحفاظ على مستوى معين من السيطرة على عملية التراكم. كما أُعلن الآن عن إصلاح لقانون العمل من أجل استكمال التقويم الهيكلي الذي تمليه إدارة ترامب.
لقد ذهبت البرجوازية الموحدة الحالية أبعد مما ذهبت إليه البرجوازية القديمة في ظل الجمهورية الرابعة، إذ تخلت عن كل أثر للنزعة القومية وقبلت وضعية الوصاية الاستعمارية التي تريد الولايات المتحدة فرضها. لكن الكلمة الأخيرة ستعود للأحداث القادمة لصراع الطبقات.
يوم 11 فبراير 2026
(1) في حدود ما يفرضه هذا المقال، لم نتمكن إلا من تناول المراحل الأكثر تمثيلاً لتكوّن البرجوازية الجديدة ما بين 2002 و2026، لكن ينبغي استكمال هذا العمل بتحليل التوترات التي ولّدها ذلك مع الطبقات الشعبية في كل مرحلة، بوصفها تجسيداً لمختلف لحظات الصراع الطبقي.
(2) ابتداءً من كاراكازو سنة 1989، انهار شكل الدولة الشعبية-الوطنية، وعاد التناقض بين العالمين العسكري والمدني، وتم التشكيك في السلطة الانتخابية، وحدث تباعد جذري بين البرجوازية المحلية وممثليها السياسيين في الحكومة، وبدأت سيرورة بروز برجوازية جديدة، وظهرت توترات النموذج الجديد للتعدد الطبقي الذي حاولت الثورة البوليفارية الترويج له، وفشل نظام الرقابة على الصرف بشكل نهائي، وظهرت مشاكل مرتبطة بنوع مراقبة الأسعار التي أدت إلى الندرة، وتلاشى النزوع التنموي البرجوازي، مع الإغلاق الديمقراطي (2024-2026) وخطر فقدان الجمهورية أمام الطموحات الاستعمارية الأمريكية (مع خضوع المجلس الحاكم منذ 3 يناير 2026). إن الخروج من الأزمة البنيوية الفنزويلية يقتضي حلّ كل هذه الإشكالات في الوقت نفسه – أو على الأقل بشكل متقارب – وهو ما سيكون بالغ التعقيد في وضع استعماري كالذي بدأ في يناير 2026.
(3) المراجحة هي الشراء المتزامن لأصل مالي في سوق مالية يكون فيه مقوّماً بأقل من قيمته، وإعادة بيعه في سوق آخر يكون فيه مقوّماً بأعلى من قيمته.
(4) شركة «Petróleos de Venezuela, S.A » هي الشركة النفطية الوطنية في فنزويلا، وقد تأسست سنة 1976 عند تأميم قطاع المحروقات.
(5) في فنزويلا، كان الدولار مدعوماً، إذ كانت قيمته الرسمية أقل من قيمته الحقيقية في السوق، وهو فارق كان يُستخدم كآلية للاستحواذ على عائدات النفط.
(6) سويفت (شركة الاتصالات المالية العالمية بين البنوك) هو نظام دولي آمن للمراسلة المالية يتيح للبنوك إرسال واستقبال تعليمات الدفع عبر العالم. وبدون الوصول إلى سويفت، يصعب على أي بلد إجراء معاملات دولية بالعملات الأجنبية.
(7) يشير «مخاطر البلد» إلى مجموع الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمؤسساتية الخاصة بدولة ما، والتي قد تؤثر على أمن أو ربحية أو استمرارية الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية التي تُمارس فيها.
(8) شركة الوساطة هي مؤسسة تعمل كوسيط لشراء وبيع الأوراق المالية (أسهم، سندات) لحساب الزبائن، وتقدّم أحياناً استشارات أو خدمات مالية. أما شركة البورصة فهي مؤسسة معتمدة للتداول مباشرة في بورصة رسمية، تؤدي دوراً مشابهاً لشركة الوساطة لكنها تتمتع بإمكانية الوصول إلى السوق المنظّم والقدرة على العمل لحسابها الخاص أو لحساب زبائنها.
(9) قوس التعدين لنهر أورينوكو هو منطقة تعدين استراتيجية في فنزويلا، أُنشئت سنة 2016 على مساحة تقارب 112 ألف كيلومتر مربع حول نهر أورينوكو. وتضم استغلال الذهب والمعادن النادرة والنيكل والتيتانيوم ومعادن أخرى.