وافق مجلس الوزراء اللبناني، مستهل أغسطس/آب العام 2025، على قرار تاريخي، وإن كان مثيرًا لجدال اشديد: تكليف القوات المسلحة اللبنانية بوضع خطة تجعل جميع الأسلحة تحت تحكم الدولة بحلول نهاية العام. استثار هذا القرار، المعتبر على نطاق واسع الخطوة الرسمية الأولى نحو نزع سلاح حزب الله، ردود فعل فوريةً. فقد غادر أربعة وزراء شيعة جلسة مجلس الوزراء، ووصف قادة حزب الله القرار بأنه ”خطيئة جسيمة“، وتبع ذلك تحذيرات من أن أي إجراء يُتخذ تحت نيران إسرائيلية سيقابل بأعمال انتقام.
يبلور هذا الحادث معضلة لبنان في مجال السيادة. تسعى الحكومة، بدعم من المانحين الغربيين، إلى توطيد القوة، بناء على اعتقاد أن السيادة تبدأ بالسلطة القسرية. بيد أن هذا الحادث يبين مشكلة أعمق: دولة هشة، متصدعة بالحرب والتأثير الأجنبي والشلل السياسي، تحاول المطالبة بسيادتها بمرسوم.
غالباً ما تُعرَّف السيادة بأنها احتكار الدولة لاستخدام القوة واستقلالها في الشؤون الخارجية، بناء على مؤسسات فعالة واستقرار جبائي وشرعية. لبنان لا يمتلك أيّاً من هذه العناصر. لا يمكن لسلطة قسرية بلا مصداقية مؤسسية أن تتحكم بأراضيها أو توحي بالولاء؛ ولا يمكن لجيش أن يدافع عن دولة عاجزة عن الحكم.
تبدأ رؤية أكثر استدامة، أي السيادة من أسفل، من قدرة الدولة على إتاحة خدمات وضماتن الحقوق ودمج المواطنين في الحياة السياسية. في حالة لبنان، لا يقتصر السؤال على من يمتلك السلاح، بل على ما إذا كانت الدولة تعتبر شرعية وقادرة ودامجة.
إن المقاربة المطبقة حالياً، متخذةً الأمن محورا، خاطئة جوهريا. لا يمكن أن يعيد لبنان بناء سيادته من الأعلى فقط بفضل التوطيد العسكري. يجب أن تستند السيادة إلى الشرعية السياسية والاستقلال الجبائي والمقدرة المؤسسية. ويبدأ ذلك بمواجهة واقع وضع لبنان الراهن: دولة محاصرة على جبهات متعددة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، حيث لا يمكن فصل طريقها إلى السيادة عن التهديدات التي تواجه والوسائل التي تمتلك.
سيادة لبنان محاصرة
يتطلب فهم سبب عدم كفاية تعزيز القوات المسلحة ادراك حجم الضغوط التي يواجهها لبنان اليوم وطبيعتها. ثمة أربعة تحديات متشابكة تحدد هذه الحقبة.
أولاً، أسفرت حرب إسرائيل على لبنان في العام 2024 عن مقتل أكثر من 4000 شخص، بينهم 316 طفلاً، وتشريد أكثر من مليون شخص. وبرغم وقف إطلاق النار في نوفمبر، ارتكبت إسرائيل أكثر من 5000 انتهاك، وتواصل احتلال مواقع جنوب نهر الليطاني. وفضلا عن ذلك، تواصل إسرائيل انتهاك سيادة لبنان واغتيال الأفراد، أكثر من 300 منذ إبرام وقف إطلاق النار، بدعم مستمر، صريح أو ضمن، من الولايات المتحدة والقوى الغربية.
ثانياً، لم يؤد انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 إلى سد الفراغ الأمني على طول الحدود السورية. فقد اندلعت، في مارس/آذار، اشتباكات بين مجموعات لبنانية في المناطق الحدودية والقوات المسلحة الموالية للسلطات السورية الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام.
ثالثاً، يتصرف حزب الله كجهة أمنية مسلحة موازية قوية، مندمجة في الاستراتيجية الإقليمية لإيران ومتجذرة في المناطق التي تهملها الدولة.
أخيراً، أصبحت المساعدات العسكرية الغربية، مثل الـ 95 مليون دولار التي قدمتها الولايات المتحدة في مارس، مرتبطة بشكل متزايد بدور القوات المسلحة اللبنانية في ”التحكم بحزب الله وإيران“، مما يحد من الاستقلالية السياسة.
بشكل عام، تعني هذه الديناميات أن النقاش حول السيادة لا يقتصر على الوضع الاعتباري لأسلحة حزب الله. بل يتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على التصرف بشكل مستقل في مواجهة كل من الأطراف المحلية التي تمتلك حق النقض والظروف الخارجية. ولا تتوقف هذه الاستقلالية على الإرادة السياسية للتصرف فحسب، بل على المقدرة على القيام بذلك.
جيش متجاوز بإمكانياته
توجد القوات المسلحة اللبنانية في قلب المعضلة الأمنية في لبنان. ومن المفترض أن تقوم القوات المسلحة اللبنانية، المكلفة بتأمين الجنوب وحراسة الحدود السورية وتولي دور حزب الله الرادع، بالدفاع عن البلد مع صون حيادها في بلد منقسم بشدة حول مهمتها.
هذه المهمة غير قابلة للتطبيق بالنظر لموارد تلك القوات. تبلغ ميزانية الدفاع، للعام 2025، 800 مليون دولار، 67% منها مخصصة الرواتب. بعد خصم تكاليف الاشتغال، تبقى 24 مليون دولار فقط، أي 03%، للتدريب والتحديث والتجهيز. تدعو توجيهات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تخصيص 20% للتحديث1 ، بينما تنفق إسرائيل أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً على البحث والتطوير العسكري وحده2.
الفارق مذهل. ينفق لبنان 10600 دولار سنويًا لكل جندي، بينما تنفق إسرائيل 273560 دولارًا. انخفض الإنفاق الدفاعي للبنان للفرد الواحد من 457 دولارًا في عام 2018 إلى 30 دولارًا في العام 2021، متراجعا بنسبة 93٪، قبل أن يرتفع مرة أخرى إلى 110 دولارات في العام 2024، وهو ما يزال أقل بنسبة 76٪ من مستويات ما قبل الأزمة3.
لا يقتصر الأمر على أرقام، بل يتعلق أيضا بتبعية استراتيجية. تعتمد القوات المسلحة اللبنانية بشكل شبه كامل على المانحين الأجانب للتزود بالوقود والمعدات واللوجستيات. تحد هذه التبعية من الاستقلالية العملياتية، وتقوض المصداقية الاستراتيجية، وتعرض المؤسسة لضغوط سياسية. في الواقع، يُطلب من لبنان أن يتصرف كجهة أمنية سيادية باستخدام أدوات لا يتحكم بها وموارد لا يملكها.
يثير هذا التناقض بين التفويض والوسائل سؤالاً أصعب: إذا عجز لبنان عن تمويل الجيش أو تجهيزه لأداء الدور الموكَل إليه، فأي خيارات استراتيجية تبقى متاحة له؟
سراب الحياد
نظراً للاستحالة السياسية للتحالفات وللانضمام إلى معسكر، يدعو البعض إلى الحياد نهجا استراتيجيا للبنان. من الناحية النظرية، يطابق الحياد هوية البلد السياسية التعددية، ويمنح وسيلة لتجنب التورط في الحروب الإقليمية.
ومن الناحية العملية، لا معنى للحياد دون الموارد والشرعية اللازمين لتطبيقه. فالدول التي نجحت في ترسيخ الحياد في استراتيجيتها الوطنية تدعمه باستثمارات كبيرة: تنفق سويسرا زهاء 683 دولاراً للفرد على الدفاع، والنمسا 473 دولاراً، وحتى أيرلندا، التي غالباً ما تُعتبر متواضعة عسكرياً، تنفق 243 دولاراً. أما رقم لبنان للعام 2024 فكان 110 دولارات فقط4.
كما أن الحياد ليس مجرد مسألة مال. فهذه الدول تحظى بثقة عامة عريضة في جيوشها، مستندة إلى تصور للحياد وللتملك الوطني. لا يمتلك لبنان الوسائل المالية ولا الشرعية المتماسكة لجعل الحياد سياسة ذات مصداقية دون إصلاح سياسي ومؤسسي عميق.
توضح هذه الفجوة حقيقة أعظم: قبل أن يتمكن لبنان من اختيار موقف دفاعي ذي مصداقية، سواء كان حيادا أو غيره، يجب عليه أولاً معالجة أوجه العجز الداخلي التي تجعل أي استراتيجية غير قابلة للحياة. وهذا يعني البدء ليس بالجيش، بل بالدولة ذاتها.
إعادة البناء من أسفل
يجب أن تبدأ استراتيجية سيادة ذات مصداقية من مكمن هشاشة لبنان الأكبر: من شرعيته ومقدرته. تقتضي استعادة الشرعية تفكيك نظام المحسوبية الطائفية، وإبداله بإطار علماني ونسبي يتيح تمثيلا حقيقيا مشتركا بين الطوائف وقائما على الطبقات الاجتماعية. فبواسطة هكذا تغيير، ون سواه، يمكن ترسيخ السلطة السياسية في توافق عريض بدلاً من الاتفاقات الطائفية الضيقة.
لكن الشرعية بدون مقدرة شرعية جوفاء. يجب استعادة السيادة الجبائية عبر نظام ضريبي تصاعدي، وتقليص التبعية إزاء التمويل الأجنبي. كما يتوقف الاستقلال الاقتصادي على إعادة توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية والمناطق المهمشة تاريخياً، في قطيعة بهذا النحو مع نموذج ما بعد الحرب القائم على النمو المدفوع بالتمويل الذي عمّق التبعية وعدم المساواة. أخيراً، يجب على الدولة أن تعيد تأكيد نفسها بما هي المزود الرئيس بلخدمات الأساسية، وإعادة إرساء العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه السيادة الحقيقية.
لن تؤدي هذه الخطوات إلى تعزيز الدولة فحسب، بل أيضاً إلى تآكل الشرعية الموازية التي تدعم فاعلين مسلحين غير حكوميين. لهذا السبب يجب تناول مسألة سلاح حزب الله بطريقة مغايرة لما هي الحال اليوم.
نزع السلاح كنتيجة وليس كشرط مسبق
لا تستند قوة حزب الله العسكرية إلى تحالفه مع إيران فحسب، بل أيضاً إلى الفراغ الناتج عن فشل الدولة. إن المطالبة بنزع سلاحه قبل إعادة بناء الدولة يعكس التسلسل.
إذا أفلحت الدولة في الدفاع عن الحدود، وإتاحة الخدمات وحماية الحقوق، فسوف تضعف الأسباب الاجتماعية والسياسية لوجود سلاح حزب الله. عندئذ سيكون نزع السلاح نتيجة طبيعية لاستعادة مصداقية الدولة.
من هذا المنظور، ليس التوطيد العسكري نقطة بداية السيادة، بل خاتمة لعملية أوسع نطاقاً لإعادة بناء الدولة.
من التأكيد إلى البناء
تحذرنا تجربة ما بعد العام 2006: عندما تتخلى الدولة عن إعادة البناء، تتنازل عن شرعيتها لآخرين. إذا انسحبت الدولة مرة أخرى من هذا الدور في العام 2025، فستكون النتيجة أزمة سيادة أعمق.
لا يمكن إعلان السيادة الحقيقية بواسطة تصويت مجلس وزراء أو بيانات مانحين. يجب بناؤها سياسياً ومالياً ومؤسسياً. يمكن للقوات المسلحة اللبنانية حماية الحدود، ولكن دولة معاد بناؤها هي وحدها القادرة على حماية سكانها.
عندما ينظر المواطنون إلى الدولة ليس كجهة تنفيذية بل كضامنة للحقوق، سيكون لبنان قد انتقل من تأكيد السيادة إلى بنائها.
أعدته مبادرة السياسة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت (FES). يعكس المقال آراء المؤلفين ولا يعكس بالضرورة آراء مؤسسة FES. يستند هذا المقال إلى ورقة بحثية ستصدر قريباً.