مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

خطة ترامب للسلام أم حرب جديدة في غزة

بقلم سمر ناصر
Une fresque murale peinte sur les murs d'un bâtiment détruit dans la rue Al Thawra à Rimal, Gaza. La fresque a été réalisée par Mostafa Mehna avec 25 enfants de Gaza. Le ttexte en arabe signifie "Il y a de l'espoir". Photo Hla.bashbash CC BY 4.0

أمس ١٩ فبراير ٢٠٢٦، استضاف دونالد ترامب ممثلي الدول التي استجابت دعوته للانضمام لمجلس السلام في غزة، هذا المجلس الذي أعلن عن تأسيسه في مؤتمر دافوس بسويسرا في ٢٢ يناير ٢٠٢٦، قائلاً " إنه أعظم وأعرق مجلس يشكل في أي زمان ومكان"! 

مجلس حرب

مجلس السلام هو القوة التنفيذية لخطة السلام ذات العشرين بنداً التي أقرها ترامب في ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٥، ووافقت عليها كل من حماس وإسرائيل، لتعود فتتبناها الأمم المتحدة بقرارها ٢٠٢٨. وتتضمن الخطة تحقيق البنود ضمن ثلاث مراحل تبدأ بوقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين وعدد من المعتقلين الفلسطينيين، والمفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يليه انسحاب إسرائيل من غزة، وتنتهي بعملية إعادة الإعمار التي تستمر من ثلاث إلى خمس سنوات. وتنص الخطة على ان الإدارة المؤقتة لقطاع غزة ستدار عبر ٣ كيانات رئيسية هي مجلس السلام ولجنة تكنوقراط فلسطينية وقوة استقرار دولية.

 من الدول ال ٥٥ التي تمت دعوتها للمشاركة في مجلس السلام البارحة، حضرت ٢٢ دولة منها دول الخليج النفطية، وتركيا، والأردن، وإسرائيلوتغيبت الدول الأوروبية عن المشاركة لإدراكها التام هدف ترامب وخطورة المجلس كبديل من الأمم المتحدة. وما تم في جلسة البارحة كان كاريكاتوريا ومثيراً للحنق. فكل حاضري لقاء 19 فبراير يعلمون ان خطة السلام لا تمت للسلام بأي صلة، لكن الدول المشاركة تواجدت اما خوفا او مجاملة لرئيس أقوى دولة بالعالم، مثل مشاركة الدول النفطية، الممول الأساسي للخطة. هذه الخطة التي لم تشمل الفلسطينيين في مفاوضاتها ولا أعضاء لجانها، وتتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وترتئي إبقاء احتلال إسرائيل لغزة على مدىً طويل، وتضع أراضي القطاع تحت وصاية مجلسٍ يرأسه ترامب، وعضويته أقرب ما تكون لعضوية نادٍ مدفوع الأجر، بحسب تصريح ترامب كلي الوقاحة بأن من يدفع مليار دولار من الدول ال٢٢ المشاركة يحصل على العضوية الدائمة! وانتهت الجلسة بإعلان ترامب الحصول على ٧ مليارات دولار من الدول المشاركة ليتم وضعها تحت تصرف اللجنة التنفيذية التي شكلها من ٧ أعضاء من أصدقائه وعائلته من المستثمرين العقاريين.

 

استمرار الإبادة

 هذا وفي الوقت الذي يتشدق فيه ترامب بخطة السلام ومجلس السلام، تواصل إسرائيل حرب الإبادة على غزة، بخرقها وقف إطلاق النار أكثر من ١٥٠٠ مرة وقتل أكثر من ١٦٠٠ شهيد من أكتوبر ٢٠٢٥ حتى اليوم. وهي تواصل الحد من دخول المساعدات ومن فتح معبر رفح، هذا المعبر الذي يعتبر شريان الحياة لأهل القطاع ولا زالت إسرائيل تماطل بفتحه لإخراج ١٨ ألف جريح ومريض بحالة حرجة، وتحت الضغط وافقت على فتحه بعد وضع شروط مجحفة لعدد المغادرين، حيث قللته ل ٥٠ مريضاً يومياً، بحيث سنحتاج ل ٦ شهور لخروجهم إذا ما بقوا على قيد الحياة!! وماطلت كذلك ولا زالت بإدخال المساعدات الغذائية والطبية حيث إن ما يتم إدخاله أقل من ٤٠٪ من حاجة القطاع. والأخطر من الذي يحصل بالقطاع هو الحرب الخفية القائمة بالضفة التي يتعرض أهلها لشتى أشكال التنكيل من قبل الاحتلال والمستوطنين، الاحتلال الذي قام منذ السابع من أكتوبر بقتل العشرات واعتقال المئات من اهل الضفة، فيما يقوم المستوطنون بكل أشكال الاستفزاز والتنكيل، من حرق البيوت والأراضي واقتلاع الأشجار محاولين بذلك استفزاز اهل الضفة ليقوموا بأي رد فعل لإشعال حرب أكبر من الإبادة بغزة. لكن بسبب علم أهل الضفة بعواقب أي فعل غير مدروس، تحلوا برباطة الجأش ليفوتوا على الاحتلال خطته لتهجيرهم. ورغم ذلك قامت إسرائيل تحت مسمى "أراضي دولة" بضم ١٦٪ من أراضي الضفة لإسرائيل بهدف توسيع حدود مدينة القدس عبر مخطط لبناء ٢٧٠٠ وحدة استيطانية جديدة، هذه الأراضي التي تعتبر أراضي الضفة الغربية بحسب اتفاق أوسلو. وهذه الخطوات الخطيرة تشكل ممراً نحو فرض السيادة على الضفة الغربية وضمها لإسرائيل

 

الأهداف الحقيقية لترامب والكيان الصهيوني

ولم يخفِ وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش هذا الهدف، بتصريحه البارحة عن مخطط إسرائيل لإلغاء أوسلو وتشجيع الهجرة على المدى الطويل، واستيطان غزة، وتهجير الفلسطينيين من كامل فلسطين!! هذا المخطط الذي أصبح معلناً يفسر استمرار إسرائيل بقصف غزة ويفسر عدم حضور نتنياهو لمجلس السلام البارحة وإرساله مبعوثاً عنه، لأنه لا يريد اي إلزام يوقف مخططه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، ويريد مواصلة الإبادة والتهجير في غزة والضفة الغربية

 سكوت ترامب وغضه الطرف عن استمرار إسرائيل بحربها وعدم التزامها ببنود الخطة كاملة، رغم موافقتها عليها، يعلن بوضوح ان خطته للسلام هذه أبعد ما تكون عن تحقيق أي سلام في فلسطين، ولا تتعدى كونها خطة لاستغلال الوضع البائس الذي تسبب به ترامب بدعمه المتواصل لإسرائيل في حرب الإبادة، من أجل تحقيق حلمه بريفييرا في غزة، ودفع الدول النفطية لتمويل مشاريعه العقارية المدرة للأرباح، بحجة إعادة إعمار غزة التي سعى بكل الوسائل لإبادة وتهجير شعبها.

 

بناء مقاومة على الصعيد الأممي

بوجه هذا التعنت الإسرائيلي والصفاقة الامريكية، لا بد قبل الحديث عن أي خطة سلام عادلة السعي لوقف الإبادة الهادفة لقتل وتهجير الفلسطينيين في غزة، وفضح ووقف التنكيل بسكان الضفة من قبل المستوطنين، هذا التنكيل الذي يندرج ضمن المخطط الإسرائيلي المعلن المتمثل بإحلال المستوطنين مكان الفلسطينيين، وتحميل ترامب ونتنياهو واليمين المتطرف مسؤولية الإبادة في غزة، وفرض تعويضات مالية عليهم لإعادة الإعمار. مع التأكيد أن أي سلام لا يمكن قبوله إذا لم يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومن ضمنه وضع حق العودة والتعويض للاجئين موضع التطبيق الفعلي، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من كل الأراضي المحتلة منذ١٩٦٧، كخطوة اولى على طريق تفكيك الدولة الصهيونية، لصالح قيام دولة ديمقراطية علمانية، بأفق اشتراكي، تلتزم بإقامة المساواة الكاملة بين اليهود والفلسطينيين، سواء منهم الذين يقيمون الى الان على ارض فلسطين، أو اولئك المهجرين في دول الشتات المختلفة، ويختارون ممارسة حق العودة الى أرضهم التاريخية، فلسطين. فضلاً عن الوقف الفوري للاستيطان واجلاء المستوطنين، وإطلاق سراح جميع الاسرى الفلسطينيين.

لم تشهد القضية الفلسطينية فترة أحلك مما نعيشه اليوم، وهذا يستدعي التحلي بالمنطق بفهم موازين القوى التي لا ترجح، الى الآن، للصالح الفلسطيني، والابتعاد عن الشعارات والأوهام والعواطف التي تزعم القدرة على هزيمة العدو عسكرياً. ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو استراتيجية طويلة الأمد تعبئ الجماهير الفلسطينية وكل سكان المنطقة لمواصلة النضال بوجه الامبريالية، وفي الوقت عينه بوجه الصهيونية، كحركة عنصرية، والعمل على فصل أعداد متزايدة من اليهود الإسرائيليين عن الدولة الصهيونية، ضمن برنامج ثوري ديمقراطي يعطي حقوقاً متساوية للجميع. وعلى الصعيد الدولي مواصلة كسب التأييد الدولي وفضح الممارسات الإسرائيلية امام الرأي العام العالمي وخاصة الشباب في العالم، ومنهم اليهود المناهضون للصهيونية، ليساهموا بدورهم في حركة نضال جماهيرية عالمية داعمة لهذه السيرورة.