فرضت جمهورية إيران الإسلامية، يوم 8 يناير، حظراً رقمياً، ما مكنها من ارتكاب مذبحة خلف أبواب مغلقة. بيد أنما راج من مقاطع فيديو يشهد على حجم القمع، لا سيما استخدام الحكم للأسلحة الحربية. كما لجأ، كما في العام 2009، إلى مرتزقة أجانب. ومنذ 8 يناير، تخضع المدن لمراقبة مشددة في ما يشبه حالة حصار.
يعترف مسؤولون كبار في النظام بمقتل 5000 شخص. وقد تكون هذه الحصيلة في الواقع أكبر بكثير. إذ تشير شهادات دقيقة لمستخدمي المقابر إلى أن آلاف الجثث جرى إلقائها في مقابر جماعية. وتؤكد منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان مقتل 3919 شخصاً. وتقارن المعلومات المتعلقة بـ 8939 حالة أخرى. وتبحث عائلات عديدة عن أقاربها المفقودين، وغالبًا ما تضطر إلى الدفع مقابل استعادة الجثامين؛ مع توقيع على ورقة تفيد بأن الضحية كان عميلاً لإسرائيل. تتعرض جميع هذه العائلات لضغوط هائلة، واضطرت بعضها إلى الاعتراف قسراً على الهواء مباشرة في التلفزيون. سجلت منظمة الدفاع عن حقوق الانسان أيضًا 24669 حالة اعتقال، وهذا الرقم ليس نهائيًا.
يؤكد المدعي العام في طهران، في الآن ذاته، رداً على مزاعم ترامب بشأن تعليق إعدام 800 سجين، أن رد النظام ”سيكون حازماً ورادعاً وسريعاً“، مضيفاً أن ”ترامب يقول الكثير من الهراء“. أصبحت جمهورية إيران الإسلامية أكثر من أي وقت مضى غير شرعية، وتقوم بواحدة من أسوأ عمليات القمع في تاريخها الدموي.
المناورات الكبرى
يلقي المرشد خامنئي جريرة هذه المذبحة على دونالد ترامب، في حين أن الأخير كان شكر قبل أيام قليلة قادة إيران على تعليق عمليات الإعدام.
تراجعت مؤقتاً التهديدات الأمريكية بتدخل عسكري، لا سيما تحت ضغط ملكيات الخليج النفطية ودولة إسرائيل. دول الخليج قلقة من عدم استقرار إقليمي قد يسببه هكذا تدخل، لكنها تخشى بوجه خاص أن ترد جمهورية إيران الإسلامية بإغلاق مضيق هرمز حيث يعبر زهاء 30٪ من النفط العالمي. أما إسرائيل، فقد نقص جدا مخزونها من الصواريخ المعترضة في حرب يونيو الماضي، ما يضعف «قبتها الحديدية». يثير هذا ”التحفظ“ الإسرائيلي تأسف الملكيين الإيرانيين والتيارات اليمينية المؤيدة لتدخل إمبريالي.
ينبغي عدم أخذ مواقف ترامب ونتنياهو الظاهرية المؤيدة للانتفاضة في إيران على محمل الجد. فواشنطن تسعى في المقام الأول إلى تغيير القيادة في طهران على المدى المتوسط بدلاً من تغيير النظام.
ويروم دعم ترامب اللفظي للمتظاهرين الضغط على جمهورية إيران الإسلامية، في إطار المفاوضات حول برنامجها النووي والصاروخي، وكذلك على مبيعات النفط إلى الصين.
جمهورية إيران الإسلامية ليست دولة معادية للإمبريالية
تعاونت جمهورية إيران الإسلامية مع الإمبريالية الأمريكية مرارًا، سواء في العراق أو في أفغانستان. الغاية الأولى لمعارضتها للنظام الإمبريالي في المنطقة، ولدولة إسرائيل، إنما هي الدفاع عن مصالحها بما هي قوة إقليمية. صحيح أن جمهورية إيران الإسلامية تمول قوات المقاومة في فلسطين، والحوثيين في اليمن، وميليشيات مختلفة في أفغانستان والعراق ولبنان وسوريا. لكن القصد استعمال هذه الحركات وتسخيرها أكثر من دعم نضال الشعوب من أجل تقرير مصيرها. هذه السياسة ليست تقدمية على الإطلاق، بل هي صورة مطابقة لأفعال دول مثل المملكة العربية السعودية. إنها تثير التوترات الطائفية في المنطقة.
أوضحت صحيفة يومية مرتبطة بالنظام، في نقاش صحفي جرى في أكتوبر الماضي في إيران، أن «هجوم إسرائيل في 7 أكتوبر وتضحية الشعب الفلسطيني سمحا بحماية الجمهورية الإسلامية الإيرانية». يعبر هذا الموقف بشكل بسيط عن الدور الذي يسنده النظام لنضالات الشعوب والمنظمات التي يمولها. عندما اتخذت حركة حماس موقفاً ضد نظام الأسد في سوريا، خفضت جمهورية إيران الإسلامية التمويل المقدم للمنظمة الفلسطينية إلى النصف. هذه هي علاقة التبعية التي تقيمها جمهورية إيران الإسلامية مع الفصائل التي تمولها.
تغذي خطابات مؤيدي ترامب ونتنياهو وأمثالهم النزعة الاصطفافية والتآمرية، وتنكر قدرة شعوب إيران على تقرير مصيرها. إن الإفراط في تغطية الملكيين في وسائل الإعلام الغربية لا يؤدي إلا إلى تعزيز هذا النوع من المواقف.
النظام الإيراني، ديكتاتورية رأسمالية وثيوقراطية
ينكر الاصطفافيون الطبيعة الديكتاتورية لسلطة رجال الدين والطابع الدموي لقمعها. ينكرون الطابع الكارثي للوضع الاجتماعي والسياسي في البلد، وأن 60٪ من الإيرانيين والإيرانيات يعيشون تحت عتبة الفقر، ويتعرضون للاستغلال والقمع العنيف. أخيرًا، إن تفسير الاصطفافيين وانصار نظر ية المؤامرة لانتفاضات شعب ايران المتكررة بكونها موجهة عن بعد من قبل قوى أجنبية، إنكارٌ لتطلعات الشعب الايراني الاجتماعية والديمقراطية. إنهم يقفون إلى جانب جمهورية إيران الإسلامية، إلى جانب الأوليغارشية العسكرية-الثيوقراطية والجرائم التي ترتكبها منذ 47 عامًا.
تشترك الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع ترامب ونتنياهو والطبقات الحاكمة في الرغبة في سحق المطالب الاجتماعية والديمقراطية للشباب والنساء والأقليات القومية والعمال والعاملات في إيران.
محاربة التيار الملكي المؤيد للتدخل الأمريكي
لم يؤدِ أي تدخل إمبريالي في أي مكان إلى حل تحرري. يكفي أن ننظر إلى الوضع الحالي في العراق وليبيا وأفغانستان. علاوة على ذلك، تسببت عمليات القصف يونيو الماضي في توقف التحركات الاجتماعية الجارية، وأتاحت لجمهورية إيران الإسلامية تشديد قمعها ضد المناضلين/ت.
موقف الملكيين استمرار لموقف السلطة الملكية التي أطاحت بها ثورة 1979. كانت هذه الأخيرة حارس الولايات المتحدة في المنطقة، وتدافع عن مصالح الإمبريالية.
في المقابل، تمكن الشاه ورجاله من الاستيلاء على ثروات البلا وتكسبوا على حساب شعوب إيران. اتبعت الملكية الإيرانية سياسة استعمارية وفارسية كبرى ضد الشعوب الأخرى في إيران: الأكراد والبلوش والأذريون واللور والعرب.
كان هذا النظام ديكتاتوريًا. تم اعتقال المعارضين، خاصة من اليسار، وتعذيبهم، وإعدام بعضهم، ودفع آخرين إلى المنفى. ساهم الشاه الأخير بشكل كبير في صعود التيارات الأصولية والخميني. وهو مسؤول جزئياً عن الوضع الذي تمر به إيران حالياً.
لذلك، ليس من المستغرب أن يحظى الملكيون اليوم بموارد مالية ضخمة، وبتغطية إعلامية مفرطة. رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، له صلات سياسية بنتنياهو (الذي زاره في أبريل 2023) واليمين المتطرف الدولي (كان أحد المتحدثين في مؤتمر العمل السياسي المحافظ - CPAC لعام 2025). إنه ليس ديمقراطياً على الإطلاق. لديه رؤية مركزية ورأسية للسلطة. وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، هو نيوليبرالي معروف.
إن تحركاته الإعلامية، مثل تلك التي يقوم بها ترامب ونتنياهو، تساعد الملالي على تصوير قمع الانتفاضة على أنه صراع ضد المؤامرات الأجنبية.
وإذا كانت هناك هتافات مؤيدة لبهلوي في إيران نفسها - بعيدًا عن الأخبار المزيفة - فإن ذلك يعكس قبل كل شيء الفراغ السياسي الناتج عن القضاء على أجيال من المناضلين التقدميين وسجنهم، واليأس الذي يولده ذلك في جزء من السكان. لكن يجب ألاّ يحجب هذا حقيقة أن المتظاهرين كانوا يرددون بشكل جماعي شعارات ضد كل سلطة استبدادية، سواء كانت ملكية أو ملالية.
تطوير التضامن العالمي من أسفل
يجب علينا، بوجه الاصطفافية والاتجاهات المؤيدة للإمبريالية، أن نساند بنشاط النضالات من أسفل، والمناضلين/ت، والحركات الاجتماعية، والشبكات المناضلة والنقابية العديدة في إيران. علينا أن ندعم مطالب المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية التي يرفعها المناضلون/ت في الداخل. بالنسبة للأمميين والثوريين، لا يمكن أن تأتي تحرير شعوب إيران إلا من داخل البلد وبواسطة النضالات.
باباك كيا
نُشر في 21 يناير 2026 بواسطة A l’encontre
https://inprecor.fr/iran-une-terrible-repression
مجلات الأممية الرابعة
بالعربية
https://alomamia.org/
بالانكليزية
https://internationalviewpoint.org/
بالفرنسية
https://inprecor.fr/