مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

إيران : حرب الأربعين يوماً: التنافسات الإمبريالية والكوارث الاجتماعية

بقلم Sara Selami
Trump supervise l'opération Epic Fury à Mar-a-Lago, à Palm Beach, le 28 février 2028. © Maison Blanche / Daniel Torok
numéro

لا يزال وقف إطلاق النار القائم حالياً هشّاً، ومآله غير مؤكد. ويزداد هذا الغموض مع فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية. وتمثل حرب الأربعين يوماً، التي أطلقها في 28 فبراير/شباط التحالف الإسرائيلي-الأميركي، أحد أكثر الصراعات الرأسمالية حسماً في القرن الحادي والعشرين حتى الآن.

 

باتت تداعيات هذه الحرب تثقل بالفعل كاهل الشعوب، ولا سيما العاملات والعمال في إيران ولبنان، وفي عموم المنطقة وخارجها. فالأمر لا يتعلق بمجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل بصدمة عميقة وطويلة الأمد ستستمر آثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لسنوات عديدة.

ويلات الحرب

بدأت الحرب بقصف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب، حيث قُتل مائة وعشرون طفلاً وطفلة. كما استُهدفت مواقع عمل عديدة، من منشآت نفطية ومصافٍ ومصانع للبتروكيماويات والصلب ومحطات لتوليد الكهرباء، إلى الطرق والجسور والموانئ والمطارات والمستشفيات والمراكز العلمية والمدارس والجامعات والمعالم التاريخية والأحياء السكنية. وقد قُتل ما يقرب من ألفي مدني ومدنية، وأصيب عدة آلاف آخرين بجروح. وإلى جانب الضحايا المباشرين للقصف، أدى إغلاق العديد من مواقع الإنتاج إلى بطالة واسعة النطاق وانخفاض حاد في مداخيل ملايين الأسر العمالية.

كما وجهت هذه الحرب ضربة جديدة وقاسية للقدرة الشرائية لغالبية السكان. ورغم استمرار تزويد الأسواق بالسلع الأساسية بشكل عام، فقد شهدت الأسعار، التي كانت أصلاً لا تُطاق قبل الحرب، ارتفاعاً إضافياً كبيراً.

وأدى القطع الواسع للإنترنت الذي فرضته الجمهورية الإسلامية إلى توجيه ضربة قاسية للمنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية والخدمات المتصلة بالشبكة، وهي قطاعات كانت توفر مصدر رزق لنحو 11 مليون شخص. ويجد قسم كبير من هؤلاء أنفسهم اليوم بلا موارد. وحتى في حال عودة الأوضاع إلى قدر من الاستقرار، قد تستغرق إعادة إعمار البلاد ما بين عشر وخمس عشرة سنة، في حين يُحتمل أن يبقى نحو مليوني شخص عاطلين عن العمل لفترة طويلة.

وعلى الصعيدين السياسي والاجتماعي، عززت الحرب الجهاز القمعي للنظام. فقد أتاح المناخ الأمني الذي أوجدته الحرب للسلطة تعليق الاحتجاجات الاجتماعية أو خنقها. كما اشتدت بصورة ملحوظة حملة القمع ضد النقابيين/ات والسجناء/ات السياسيين/ات والنشطاء/ت الاجتماعيين/ات. وأصبحت الإعدامات شبه يومية، فيما يُعتقل عشرات الأشخاص كل يوم.

ولم تؤدِّ الحرب والضربات التي استهدفت قمة هرم السلطة إلى انهيار النظام؛ بل على العكس، أتاحت له الحرب إعادة بناء قدر من التماسك الداخلي وتشديد قبضته على المجتمع أكثر من السابق.

وفي لبنان أيضاً، دمرت الغارات الإسرائيلية جنوب البلاد بالكامل، إضافة إلى جزء كبير من بيروت والبنية التحتية المدنية. وقد قُتل أكثر من 2500 شخص، وتفاقم الانهيار الاقتصادي المستمر منذ سنوات. وهناك كذلك فقد آلاف العمال والعاملات وظائفهم، فيما أدت موجات النزوح الواسعة إلى زيادة هشاشة الأوضاع المعيشية للأسر الشعبية.

أما العاملات والعمال المهاجرون الموجودون في لبنان، المحرومون من الحماية الاجتماعية، وغالباً من إمكانية التنقل أو العودة إلى بلدانهم، فقد تحملوا العبء الأكبر من آثار الحرب. وكما هو الحال في إيران، استُخدمت الحرب في مختلف أنحاء المنطقة ذريعةً لتعزيز الرقابة الأمنية، والحد من التعبئات الاجتماعية، وإضعاف القدرات التنظيمية الجماعية لعالم الشغل بشكل إضافي.

تداعيات دولية

لكن الآثار التدميرية لهذه الحرب لا تقتصر على إيران ولبنان. فقد أدى امتداد الضربات العسكرية الإيرانية إلى بلدان جنوب الخليج إلى دفع آلاف العاملات والعمال نحو أوضاع أكثر هشاشة. وإلى جانب الضحايا الذين سقطوا تحت القصف، فقد العديد من العاملات والعمال المهاجرين – المحرومين أصلاً من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية – وظائفهم وتُركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم.

وعلى الصعيد العالمي، فاقمت هذه الحرب أزمة الطاقة وسرّعت وتيرة التضخم. وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى شلل كبير لا يقتصر أثره على تدفقات النفط والغاز العالمية، بل يمتد أيضاً إلى تجارة المواد الغذائية والأسمدة. فحوالي ثلث التجارة العالمية للمواد الأولية المخصصة للزراعة يمر عبر مضيق هرمز. وقد حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع ما يصل إلى 45 مليون شخص إضافي إلى حالة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ويقع ما يقرب من ثلثي هؤلاء في أفريقيا وآسيا، ولا سيما في البلدان الأكثر فقراً والأشد تبعية، مثل النيجر وتشاد ومالي والسودان والصومال وإثيوبيا.

وفي نيجيريا، على سبيل المثال، ارتفع سعر الوقود بأكثر من 60%، وكادت تكاليف النقل أن تتضاعف، مما أدى مباشرة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز قد يدفعان أكثر من 30 مليون شخص مجدداً إلى براثن الفقر المدقع.

كما تنتقل زيادة أسعار الطاقة مباشرة إلى مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي. ففي بلدان مثل الهند وتركيا ومصر وباكستان وسريلانكا، تعاني الشعوب بالفعل من ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، ومن تضخم تكاليف النقل وتراجع قيمة العملات الوطنية. وباختصار، فإن تداعيات هذه الحرب تؤدي إلى إفقار الطبقة العاملة على نطاق عالمي.

إسرائيل وإيران: تنافس إقليمي

إذا أردنا فهم جذور الصراع الإسرائيلي-الإيراني، فعلينا أولاً تجنب خلط شائع. صحيح أن التدمير الواسع للبنية التحتية المدنية في إيران يذكّر بما نشهده في لبنان، وبصورة أكبر في غزة. فهناك العنف المفرط نفسه، والقصف واسع النطاق، وتدمير البنى التحتية الصناعية والطبية والطاقة واللوجستية، فضلاً عن المساكن. غير أن هذا التشابه في أشكال التدمير والمجازر التي تطال المدنيين لا يعني أن الحرب الإسرائيلية على إيران تحمل الطبيعة السياسية نفسها التي تحملها الحروب ضد جيرانها.

خصوصية الحالة الإيرانية

ولا يكمن الفرق فقط في دور الولايات المتحدة. ففي لبنان وفلسطين لا تتدخل الولايات المتحدة مباشرة على الصعيد العسكري؛ فهي تسلّح إسرائيل وتمولها وتحميها، وتترك لها هامش التحرك وفق أهدافها الخاصة. أما في الحالة الإيرانية، فإن الانخراط الأميركي مباشر. فالولايات المتحدة هي التي تحدد الإطار العام للصراع وأولوياته وحدوده وجدوله الزمني، بينما تعمل إسرائيل إلى حد بعيد كشريك وذراع استراتيجية.

لكن الاختلاف الجوهري هو بالأساس سياسي وتاريخي. فالحروب التي تشنها إسرائيل في فلسطين – وخاصة في غزة – تندرج ضمن منطق استعماري-ترابي طويل الأمد. يتعلق الأمر باستعمار استيطاني يقوم على الاستيلاء على الأرض واحتلالها وتوسيع الحدود وإعادة تشكيل التركيبة السكانية والتطهير العرقي، وصولاً إلى الإبادة الجماعية. أما في لبنان، فتسود بالأساس مقاربة أمنية-ترابية، خصوصاً في المناطق الحدودية.

صراع من أجل الهيمنة الإقليمية

في حالة إيران، لا يتعلق الأمر بحرب استعمارية ولا بمشروع احتلال للأراضي. فإيران وإسرائيل لا تتقاسمان حدوداً مشتركة ولا تتنازعان على إقليم معين. إننا أمام تنافس بين قوتين إقليميتين متنافستين.

يسعى كل طرف إلى منع الآخر من فرض هيمنته على الشرق الأوسط. فتعزيز نفوذ أحدهما يتم بالضرورة على حساب الآخر. ولذلك يدور جوهر الصراع حول مكانة كل منهما في النظام الإقليمي، وحول القدرة على تحديد قواعد اللعبة السياسية والأمنية والاستراتيجية في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، يتمثل الهدف الأساسي لإسرائيل تجاه إيران في إضعاف القدرات الاستراتيجية لمنافسها على المدى الطويل، بل وربما تدميره. ويشمل ذلك التدمير الواسع للبنية التحتية الإيرانية، ليس فقط العسكرية، بل أيضاً الصناعية والتكنولوجية والعلمية واللوجستية، وحتى الطبية والتعليمية والسكنية. فالغاية هي تقليص القوة البنيوية للخصم.

ومن جهتها، تستخدم إيران أيضاً، في حدود قدراتها العسكرية، استراتيجية تستهدف البنى التحتية، ليس العسكرية فقط بل المدنية أيضاً. وهنا كذلك يتمثل الهدف في استنزاف قدرات الطرف المقابل.

وبعبارة أخرى، تستهدف الحرب الإسرائيلية ضد إيران تحييد قوة إقليمية قادرة على التأثير في نظام شرق أوسطي يهيمن عليه المحور الأميركي-الإسرائيلي. وهذه المكانة التي تطالب بها إيران داخل النظام الإقليمي هي الخلفية الحقيقية للمواجهة.

ولا يمكن اختزال التنافس بين إيران وإسرائيل في سلسلة من الأزمات العسكرية الظرفية. بل ينبغي فهمه بوصفه تنافساً بنيوياً متعدد الأبعاد، متجذراً في التحولات الجيوسياسية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وفي انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية وإعادة التشكل التي عرفها الشرق الأوسط بعد ذلك. ففي ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب الإيرانية-العراقية، تعاونت إيران وإسرائيل، إذ كانت إسرائيل تبيع أسلحة للجمهورية الإسلامية. كما يُعتقد أن تدمير مفاعل أوزيراك النووي العراقي كان ثمرة تعاون بين أجهزتهما الاستخباراتية العسكرية.

ومنذ تأسيسها، بنت إسرائيل أمنها على ركيزتين أساسيتين: التفوق العسكري الدائم، والتحالف الاستراتيجي مع القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. فـ«مبرر وجودها» مرتبط بوجود بيئة إقليمية لا يستطيع فيها أي منافس بلوغ مستوى قوة مماثل.

في المقابل، عملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدريجياً على تطوير سياسة تهدف إلى بناء عمق استراتيجي في محيطها الإقليمي. ويتم ذلك عبر شبكة من التحالفات والنفوذ والامتدادات السياسية في عدد من بلدان المنطقة، فيما تسميه «محور المقاومة». وحتى في غياب مواجهة مباشرة ودائمة، فإننا نكون أمام تنافس طويل الأمد ومستدام.

البنية التحتية والطاقة والقوة

غير أن هذا التنافس لا يقتصر على البعد العسكري أو الأمني، بل يمتلك أيضاً بُعداً اقتصادياً وجيوسياسياً عميقاً، غالباً ما يكون أقل ظهوراً لكنه لا يقل أهمية.

ويُعدّ التحكم في طرق الطاقة والتجارة أحد أهم مجالات هذا التنافس. فبفضل موقعها في مضيق هرمز، تحتل إيران موقعاً محورياً في منظومة الأمن الطاقي العالمية. إذ يمر عبر هذا الممر جزء حاسم من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يمنح إيران ورقة ضغط جيوسياسية كبيرة، كما أظهر إغلاق المضيق منذ اندلاع الحرب.

أما إسرائيل، فقد عززت موقعها بفضل تطوير حقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهي تسعى إلى التحول إلى فاعل إقليمي رئيسي في مجال الطاقة من خلال شبكات جديدة لنقل الطاقة تربط البحر المتوسط بأوروبا والبلدان العربية.

وهكذا يتشكل فضاءان جيوسياسيان متميزان ومترابطان في الوقت نفسه: فمن جهة هناك الخليج الفارسي ومسارات النفط المرتبطة بالنفوذ الإيراني، ومن جهة أخرى شرق البحر المتوسط والمحاور الطاقية الجديدة المرتبطة بإسرائيل. وتتحول الطاقة هنا إلى أداة بنيوية من أدوات القوة والنفوذ.

الممرات التجارية والتنافس الجيوسياسي

وينطبق المنطق نفسه على الممرات التجارية. ففي السنوات الأخيرة، اكتسبت مشاريع الربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا أهمية جيوسياسية متزايدة. فهذه المسارات ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل تشكل جزءاً من التنافس على احتلال موقع القطب الرئيسي في التجارة العالمية.

وتسعى إيران إلى الحفاظ على دورها كجسر استراتيجي بين آسيا الوسطى والخليج العربي والقوقاز وغرب آسيا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يربط الهند وإيران وروسيا، وبصورة أوسع شمال أوروبا. وفي هذا المشروع تؤدي إيران دور جسر بري حقيقي يربط المحيط الهندي ببحر قزوين، ومنه إلى روسيا وأوروبا.

في المقابل، تسعى إسرائيل إلى الاندماج في شبكات عبور جديدة من خلال تعاونها مع عدد من البلدان العربية والغربية، عبر سلاسل لوجستية إقليمية تربط شرق المتوسط بالخليج، مع مشاريع للتعاون في الموانئ والنقل البحري والربط الرقمي (وذلك في إطار اتفاقيات أبراهام). كما يندرج ضمن هذا التوجه الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، الذي يُفترض أن يربط الهند بموانئ الخليج، ثم يعبر السعودية والأردن وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية مثل حيفا، قبل أن يمتد نحو أوروبا عبر البحر المتوسط.

وبذلك تصبح المنافسة على رسم خريطة التجارة العالمية منافسةً على النفوذ للقوة الإقليمية.

نمطان مختلفان للاندماج في الاقتصاد العالمي

يضاف إلى ذلك اختلاف جوهري في نمط اندماج كل من البلدين في الاقتصاد العالمي. فإسرائيل مندمجة بعمق في الاقتصاد الغربي وفي النظام المالي الدولي، وتستفيد بالكامل من تدفقات رؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا والابتكار والتجارة العالمية.

أما إيران، فتعمل في المقابل في ظل نظام واسع من العقوبات الاقتصادية. ولذلك تتجه بصورة أكبر نحو اقتصادات غير غربية، وإلى بلدان الجنوب العالمي، وإلى شبكات تجارية موازية ومسالك بديلة للالتفاف على العقوبات. وقد أصبح هذا الالتفاف على العقوبات بحد ذاته نشاطاً اقتصادياً قائماً.

ومن ثمّ، فإن الصراع لا يدور فقط حول الصواريخ أو الأمن أو النفوذ العسكري، بل يتعلق أيضاً بالمكانة التي يسعى كل طرف إلى احتلالها داخل النظام الاقتصادي العالمي.

الولايات المتحدة في مواجهة إيران

السعي الإيراني إلى القوة الإقليمية

عند الحديث عن الصراع الأميركي-الإيراني، ينبغي أولاً التذكير بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوة إقليمية قادرة على ممارسة نفوذ يتجاوز بكثير محيطها المباشر. غير أن هدفها الرئيسي لا يقتصر على الوجود كقوة مستقلة، بل يتمثل في الحصول على موقع مهيمن ومعترف به ومستقر داخل البنية الإقليمية للسلطة، وفق شروطها الخاصة.

وبعبارة أخرى، فإن الدولة الإيرانية – بوصفها ممثلة للرأسمالية الإيرانية – لا تنظر إلى نفسها كقوة طرفية. فالبورجوازية الإيرانية تعتبر أن مساحة البلاد وعدد سكانها وموقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وقدراتها الصناعية وتقاليدها الدولتية العريقة، كلها عوامل تؤهلها طبيعياً لاحتلال موقع مركزي في النظام الإقليمي.

ولا يعود هذا التصور إلى عهد الجمهورية الإسلامية فقط، بل كان قائماً أيضاً في زمن الشاه، حين كانت إيران تحمل اللقب الفخري بكونها «دركي المنطقة». فالجمهورية الإسلامية لم تبتدع هذا الطموح، وإنما أعادت صياغته في سياق دولي جديد.

ومن ثم فإننا أمام منطق يسعى إلى الاندماج في النظام الإقليمي من موقع هيمني. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تهدف بالضرورة إلى إسقاط النظام القائم، بل إلى أن يُعترف بها كقوة مؤثرة ومحدِّدة لتوازناته، من دون خضوع أو تبعية، وأن تنال الحصة الأكبر من النفوذ.

غير أن الوصول الطبيعي إلى هذه المكانة لا يزال مغلقاً إلى حد كبير أمامها، لأن صعودها يمس مباشرة عدداً من ركائز النظام الإقليمي القائم: البنية الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، والأنظمة الملكية الحليفة للولايات المتحدة، والأهم من ذلك المكانة المركزية لإسرائيل.

فإسرائيل تتمتع بالفعل بوضع استثنائي بنيوي يتمثل في ضمان تفوقها العسكري، وتمتعها بحماية أميركية وأوروبية دائمة، واندماجها المميز في المنظومة الغربية، فضلاً عن قدر كبير من التسامح الدولي تجاه سياساتها للسيطرة الاستعمارية والجرائم التي ترتكبها بحق شعوب المنطقة.

وأمام هذا الانسداد، تسعى إيران إلى إيجاد وسائل أخرى لانتزاع هذا الاعتراف الاستراتيجي.

البرنامج النووي والعقوبات وموازين القوة

في حين كان نظام الشاه يسعى إلى تعزيز مكانة إيران من خلال الاندماج التقليدي في المعسكر الغربي – وفق نموذج يشبه إلى حد ما تجربة كوريا الجنوبية – اتجهت الجمهورية الإسلامية نحو منطق أقرب إلى تجارب مثل الهند أو جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري، حيث يُنظر إلى امتلاك القدرات النووية باعتباره أداة للحصول على الاعتراف الاستراتيجي. وبمعنى آخر، تصبح القدرة النووية وسيلة لفرض مكانة معينة في نظام دولي يرفض منحها طوعاً.

ويُضاف إلى ذلك بناء عمق استراتيجي إقليمي عبر شبكة من التحالفات، التي تُعرف غالباً باسم «محور المقاومة»، إلى جانب تطوير برنامج صاروخي يهدف إلى التأمين العسكري لهذا الطموح لقوة ذات نفوذ.

ولذلك لا يتعلق الأمر بمجرد استراتيجية دفاعية، بل بمشروع شامل لتأكيد القوة والنفوذ.

وفي الوقت نفسه، أدت أزمة الهيمنة الأميركية إلى بروز ظاهرة أخرى مهمة تمثلت في صعود قوى إقليمية جديدة. ففي الشرق الأوسط، أدى تعاظم دور تركيا والسعودية إلى تعدد مراكز التنافس، وجعل الصراع على الهيمنة الإقليمية أكثر تعقيداً. ومن ثم، لا تواجه إيران خصماً واحداً فقط، بل تتحرك داخل نظام إقليمي تسعى فيه عدة قوى في الوقت نفسه إلى فرض مركزيتها ونفوذها.

وفي هذا السياق، تصبح المواجهة مع الولايات المتحدة – بوصفها الضامن الرئيسي لهذا النظام الذي يرفض منح الجمهورية الإسلامية المكانة التي تطالب بها – مواجهة طويلة الأمد وشبه حتمية.

صراع ذو أبعاد عالمية

نحن هنا أمام مواجهة غير متكافئة بين قوة عالمية وقوة إقليمية. لكن آثارها تتجاوز بكثير حدود الشرق الأوسط. فالقضية الإيرانية تمس مباشرة مصداقية التحالفات الأميركية، كما تؤثر في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. ولذلك فإن الحرب الأميركية ضد إيران لا يمكن اعتبارها مجرد نزاع إقليمي، بل هي عامل يؤثر في التوازنات العالمية للقوى. وهذا البعد العالمي أقل وضوحاً في الصراع الإسرائيلي-الإيراني، حيث تواجه إسرائيل أساساً منافساً استراتيجياً مباشراً على المستوى الإقليمي.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن إيران تمثل شيئاً مختلفاً: إنها احتمال أن تتمكن دولة إقليمية من الاندماج في النظام العالمي وفق شروطها الخاصة، وبالاعتماد على قوتها الذاتية. وهذا تحديداً ما تعتبره واشنطن أمراً غير مقبول.

فإذا كان الهدف الإسرائيلي يتمثل أساساً في إضعاف القوة الإيرانية – أو حتى تدميرها – فإن الهدف الأميركي مختلف نسبياً. فالولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى القضاء الكامل على قوة إيران، بل إلى احتوائها: أي السماح لها بأن تكون مؤثرة، لكن من دون أن تصبح قوة مهيكلة قادرة على إعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفق رؤيتها الخاصة.

ومع ذلك، ففي الحالتين – الأميركية والإسرائيلية – يبقى الهدف واحداً: تحييد قدرة إيران على التحول إلى قوة مستقلة ومؤثرة. ولا تقتصر الوسائل المستخدمة، سواء من قبل الولايات المتحدة أو من دولة إسرائيل، على الضغط العسكري المباشر، بل تشمل أيضاً تدمير أو إضعاف مختلف مقومات القوة الإيرانية، فضلاً عن الحرب الاقتصادية الدائمة عبر العقوبات البنيوية.

فالعقوبات هنا ليست مجرد أداة عقابية، بل وسيلة لمنع دولة ما من تحويل إمكاناتها الكامنة إلى قوة فعلية.

ولهذا السبب، لا يمكن فهم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من خلال اختزاله في ملف البرنامج النووي. إنه صراع أعمق بكثير يتعلق بالتراتبية الإقليمية، وبالبروز كقوة، وبإمكانية وصول قوة إقليمية مثل إيران إلى موقع فاعل ومؤثر في النظام الدولي من دون المرور عبر البوابة الأميركية أو الحصول على موافقتها.

الصين والقضية الإيرانية

عند تناول الدور الصيني في الصراع المحيط بإيران، ينبغي الانطلاق من ملاحظة أساسية: فمع صعود الصين واحتمال عودة روسيا إلى موقع أكثر تأثيراً، لم تعد إيران مجرد قضية إقليمية، بل أصبحت تدريجياً طرفاً محتملاً في عملية أوسع لإعادة التوازن داخل النظام الدولي.

الرهان الطاقي

من وجهة نظر الصين، تُعد إيران شريكاً جيو-اقتصادياً مهماً، ولا سيما في مجال الطاقة. فالصين تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. ورغم أن صادرات النفط الإيرانية إلى الصين تبقى أقل بكثير من صادرات السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، فإن إيران تظل فاعلاً أساسياً في الأمن الطاقي الصيني، بحكم موقعها الاستراتيجي في الخليج ومضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة الصينية.

صحيح أن النفط الإيراني لا يشكل سوى نحو 12 إلى 13% من واردات الصين النفطية المنقولة بحراً، رغم أن الصين تستوعب ما بين 80 و90% من الصادرات النفطية الإيرانية التي تُباع بأسعار مخفضة بسبب العقوبات. غير أن الأهمية الاستراتيجية لإيران بالنسبة لبكين ترتبط أساساً بدورها المحوري في تأمين طرق الطاقة في الخليج.

ولذلك تتجلى مصلحة الصين المباشرة في تجنب انهيار الدولة الإيرانية – أياً كان شكل النظام القائم فيها، ما دام يحتفظ بعلاقة شراكة معها – كما في الحيلولة دون فرض هيمنة أميركية كاملة على هذه المنطقة.

المسارات الأوراسية

إلى جانب ذلك، هناك البعد الأوراسي. فإيران تحتل موقعاً جغرافياً محورياً عند تقاطع عدة فضاءات استراتيجية كبرى: الخليج الفارسي، وآسيا الوسطى، والقوقاز، والمحيط الهندي، والممرات البرية الأوراسية الكبرى. وضمن منطق «طرق الحرير الجديدة»، تكتسي هذه المكانة أهمية بالغة. فبدون الاستقرار في إيران تصبح أجزاء مهمة من هذه الروابط والممرات عرضة للهشاشة أو عدم اليقين.

رفض النزعة التدخلية الأميركية

وأخيراً، هناك بُعد سياسي واستراتيجي أوسع. فالصين لا تسعى بالضرورة إلى «الدفاع» عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حد ذاتها، لكنها ترفض أن يصبح تغيير الأنظمة من الخارج، وخاصة من قبل الولايات المتحدة، قاعدة أو معياراً في العلاقات الدولية. فمن وجهة نظرها، من شأن ذلك أن يعزز شرعية النزعة التدخلية الأميركية على الصعيد العالمي.

الصين والولايات المتحدة والتوازن العالمي

وهناك أيضاً مفارقة مهمة. فالحرب الطويلة ضد إيران قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى إضعاف الموقع الأميركي في مواجهة الصين بصورة غير مباشرة. ذلك أن مثل هذا النزاع يستهلك موارد عسكرية كبيرة، ويستنزف المخزونات الاستراتيجية، ويحوّل اهتمام الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط، ويحدّ من قدرتها على تركيز جهودها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما فيما يتعلق بقضية تايوان.

ومن هذا المنظور، فإن ضرب إيران أو احتواءها قد يفضي إلى نتائج متناقضة: فمن جهة يمكن أن يضعف منافساً إقليمياً، لكنه قد يعزز بصورة غير مباشرة الموقع الاستراتيجي للصين.

في نهاية المطاف، فإن إدارة الملف الإيراني تتجاوز بكثير حدود الشرق الأوسط، إذ تؤثر مباشرة في التوازن القائم بين الولايات المتحدة والصين.

خاتمة

في المحصلة، لا يمكن فهم الحرب ضد إيران باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولا حتى كأزمة إقليمية محضة. فهي تندرج ضمن منظومة أوسع بكثير من التنافسات البنيوية المرتبطة، في آن واحد، بتحديد ليس فقط معالم «النظام الإقليمي» في الشرق الأوسط، بل معالم التطورات التي يعرفها «النظام العالمي» المعاصر.

يعبّر الصراع الإسرائيلي-الإيراني أولاً عن صراع من أجل الهيمنة الإقليمية. فهو مواجهة بين قوتين تسعى كل منهما إلى منع الأخرى من التحول إلى المركز المنظم للشرق الأوسط. وفي هذا السياق، لا يهدف تدمير البنى التحتية المدنية أو الصناعية أو العلمية إلى تحقيق غايات عسكرية فورية فحسب، بل يندرج ضمن استراتيجية أشمل ترمي إلى تحييد قدرات الخصم على ممارسة القوة بصورة دائمة.

وفي الوقت نفسه، يتجاوز الصراع بين الولايات المتحدة وإيران هذا البعد الإقليمي إلى مدى أبعد. فهو يضع قوة عالمية تسعى إلى الحفاظ على «نظام دولي» هرمي في مواجهة قوة إقليمية تحاول الارتقاء داخله وفق شروطها الخاصة. وهكذا تتحول القضية الإيرانية إلى نقطة تلتقي عندها عدة ديناميات: أزمة الهيمنة الأميركية، وصعود قوى إقليمية جديدة مثل تركيا والسعودية، والتشكل التدريجي لعالم متعدد الأقطاب يتزايد فيه دور الصين مع احتمال عودة روسيا إلى موقع أكثر تأثيراً.

وفي هذا الإطار، لا يشكل الاقتصاد مجالاً منفصلاً عن الحرب، بل على العكس من ذلك، تصبح طرق الطاقة والممرات التجارية والعقوبات وإمكانية الوصول إلى رؤوس الأموال الدولية والتكنولوجيا أدوات مباشرة من أدوات القوة. ولذلك فإن الصراع حول مكانة إيران في النظام الإقليمي هو أيضاً صراع حول موقعها في الاقتصاد العالمي.

غير أن الأهم من كل ذلك هو أن الطبقة العاملة والفئات الكادحة هي التي تتحمل الكلفة الرئيسية لهذه الصراعات. ففي إيران ولبنان وبلدان الخليج، وكذلك في أفريقيا وآسيا وخارجها، تعني الحرب الدمار والبطالة والتضخم والندرة وتفاقم القمع والهشاشة الاجتماعية. والعاملات والعمال هم الضحايا الأوائل، إذ يفقدون وظائفهم، ويتحملون ارتفاع الأسعار، ويتعرضون مباشرة لعنف الحروب، بينما تتراجع قدرتهم على التنظيم الجماعي أكثر فأكثر في سياق يتسم بالعسكرة وتشديد الرقابة السياسية وتصاعد القمع.

تسلط هذه الحرب الضوء على حقيقة ثابتة في الرأسمالية المعاصرة: فالصراعات بين القوى ليست أبداً مجرد ألعاب جيوسياسية مجردة، بل تترجم دائماً إلى تكثيف للاستغلال الاجتماعي وتفاقم البؤس بالنسبة إلى الجماهير الكادحة. فخلف الخطابات حول الأمن والسيادة والاستقرار، نجد في الواقع علاقات قوة إمبريالية تعيد رسم معالم المنطقة بثمن باهظ من الدمار المستدام والواسع النطاق.

ومن ثم فإن فهم هذه الحرب يقتضي إدراجها ضمن المنطق العميق للتنافس على القوة والهيمنة والسيطرة على الموارد، مع إبقاء حقيقة أساسية في صلب التحليل: وهي أن الشعوب، وفي مقدمتها العاملات والعمال، هي التي تدفع الثمن.

وأخيراً، ينبغي التذكير بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية – وبصورة أوسع الرأسمالية الإيرانية التي تديرها – ليست ضحية سلبية لهذه البنية الحربية. فهي طرف فاعل فيها بالكامل، منخرط في منطق خاص به يقوم على تعزيز القوة وترسيخ السيطرة الداخلية وتوسيع النفوذ الإقليمي.

لذلك لا يمكن اختزال مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة في مجرد «مقاومة» بالمعنى الأخلاقي أو السياسي للكلمة. فالأمر لا يتعلق فقط برد فعل على ظلم خارجي أو على حرب مفروضة، بل هو أيضاً سياسة دولة تنتهجها طبقة حاكمة تقمع سكانها، وتستثمر الصراعات الخارجية لتعزيز موقعها الخارجي وإحكام سيطرتها الداخلية، وتسعى بدورها إلى فرض مكانتها في التراتبية الإقليمية والعالمية.

 

يوم 28 أبريل/نيسان 2026.