مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

أطروحات حول أزمة مضيق تايوان وحق تقرير المصير التايواني

بقلم Worker Democracy

افتتاحية لمجلة "الديمقراطية العمالية" Worker Democracy (https://workerdemo-hk.com/)، وهي مجلة اشتراكية صينية. الترجمة الإنجليزية أُنجزت من طرف المؤلفين.

 

الحقوق التاريخية للشعب التايواني


لقد شكّل تاريخ استعمار تايوان، منذ عام 1895 إلى غاية نظام الحزب الواحد لحزب الكيومينتانغ (KMT) من 1945 إلى 1996، هويةً وتجربةً تايوانيتين متميزتين عن تلك الخاصة بالصينيين والصينيات في الصين القارية. كما منح هذا السياق التايوانيين والتايوانيات، الذين تعرّضوا للاضطهاد لأكثر من قرن (من طرف الأنظمة اليابانية والقارية)، الحق في تقرير مصيرهم بشكل ديمقراطي، بما في ذلك علاقاتهم مع الصين القارية.

 

أسطورة «الصين الواحدة»


حتى اليوم، لا يزال الاسم الرسمي للدولة التايوانية هو «جمهورية الصين» (ROC). في الواقع، يوجد اليوم حكومتان «صينيتان»، رغم أن حكومة بكينجمهورية الصين الشعبية (RPC) – ترفض الاعتراف بهذه الحقيقة. ومع ذلك، فإن العديد من السكان الأصليين (الذين وصل أسلافهم إلى تايوان قبل الاستعمار الياباني) يعارضون تسمية «جمهورية الصين» ويطالبون باستقلال تايوان. لذلك، نرى أن للشعب التايواني الحق أيضًا في تقرير اسم بلده.

كما تُظهر البيانات المشتركة الثلاثة بين الولايات المتحدة والصين بشأن مسألة سيادة تايوان، فإن أياً من الطرفين لا يحترم رغبات الشعب التايواني. فكلاهما ينتهك أبسط المبادئ الديمقراطية. تدّعي الصين بأن الطرفين قد اتفقا على أن «سيادة تايوان تعود إلى جمهورية الصين الشعبية». غير أن النص والتوضيحات التي قدّمتها الولايات المتحدة لاحقًا تُظهر بوضوح أن هذه الأخيرة «تُدرك فقط أن جانبي مضيق تايوان يعتبران تايوان جزءًا من الصين»، وليس أن «تايوان تعود إلى جمهورية الصين الشعبية». والموقفان مختلفان. بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة سنة 1979، اعترفت الولايات المتحدة بأن جمهورية الصين الشعبية تمثل «الصين». ومع ذلك، لم تغيّر بشكل جوهري موقفها من مسألة السيادة على تايوان.

وبالتالي، فإن الولايات المتحدة والصين تختلفان حول هذه القضية. ومع ذلك، وبعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان، مما دفع دولًا أخرى إلى قطع علاقاتها مع جمهورية الصين والتقارب مع بكين. وقد تراجعت العلاقات الدولية لتايوان بشكل مستمر في مواجهة الصعود السريع للصين على الساحة العالمية. واليوم، لا تحتفظ تايوان بعلاقات دبلوماسية إلا مع أحد عشر بلدًا صغيرًا (أعضاء في الأمم المتحدة).

 

التطور التاريخي لجمهورية الصين الشعبية وجمهورية الصين
 

ينبغي، مع ذلك، النظر إلى وضع «تايوان» أو «جمهورية الصين» من وجهة نظر الشعب التايواني، وليس من وجهة نظر الحكومات الصينية أو الأمريكية أو غيرهما. كما يجب النظر إلى هذه المسألة بشكل مستقل، وفقًا للمبادئ الديمقراطية وعلى ضوء التاريخ السياسي لجانبي مضيق تايوان.

تأسست جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، بينما انسحب حزب الكيومينتانغ، المعروف بفساده وسلطويته، إلى تايوان. في ذلك الوقت، كانت الحركات المناهضة للاستعمار والتقدمية في جميع أنحاء العالم ترى في جمهورية الصين الشعبية رمزًا للتقدم الثوري. ولذلك، رفضت إلى حد كبير نظام تايبيه ودعمت إعادة توحيد تايوان ضمن جمهورية الصين الشعبية. غير أن معاملة جمهورية الصين الشعبية لسكانها أصبحت أكثر فأكثر رجعية، قبل عام 1979 ولكن خاصة بعده. في تايوان، انتهت دكتاتورية الحزب الواحد، ويتمتع السكان الآن بحقوق ديمقراطية أساسية، بما في ذلك حرية التظاهر ضد ظلم الحكومة (وهو أمر غير موجود إطلاقًا في الصين القارية). وبالتالي، فإن العلاقات السياسية بين ضفتي المضيق اليوم مختلفة جدًا عما كانت عليه في الماضي. وقد فقد حزب الكيومينتانغ السلطة في نهاية المطاف سنة 2000 تحت ضغط الحركات الجماهيرية خارج الحزب. وعليه، فإن إعادة توحيد تايوان عسكريًا تحت إشراف جمهورية الصين الشعبية لن تكون سوى دكتاتورية رجعية تستولي على ديمقراطية تمثيلية (رغم حدودها)، وتقضي على الحقوق السياسية الأساسية للشعب التايواني، وخاصة حقه في الاحتجاج الاجتماعي.

تاريخيًا، بدا أن الصين في الحقبة الماوية تسير في مسار مناهض للرأسمالية، بخلاف نظام الكيومينتانغ في تايوان الذي تطور نحو نظام رأسمالي سلطوي يعتمد بشكل كبير على الغرب. لكن مناهضة الرأسمالية لا تؤدي دائمًا إلى انتقال مستمر نحو الاشتراكية. فقد تحولت جمهورية الصين الشعبية بالفعل إلى نظام تحكمه زُمرَة ذات امتيازات من البيروقراطيين، لا تخدم سوى مصالحها الخاصة وتتسبب في موت ومعاناة عشرات الملايين من الناس. ومع إعادة إرساء الرأسمالية بشكل كامل في جمهورية الصين الشعبية منذ عهد دنغ شياو بينغ، أصبح النظامان على ضفتي مضيق تايوان متشابهان من حيث طابعهما الطبقي، أي رأسماليان. ولم يعد بالإمكان القول إن النظام الصيني أكثر تقدمية من نظيره في تايوان. ويضاف إلى ذلك أن جمهورية الصين الشعبية أصبحت أكثر شمولية؛ وبالتالي فإن غزو تايوان والسيطرة عليها عسكريًا من قبل هذا النظام لن يمثل أي تقدم. فضلًا عن أن جمهورية الصين الشعبية تتجاهل تطلعات الشعب التايواني، مرتكبة بذلك الخطيئة الأساسية المتمثلة في أمة كبيرة تضطهد أمة أصغر.

داخل المجتمع الدولي، يعتبر بعضهم أزمة مضيق تايوان مجرد حرب بالوكالة في صراع الهيمنة بين الولايات المتحدة والصين. ومن هذا المنظور، لا تكتسب تايوان أهمية إلا في سياق جيوسياسي، تمامًا كما لا يكون للمقبلات معنى إلا بالمقارنة مع الطبق الرئيسي. وبذلك يتم تجاهل رغبات تايوان. إنها رؤية إمبريالية لا ينبغي لأحد تبنيها، وإلا التخلي عن الحقوق المشروعة لـ23 مليون تايواني.

 

تصور الأمة الصينية لدى جمهورية الصين الشعبية
 

ينبع الموقف الشوفيني لجمهورية الصين الشعبية تجاه تايوان مباشرة من نظريتها حول «الأمة الصينية». فقد ورثت جمهورية الصين الشعبية ادعاء حزب الكيومينتانغ بأن «المجموعات الإثنية الخمس تشكل أمة واحدة»، ولا تعترف بحق الأقليات الإثنية في تقرير المصير. كما أنها لا تعترف بحق الأقليات القومية في الانفصال عن «الأمة الصينية» إذا تعرضت للاضطهاد بعد إدماجها. ويتجلى غرورها الشوفيني في الإغفال التام للسكان الأصليين في تايوان في وثائقها الرسمية. فهؤلاء السكان لا ينتمون إلى إثنية الهان، ولم يكونوا يومًا جزءًا من تصور الأمة الصينية. وبالتالي، فإن هذا الموقف يخون مبدأً تأسيسيًا للحزب الشيوعي الصيني (PCC) كان سائدًا حتى ثلاثينيات القرن العشرين، وهو «الاعتراف بحق الأقليات في الصين في تقرير المصير». في الواقع، كان الحزب الشيوعي التايواني يناضل من أجل استقلال تايوان قبل أن يقضي عليه حزب الكيومينتانغ. واليوم، لم تعد جمهورية الصين الشعبية تذكر هذا الجزء من تاريخها. كما أن هذا التصور للأمة الصينية لا يقل رجعية عن تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن «روسيا وأوكرانيا أمة واحدة» (وهو مبدأ استُخدم لتبرير غزو أوكرانيا من طرف روسيا). ويجب التصدي لهذين الادعاءين.

تتهم جمهورية الصين الشعبية التايوانيين بتغذية مشاعر «انفصالية». غير أن جمهورية الصين الشعبية لم تحكم تايوان قط، وقد حدث انفصال تايوان عن الصين منذ زمن بعيد. كما ينبغي التذكير بأن جمهورية الصين سبقت جمهورية الصين الشعبية، التي ظهرت بعد ذلك بـ38 سنة. وأيًا كانت زاوية النظر، فإن انفصال تايوان عن الصين هو حقيقة تاريخية. وإذا كانت جمهورية الصين الشعبية تعتبر التايوانيين حقًا «مواطنين أخوة»، فعليها أولًا الاعتراف بهذا التاريخ وهذه الحقيقة كأساس لأي حوار مع الحكومة التايوانية، بدل فرض أسطورة مفادها أن «تايوان تنتمي إلى الصين منذ العصور القديمة».

 

نوعان من الحركات السلمية


بناءً على ذلك، نعارض إعادة التوحيد المسلحة التي تدعو إليها جمهورية الصين الشعبية، وندعو إلى حوار بين الحكومتين. لقد انتخب الشعب التايواني الحزب الديمقراطي التقدمي(PDP). ومن ثم، إذا كانت جمهورية الصين الشعبية تحترم الرأي العام، فعليها أن تضع جانبًا غطرستها، وأن تُعطي الأولوية للمفاوضات الدبلوماسية، وأن تتخلى عن أي أفق لإعادة التوحيد بالقوة. ومع ذلك، لا يمكن لسكان ضفتي مضيق تايوان أن يأملوا بأن تتنازل جمهورية الصين الشعبية طوعًا، وعليهم الاستعداد لمثل هذا الوضع. يجب على الصينيين والصينيات في البرّ الرئيسي تعبئة حركة سلمية داخل المجتمع المدني، تدعو إلى الحوار عبر المضيق وتعارض إعادة التوحيد المسلحة. وعلى الرغم من أن مجال العمل الجماعي محدود في الصين القارية بسبب النظام الشمولي، فلا ينبغي نسيان وجود العديد من الطلبة وأعضاء المجتمعات الصينية والناطقة بالصينية في الخارج. يمكن للشتات أن يلعب دورًا حاسمًا في تطوير مثل هذه الحركة: فإذا نجحت هذه الأفكار في الترسخ داخل هذه المجتمعات، فقد تتمكن من كسر الحصار الإعلامي الذي تفرضه جمهورية الصين الشعبية وإثارة أفكار لدى من بقوا في البلاد.

هناك نوع من الحركات السلمية تحثّ التايوانيين والتايوانيات على عدم استفزاز جمهورية الصين الشعبية وعلى رفض الأسلحة الأمريكية، داعيًا إياهم إلى الصبر وانتظار سلام دائم. غير أن هذا التوجه لا يولي اهتمامًا كافيًا لكون النزعة الانتقامية لجمهورية الصين الشعبية غير مشروعة في جوهرها. كما أن مفهوم «الأمة الصينية ككل» أكثر خطأً، لأنه ينتهك المبدأ الأساسي القائل بأن من حق القوميات تحديد هويتها الخاصة، أو حق الأقليات القومية في تقرير المصير. وهذا الإطار لا يمثل سلامًا حقيقيًا، بل هو تكيّف بلا مبادئ مع الاستبداد والتوسعية الخاصة بجمهورية الصين الشعبية.

 

لماذا لتايوان الحق في الدفاع الشرعي عن النفس
 

إن إعادة توحيد تايوان بالقوة من طرف جمهورية الصين الشعبية ستكون حربًا غير عادلة، وغزوًا. وبالتالي، ورغم وجوب دعم الدعوات إلى السلام في تايوان اليوم، فإننا نقرّ أيضًا بأن تايوان أمة أضعف، مهددة من طرف جار أقوى يستخدم القوة. ومن ثم، إذا اختار الشعب التايواني الاستعداد للحرب وخوضها في حال نشوب نزاع، فإن له كامل الحق في ذلك. بالنسبة لأمة مضطهدة، لا يوجد أي تناقض مبدئي بين الدعوة إلى السلام والاستعداد للمقاومة. لتايوان الحق في شراء الأسلحة من دول أخرى، بما في ذلك قوى إمبريالية منافسة مثل الولايات المتحدة، من أجل الدفاع عن نفسها.

وبصفتنا أشخاصًا من خارج تايوان، فإننا نحترم القرار الديمقراطي للشعب التايواني، سواء اختار الاستعداد للحرب و/أو المقاومة. وينبع هذا الاحترام بشكل طبيعي من حق تايوان في تقرير المصير. ومع ذلك، فهذا لا يعني أننا، كمراقبين خارجيين، يجب أن نشجّع مباشرة تايوان على الاستعداد للحرب والمقاومة: فباعترافنا بحقها المبدئي في ذلك، نعترف أيضًا بحريتها في عدم ممارسته (على سبيل المثال، عدم الاستعداد للحرب أو عدم المقاومة، وقبول شروط جمهورية الصين الشعبية). يمكننا الاعتراف بحق تايوان في الاستعداد للحرب أو المقاومة أو شراء الأسلحة، دون أن نُقرّ بالضرورة بأن ممارسة هذا الحق ستكون دائمًا خيارًا حكيمًا. ومع ذلك، سواء كان قرار تايوان حكيمًا أم لا، يمكننا انتقاده مع التأكيد بوضوح على أن الشعب التايواني يجب أن يُعترف له بأهليته لاتخاذ هذه القرارات.

تظل هذه المبادئ الديمقراطية الأساسية قائمة حتى في حالة تغيير الحزب الحاكم. أيًّا كان الحزب الذي يصل إلى السلطة بعد الانتخابات، ما دامت هذه الانتخابات نزيهة حقًا، وما دام سلوكه في الحكم لا ينتهك سيادة الشعب التايواني وإرادته، يمكن اعتباره ممثلًا بدرجة ما للرأي العام، وله الحق في ممارسة، عند الضرورة، حقه في الاستعداد للحرب وفي تقرير المصير. وهذا لا يعني الاعتراف بأن قرارات الحزب الحاكم صحيحة دائمًا. فمن الممكن وجود «استبداد انتخابي»؛ وكما قال توماس باين، فإن الحكومة هي في أفضل الأحوال «شرٌّ لا بد منه». فالدولة، باعتبارها مؤسسة متخصصة في الإكراه والعنف، يمكن أن تتحول بسهولة إلى قوة استبدادية تنتهك إرادة الشعب. ويصبح الوضع أكثر خطورة عندما تتحالف سلطة الدولة مع تكتلات متعددة الجنسيات. ولهذا، يجب علينا الحذر من أي إساءة استخدام للسلطة من طرف الحكومة، والتأكيد على أن دعم الاستعداد للحرب من قبل حزب حاكم في مواجهة غزو خارجي لا يعني تقديم دعم سياسي لذلك الحزب. فهذان الجانبان يجب التعامل معهما بشكل منفصل.

من أجل السلام في شرق آسيا؛ ضد النزعة العسكرة الأمريكية
لكل شيء حدوده. أولًا، في هذه المرحلة، سيكون من الحكمة لتايوان إعطاء الأولوية للسلام والحوار غير المشروط، مع الاستعداد بشكل غير علني للمقاومة. ثانيًا، في مجال الدفاع الوطني، يجب على الحكومة أن تتحلى بضبط النفس، وأن تتجنب الإجراءات المفرطة، وأن تحترم الحقوق المدنية للسكان. كما لا ينبغي لها تأجيج قومية إقصائية أو الإساءة إلى الشعب الصيني، لأن ذلك قد يمنح جمهورية الصين الشعبية ذريعة لمزيد من تشويه نضالها. وأخيرًا، يجب أن تأخذ استراتيجية دفاع تايوان بعين الاعتبار البعد السياسي بنفس قدر البعد العسكري، وليس هذا الأخير فقط. فكلما عززت تايوان ديمقراطيتها وحمت سبل عيش سكانها أثناء استعدادها للحرب، كلما ازداد تأثيرها الثقافي على الساحة الدولية. وفي الصين، يوجد العديد من المتعاطفين المحتملين مع تايوان داخل المجتمع المدني، وكذلك داخل جهاز الحزب-الدولة، وحتى داخل الجيش. إن كسب دعم هذه العناصر، واستغلال الانقسامات داخل الحزب الناتجة عن الدكتاتورية الشخصية لشي جين بينغ، سيكون مفيدًا لحلفاء تايوان على المستويين الوطني والدولي.

على مستوى العلاقات الدولية، من الضروري أن نكون واعين بحدودنا. يجب علينا معارضة أي إنزال عسكري أمريكي في تايوان، وإنشاء مركز قيادة على الجزيرة، وأي محاولة لاستغلال الاستعدادات التايوانية للحرب لتبرير تطوير أسلحة نووية (كما حاول تشانغ كاي شيك في السابق). إن أي استعداد لحرب نووية قد يحوّل حرب دفاع عن النفس إلى صراع واسع بين الولايات المتحدة والصين. وفي مثل هذا الصراع، ستكون الأضرار التي تلحق بجزيرة تايوان مدمرة. لذلك، يجب أن تظل الاستعدادات الحربية لتايوان ضمن حدود معينة. ويجب أن نبقى يقظين تجاه أي مؤشر على تصعيد حرب دفاعية إلى عواقب أكثر كارثية. وإلا فإن التداعيات ستتجاوز مضيق تايوان وتمسّ مجموع شعوب شرق آسيا، التي لها أيضًا الحق في القلق بشأن أمنها. فعلى سبيل المثال، فإن سكان أوكيناوا في اليابان، الذين عانوا، إضافة إلى التجربة المريرة للحرب العالمية الثانية، من آثار القواعد العسكرية الأمريكية طوال ثمانية عقود، يناضلون من أجل السلام في آسيا ولهم كامل الحق في التعبير واتخاذ موقف أتجاه أزمة مضيق تايوان. كما نقرّ بأن العدوان الأمريكي تجاه الصين يستند إلى إرث طويل من كراهية الصين ويغذّيه، مستهدفًا المجتمعات الصينية وغيرها من المجتمعات الآسيوية. ولذلك، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى معارضة كل أشكال الإقصاء تجاه الشعب الصيني في نضال تايوان من أجل تقرير المصير.

 

التنافس الصيني-الأمريكي وحق تايوان في الدفاع الذاتي
 

يعارض بعض «السلميين» حق تايوان في الاستعداد للحرب وشراء الأسلحة من الخارج. وتنقسم حججهم إلى ثلاث مستويات رئيسية. تقوم الأولى على الرغبة في تجنب تصعيد التوترات بين الصين والولايات المتحدة بشأن تايوان، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد التنافس ما بين الإمبرياليات، بل وحتى إلى الحرب. وتُفسَّر الثانية برفض مطلق للهيمنة الأمريكية وللمنافسة العسكرية. أما الثالثة فترى أن الولايات المتحدة وحدها إمبريالية، وليس الصين، ولذلك تعارض الولايات المتحدة بينما تدعم الصين. لكل من هذه المواقف خصوصياته ومناطق غموضه، لكنها جميعًا تصل إلى النتيجة نفسها.

أولًا، نرى أنه من الضروري التمييز بين الدول القوية والدول الضعيفة. فالخلط بينهما مضلل بطبيعته. فبصفتها قوة مهيمنة، تُظهر الصين قوتها في مواجهة تايوان بوصفها دولة أضعف. إن التهديد بإعادة التوحيد بالقوة الذي تلوّح به الصين يُعدّ فعل ترهيب تجاه الأضعف ويجب مقاومته. ولا يمكن حرمان تايوان من حقها في الدفاع الشرعي عن النفس بذريعة احتمال تدخل أمريكي.

ثانيًا، يرى بعضهم أنه في التنافس الصيني-الأمريكي تمثل الولايات المتحدة تهديدًا أكبر من الصين. وبناءً على ذلك، فإن دعم بكين يعني عدم إمكانية دعم وجود تايوان ككيان سياسي في الوقت نفسه. غير أن الصين قوة نووية، وأكبر دولة تجارية في العالم، وثاني أكبر اقتصاد عالمي، وثاني دولة من حيث الإنفاق العسكري. فمن يستطيع أن يؤكد بيقين أن التهديد الذي تمثله الصين لشعوب العالم سيبقى دوما ضئيلاً؟ قد يكون الجيش الصيني أضعف من الجيش الأمريكي، لكن التهديد الذي يمثله، خاصة بالنسبة لتايوان، يظل حقيقيًا. كما ينبغي النظر إلى الجانب السياسي: فإذا كان ترامب سلطويًا وعدوانيًا، فإن الحركات الاجتماعية لا تزال قادرة على المساهمة في الحد من سلطته والدفاع عن مختلف آليات الضبط والتوازن المؤسساتية وغير المؤسساتية. أما في الصين، فقد تم بالفعل ترسيخ نظام سلطوي لا يترك إلا مجالًا ضيقًا للمعارضة، وأضيق من ذلك للمقاومة المنظمة. وإذا أطلق الرئيس الصيني شي حربًا، فلن يكون هناك من يوقفه، وسيكون من الأصعب بكثير أن تنشأ وتستمر الحركات السلمية في الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

تعارض المواقف الثلاثة المذكورة أعلاه، بدرجات متفاوتة، حق تايوان في الدفاع الذاتي بسبب احتمال تدخل أمريكي. غير أن هذا الطرح المبسط سطحي للغاية لفهم التعقيدات الدقيقة للجغرافيا السياسية، وخاصة العلاقات بين القوة الإمبريالية الأولى في العالم ونحو 200 دولة أخرى. وبصفتنا مدافعين عن الديمقراطية والسلام، فإننا نعارض أي دولة مهيمنة تنخرط في منافسة عسكرية. ومع ذلك، فإن العلاقات الدولية معقدة للغاية. ففي بعض اللحظات والأماكن، قد يتقاطع احتياج الدول الصغيرة إلى الدفاع الذاتي مع مصالح قوى إمبريالية مختلفة، وهو أمر ليس نادرًا. وفي هذا السياق، قد يكون شراء الدول الأضعف للأسلحة من قوة إمبريالية أخرى مفيدًا لتلك القوة. غير أن بقاء دولة أضعف في مواجهة حرب تقودها إمبريالية منافسة يشكل مكسبًا يعوّض، إلى حد ما، هذا الضرر.

وبالطبع، بالنسبة للولايات المتحدة والصين، تُعدّ الولايات المتحدة قوة إمبريالية أقوى من الصين. غير أنه بالنسبة للصين وتايوان، تكون الصين هي الأقوى وتُظهر تعاليًا تجاه عدد من بلدان جنوب شرق آسيا(وهو سلوك لا يختلف كثيرًا عن سلوك الولايات المتحدة). إن المواقف المذكورة أعلاه تركز فقط على مخاطر التنافس الصيني-الأمريكي، متجاهلة أن إعادة توحيد تايوان بالقوة من طرف الصين ستكون أيضًا كارثية على العالم. فإذا نجحت بكين في توحيد تايوان بالقوة، فإنها ستزداد جرأة على ترهيب دول صغيرة أخرى. وستعزز نزعاتها الإمبريالية، منافسةً الولايات المتحدة على الساحة الدولية، مما سيزيد من مخاطر حرب عالمية بدل تقليصها. لذلك، يجب معالجة هاتين المسألتين في آن واحد. فيما يتعلق بالتنافس الصيني-الأمريكي، نؤكد ضرورة معارضة المنافسة العسكرية بين البلدين. أما فيما يتعلق بسيطرة الصين على تايوان، فنواصل دعم حق تايوان في الدفاع الذاتي.

خلال الحرب العالمية الأولى، أشار لينين إلى أن روسيا القيصرية كانت خاضعة للإمبريالية البريطانية والفرنسية على الصعيد العالمي، بينما كانت في الوقت نفسه تشكل التهديد الرئيسي للأقليات القومية في أطرافها، مثل البولنديين. في تلك الفترة، كانت الحركات السلمية تعارض الهيمنة الأوروبية، كما كانت تكافح كل أشكال الشوفينية الروسية الكبرى في أطراف روسيا. إن مقاربتنا المزدوجة للتنافس بين الولايات المتحدة والصين وحق تايوان في الدفاع الذاتي تخدم الهدف نفسه. وهذا يعني أيضًا أننا ندعم جميع الحركات السلمية المحلية الأخرى التي تعارض استخدام تايوان من قبل الإمبريالية الأمريكية كذريعة لتصعيد المنافسة العسكرية. كما ندعم الحركات الشعبية المناهضة للحرب والسلمية في أوكيناوا وكوريا الجنوبية والفلبين والصين القارية. وندعو هذه الحركات في شرق آسيا إلى التدخل بنشاط والتنديد بأي ترهيب تمارسه الدول الكبرى ضد الدول الصغيرة في حال نشوب أزمة في مضيق تايوان.

 

استقلال قانوني أم فعلي؟
 

تايوان صغيرة جدًا (حوالي سدس مساحة أوكرانيا فقط) كي تُشعل حربا عسكرية كبرى، ناهيك عن حرب نووية و/أو طويلة الأمد. غير أن مناورة سياسية قد تزيد بالتأكيد من خطر نزاع مسلح: وذلك إذا تخلت تايوان عن اسم «جمهورية الصين» وأعلنت استقلالها رسميًا تحت اسم «جمهورية تايوان» (استقلال قانوني). ورغم أننا ندعم حق الشعب التايواني في تقرير المصير، بما في ذلك حق الاستقلال، فإنه سيكون من غير الحكمة المخاطرة بتصعيد خطير من خلال السعي إلى الاستقلال القانوني، بالنظر إلى اختلال ميزان القوى بين ضفتي مضيق تايوان. وإذا حافظ الحزب الديمقراطي التقدمي على اسم الدولة «جمهورية الصين»، مما يقلل من المبررات التي قد تستخدمها جمهورية الصين الشعبية لمتابعة إعادة التوحيد بالقوة، فإن فرص تايوان في كسب الدعم الدولي ستكون أكبر. وعلى الرغم من أن برنامج الحزب، «قرار حول مستقبل تايوان» (1999)، أعلن أن «جمهورية الصين أصبحت بحكم الواقع دولة ديمقراطية ذات سيادة ومستقلة»، فإن هذه السيادة لا تشمل الصين القارية (باستثناء الجزر الثلاث الصغيرة: بنغهو، كينمن، وماتسو). يبيّن هذا الموقف بوضوح أن الحزب لا يسعى إلى الاستقلال القانوني لتايوان، بل إلى الحفاظ على استقلالها الفعلي. كما يوضح أنه رغم أن اسم الدولة هو «جمهورية الصين»، فإن حدود تايوان قد استبعدت بالفعل الصين القارية؛ وبالتالي فإن هذه «الصين» لم تعد لها نزاعات إقليمية مع حكومة بكين.

دعم تقرير مصير تايوان مع معارضة التنافس الإمبريالي


رغم أن الولايات المتحدة تدافع ظاهريًا عن تايوان، فإنها لا تحترم فعليًا حق الشعب التايواني في تقرير المصير، ولهذا السبب انضمت إلى جمهورية الصين الشعبية في قمع استقلال تايوان. فهي في نهاية المطاف تحمي تايوان أساسًا من أجل مصالحها الخاصة، وليس من أجل الشعب التايواني. كما اعتمدت الولايات المتحدة سياسة «الغموض الاستراتيجي»؛ أي أنه لا يزال غير معروف ما إذا كانت ستتدخل فعلًا لمساعدة تايوان في حال اندلاع حرب بين ضفتي المضيق. تتيح لها هذه السياسة المضللة تعظيم مرونتها، مع ردع الطرفين عن اتخاذ خطوات متهورة، محققة بذلك هدفين في آن واحد. خلال الولاية الثانية لترامب، لم يكن وضع مضيق تايوان يومًا أكثر غموضًا وخطورة. إذ يحتل التنافس بين الولايات المتحدة والصين موقعًا متزايد الأهمية في الجغرافيا السياسية، وتُعد العلاقات بين ضفتي المضيق نقطة توتر رئيسية. هذا الوضع غير مواتٍ بشكل خاص لتايوان. في ظل هذه الظروف، تتحمل جميع دول شرق آسيا، باستثناء تايوان والولايات المتحدة، وكذلك مختلف الحركات السلمية، مسؤولية أكبر في أخذ المبادرة دعمًا لتايوان، حيث ينبغي البدء بالاعتراف بحقها في تقرير المصير.

تقع تايوان بين كماشة الولايات المتحدة والصين، وحتى لو اتبعت أفضل نهج ممكن، فمن الصعب ضمان ألا تدخل هاتان القوتان النوويتان في حرب. وسواء وُجدت تايوان أم لا، فإنه كلما بلغ التنافس الإمبريالي مستوى معينًا، زاد خطر الحرب النووية. ولهذا، يجب علينا، نحن النشطاء/الناشطات من أجل السلام في جميع أنحاء العالم، أن نكثف معارضتنا لهذا التنافس، وأن ندعو إلى نزع السلاح النووي عالميًا وتقليص التسلح بشكل شامل، بدءًا من الولايات المتحدة والصين وأوروبا، المتسببة في التنافسات العالمية.

يوم 22 يوليو/تموز 2025