
يقترح الماركسي ميخائيل لووي قراءة للقطيعات التي ميزت حبريّة البابا فرانسيس، ولا سيما التزامه تجاه الفقراء وحساسيته البيئية. هل كان بيرغوليو مجرد فاصلة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية المديد أم بداية توجه مغاير؟
مع وفاة خورخي بيرغوليو، البابا فرانسيس، تختفي شخصية استثنائية تميزت، في إيطاليا يحكمها فاشيون جدد وفي أوروبا تزداد رجعية، بالتزام أخلاقي واجتماعي وبيئي مفاجئ.
منذ أن ألقى بي الثاني عشر الحرم على الشيوعيين، لم يكن لليسار أن يتوقع من الفاتيكان سوى اللعنات. ألم يضطهد يوحنا بولس الثاني و راتزينغر اللاهوتيين التحرريين، متهمين إياهم باستخدام مفاهيم ماركسية؟ ألم يحاولا فرض «صمت مطيع» على ليوناردو بوف؟1 صحيح أن التيارات اليسارية كانت موجودة دائماً في الكاثوليكية منذ القرن التاسع عشر، لكنها لم تلقَ سوى عداء سلطات الفاتيكان. من ناحية أخرى، كانت التيارات الكهنوتية المنتقدة للرأسمالية عموماً رجعية إلى حد ما. وانتقد ماركس وإنجلز الاشتراكية الإقطاعية أو الكهنوتية في البيان الشيوعي، ووجدا أنها "غير قادرة على فهم مسار التاريخ الحديث"؛ لكنهما اعترفا في هذا المزيج "من أصداء الماضي وأصوات المستقبل " بوجود" نقد لاذع وذكي " يمكن أن" يضرب البرجوازية في صميمها".
يقترح ماكس فيبر تحليلاً أكثر عمومية للعلاقة بين الكنيسة ورأس المال: في أعماله حول علم اجتماع الأديان، يلاحظ «النفور العميق» (tiefe Abneigung) للأخلاق الكاثوليكية إزاء روح الرأسمالية، على الرغم من التكيفات والمساومات. هذه فرضية يجب أخذها في الاعتبار لفهم ما حدث في روما مع انتخاب البابا الأرجنتيني.
خورخي بيرغوليو، البابا فرانسيس
ماذا كان يمكن أن نتوقع من الكاردينال خورخي بيرغوليو، الذي انتُخب بابا أعظم في مارس 2013؟ طبعا، كان أمريكيًا لاتينيا، الأمر الذي شكل بالفعل تغييرًا جذريًا. لكنه انتُخب من قبل نفس المجمع الذي نصب المحافظ راتزينغر، وكان قادمًا من الأرجنتين، البلد الذي لا تشتهر الكنيسة فيه بتقدميتها، حيث تعاون العديد من كبار رجال الدين بنشاط مع دكتاتورية 1976 العسكرية الدموية. لم يكن هذا حال برغوليو: وفقًا لبعض الشهادات، فقد ساعد بعض الأشخاص الذين اضطهدتهم الطغمة العسكرية على الاختباء أو مغادرة البلد. لكنه مع ذلك لم يعارض النظام: يمكن أن نسمي ذلك «خطيئة تقصير». في حين أن بعض المسيحيين اليساريين، مثل الحائز على جائزة نوبل للسلام الأرجنتيني أدولفو بيريز إسكيفيل، دعموه دائمًا، اعتبره آخرون معارضًا يمينيًا لحكومة «البيرونيين اليساريين» نستور وكريستينا كيرشنر.
الخطوات الأولى
مهما يكن من أمر، بمجرد انتخابه بابا، تميز فرانسيس – اسم اختاره في إشارة إلى القديس فرنسيس، صديق الفقراء والطيور – بموقفه الشجاع والملتزم. إنه يذكرنا إلى حد ما بالبابا رونكالي، يوحنا الثالث والعشرون، الذي انتُخب «بابا انتقاليا» لضمان الاستمرارية والتقاليد، لكنه أطلق التغيير الأعمق في الكنيسة منذ قرون: المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965). وكان بيرغوليو قد فكر في البداية في اتخاذ اسم يوحنا الرابع والعشرون، تكريماً لسلفه في الستينيات.
كان أول سفر للبابا الجديد خارج روما في يوليو 2013، إلى ميناء لامبيدوزا الإيطالي، حيث كان مئات المهاجرين غير الشرعيين يصلون، بينما غرق الكثيرون في البحر الأبيض المتوسط. في عظته2، لم يخشَ البابا معارضة الحكومة الإيطالية - وجزء كبير من الرأي العام - عندما ندد بـ ”عولمة اللامبالاة“ التي تجعلنا "غير مبالين بصرخات الآخرين "، أي مصير "المهاجرين الذين ماتوا في البحر، في تلك القوارب التي، بدلاً من أن تكون طريقاً للأمل، كانت طريقاً للموت". وعاد بعد ذلك مراراً إلى انتقاده لعدم إنسانية السياسة الأوروبية إزاء المهاجرين.
و حدث تغيير ملحوظ أيضًا فيما يتعلق بأمريكا اللاتينية. ففي سبتمبر 2013، التقى فرانسيس بغوستافو غوتيريز3، مؤسس لاهوت التحرير، ونشرت صحيفة الفاتيكان اليومية Osservatore Romano لأول مرة مقالًا مؤيدًا لهذا المفكر. وكان من بين الإيماءات الرمزية الأخرى تطويب 4 ثم تقديس المطران السلفادوري أوسكار روميرو، الذي اغتاله الجيش في عام 1980 لأنه ندد بالقمع المعادي للشعب، وهو بطل يحتفي به اليسار الكاثوليكي في أمريكا اللاتينية، لكن الباباوات السابقون تجاهلوه. وأشاد بيرغوليو ، في أثناء زيارته إلى بوليفيا في يوليو 2015، بشدة وبحماس بذكرى رفيقه اليسوعي لويس إسبينال كامبس، الكاهن التبشيري والشاعر والمخرج الإسباني الذي اغتيل في 21 مارس 1980، في عهد ديكتاتورية لويس غارسيا ميزا، بسبب التزامه في النضال الاجتماعي. خلال لقائه مع إيفو موراليس، قدم له الرئيس البوليفي الاشتراكي منحوتة صنعها الشهيد اليسوعي: صليب موضوع على منجل ومطرقة خشبية...
”روث الشيطان“
شارك فرانسيس، إبان زيارته إلى بوليفيا، في لقاء عالمي للحركات الاجتماعية في مدينة سانتا كروز. يبرز خطابه في هذه المناسبة ”الكره العميق“ للرأسمالية الذي تحدث عنه ماكس فيبر، ولكن بدرجة لم يصل إليها أي من أسلافه. فيما يلي مقطع شهير من خطابه5:
" إننا نعاقب الأرض والشعوب والأشخاص بطريقة تكاد تكون وحشية. ووراء كل هذا الألم والموت والدمار، نستطيع أن نشم رائحة ما أسماه باسيليوس القسري – أحد أوائل اللاهوتيين في الكنيسة – «روث الشيطان»؛ الرغبة الجامحة في المال الذي يتحكم في كل شيء. هذا هو «روث الشيطان». خدمة الصالح العام أصبحت مهملة. عندما يُرفع رأس المال إلى مقام أيقونة ويحكم كل خيارات البشر، عندما يوجه الجشع للمال كل النظام الاجتماعي والاقتصادي، فإن ذلك يدمر المجتمع، ويدين الإنسان، ويحوله إلى عبد، ويدمر الأخوة بين البشر، ويضع الشعوب في تعارض بعضها بعضًا، وكما نرى، حتى أنه يعرض للخطر بيتنا المشترك، اختنا و أمنا الأرض".
كما كان متوقعًا، قوبل نهج فرانسيس بمقاومة كبيرة في القطاعات الأشد تحفظًا في الكنيسة. كان أحد أبرز المعارضين الكاردينال الأمريكي رايموند بيرك، المؤيد المتحمس لدونالد ترامب، الذي التقى أيضًا، في إلى إيطاليا، ماتيو سالفيني، زعيم رابطة الشمال. وقد اتهم بعض هؤلاء المعارضين البابا الجديد بأنه زنديق، بل وحتى... ماركسي متنكر.
عندما وصفه راش لينباوغ، الصحفي الكاثوليكي الرجعي الأمريكي ، بأنه ”بابا ماركسي“، رد فرانسيس برفض هذا الوصف بأدب، مضيفًا أنه لا يشعر بالإهانة لأنه "التقى بالعديد من الماركسيين الذين كانوا أناسًا طيبين". فعلا، في عام 2014، استقبل البابا في مكتبه اثنين من أبرز ممثلي اليسار الأوروبي: أليكسيس تسيبراس، الذي كان آنذاك زعيم المعارضة في حكومة أثينا اليمينية، ووالتر باير، منسق شبكة Transform، التي شكلتها مؤسسات ثقافية مرتبطة بحزب اليسار الأوروبي (مثل مؤسسة روزا لوكسمبورغ في ألمانيا). وبهذه المناسبة، تقرر بدء عملية حوار بين الماركسيين والمسيحيين6، تجسدت في عدة لقاءات، منها جامعة صيفية مشتركة في جزيرة سيروس، في اليونان، في عام 2018. وفي عام 2024، استقبل البابا وفداً من المشاركين في هذا الحوار (مسيحيين وماركسيين)، من بينهم كاتب هذه المقالة.
إجراءات محدودة بشأن منع الحمل
صحيح أن البابا فرانسيس تمسك، فيما يتعلق بحق المرأة في التصرف بجسدها والأخلاق الجنسية بشكل عام – وسائل منع الحمل والإجهاض والطلاق والمثلية الجنسية، بمواقف الكنيسة المحافظة. لكن كانت هناك بعض بوادر الانفتاح، كان أبرزها الصراع العنيف الذي اندلع في عام 2017 مع قيادة فرسان مالطة، وهي مؤسسة غنية وأرستقراطية تابعة للكنيسة الكاثوليكية. فقد طالب الأمير (؟!) ماثيو فيستينغ، القائد الأعلى المحافظ للفرسان، باستقالة المستشار البارون دي بوزلاغر، بتهمة ارتكاب خطيئة فظيعة تتمثل في توزيع الواقيات الذكرية على الفقراء المهددين بوباء الإيدز في أفريقيا. استأنف المستشار أمام الفاتيكان، الذي أنصفه ضد فيستينغ؛ لكن الأخير، بدعم من الكاردينال بيرك، رفض الانصياع وأُقيل من منصبه من قبل الفاتيكان7. لم يؤد ذلك إلى اعتماد وسائل منع الحمل في العقيدة الأخلاقية للكنيسة، ولكنه كان تغييرًا...
جلي أن ما شيء ماركسي عند البابا فرانسيس وأن لاهوته كان بعيدًا كل البعد عن الشكل الماركسي للاهوت التحرير. يدين تكوينه الفكري الروحية والسياسية بالكثير لعلم اللاهوت الشعبي، وهو شكل أرجنتيني غير ماركسي من لاهوت التحرير، كان من أبرز مؤسسيه لوتشيو جيرا واللاهوتي اليسوعي خوان كارلوس سكانوني. لا يدعي لاهوت الشعب الاستناد إلى الصراع الطبقي، لكنه يقر بالصراع بين الشعب و«معاداة الشعب» وتؤيد خيار أولوية للفقراء. كما أنه أقل إهتماما من أشكال لاهوت التحرير الأخرى بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية ويولي اهتمامًا أكبر للثقافة، ولا سيما الدين الشعبي.
في مقال نشر عام 20188، يشدد خوان كارلوس سكانوني بحق على مدى تأثر رسائل البابا الأولى، مثل Evangelii Gaudium (2014)، التي وصفها منتقدوه اليساريون بـ«الشعبوية» (بالمعنى الأرجنتيني والبيروني للمصطلح، وليس بالمعنى الأوروبي)، بهذا اللاهوت الشعبي. ومع ذلك، يبدو لي أن بيرغوليو، في انتقاده لـ«صنم رأس المال» و«النظام الاجتماعي والاقتصادي» الحالي برمته، يذهب أبعد من ملهميه الأرجنتينيين. لا سيما في رسالته البابوية الأخيرة، Laudato si’ (2015)، التي تستحق تأملًا ماركسيًا.
الرسالة البابوية "كن مسبحا" Laudato si
تعد «الرسالة البابوية البيئية» للبابا فرانسيس حدثًا ذا أهمية عالمية من الناحية الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية. إنها، بالنظر إلى تأثير الكنيسة الكاثوليكية الهائل، مساهمة حاسمة في تطوير وعي بيئي نقدي. وإذ قوبلت هذه الرسالة البابوية بحماس البيئيين الحقيقيين، أثارت أيضاً قلق ورفض المحافظين الدينيين وممثلي رأس المال وأيديولوجيي «ايكولوجيا السوق». إنها وثيقة بالغة الثراء ومعقدة للغاية، تقدم تفسيرًا جديدًا للتقاليد اليهودية-المسيحية – تقطع مع «حلم بروميثيوس بالسيطرة على العالم» – و تفكيرًا نقديًا لأسباب الأزمة البيئية. في بعض الجوانب، مثل الارتباط الوثيق بين «صرخة الأرض» و«صرخة الفقراء»، جلي أن لاهوت التحرير – ولا سيما اللاهوتي البيئي ليوناردو بوف – كان أحد مصادر إلهامها.
أود، في الملاحظات الموجزة التالية، أن أسلط الضوء على أحد جوانب الرسالة البابوية التي تفسر المقاومة التي واجهتها في الأوساط الاقتصادية والإعلامية: طابعها المناهض للنظام.
ليست الكوارث البيئية وتغير المناخ، بنظر البابا فرنسيس، نتيجة سلوكيات فردية فقط – حتى لو كان لهذه دور – بل هي أيضاً نتيجة «نماذج الإنتاج والاستهلاك الحالية». بيرغوليو ليس ماركسيًا، وكلمة «رأسمالية» لا تظهر في الرسالة البابوية. لكن واضح جدًا أنه يرى أن المشاكل البيئية المأساوية في عصرنا هي نتيجة آليات الاقتصاد العالمي الحالي، وهي آليات يشكلها نظام عالمي «من العلاقات التجارية والملكية الهيكلية الفاسدة» (الفقرة 52 من الوثيقة).
ما هي، بنظر فرانسيس، هذه الخصائص ”المنحرفة هيكلياً“؟ أولاً، نظام تسود فيه ”المصالح المحدودة للشركات“ و”عقلانية اقتصادية مشكوك فيها“، وهي عقلانية أدواتية هدفها الوحيد تعظيم الأرباح. ونتيجة لذلك، فإن "مبدأ تعظيم الربح، الذي يميل إلى عزل نفسه عن أي اعتبار آخر، هو تشويه مفاهيمي للاقتصاد: إذا زاد الإنتاج، فلا يهم أن يكون ذلك على حساب الموارد المستقبلية أو صحة البيئة » (الفقرة 195). ليس هذا التشويه، وهذا الانحراف الأخلاقي والاجتماعي، خاصًا ببلد دون آخر، بل هو خاص « بالنظام العالمي الحالي، حيث تسود المضاربة والسعي وراء الدخل المالي الذي يتجاهل كل سياق، وكذلك العواقب على كرامة الإنسان والبيئة ». لذلك يبدو أن «التدهور البيئي والتدهور البشري والأخلاقي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا»(56).
الطبيعة النظامية لرأس المال
إن الهوس بالنمو اللامحدود، و النزعة الاستهلاكية، والتكنوقراطية، وهيمنة القطاع المالي المطلقة، وتأليه السوق، خصائص فاسدة مميزة للنظام. شيء مختزل، بمنطق مدمر، في السوق و« الحساب المالي للتكاليف والأرباح ». ومع ذلك، يجب أن ندرك أن « البيئة هي أحد تلك الأصول التي لا تستطيع آليات السوق الدفاع عنها أو تعزيزها بشكل مناسب »(190). فالسوق عاجز على أخذ القيم النوعية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية أو الطبيعية في الاعتبار، أي «القيم التي تتجاوز كل حساب»(36).
إن «السلطة المطلقة» لرأس المال المضارب هي جانب أساسي من جوانب النظام، كما تؤكد ذلك الأزمات المصرفية. وفي هذا الصدد، فإن تعليق الرسالة البابوية يزيل الغموض عن هذا الأمر:
" إن إنقاذ البنوك بأي ثمن، وتحميل الشعب الثمن، دون عزم راسخ على مراجعة النظام برمته وإصلاحه، يؤكد من جديد سيطرة مطلقة للمالية التي لا مستقبل لها والتي لن تؤدي إلا إلى أزمات جديدة بعد شفاء مديد ومكلف وظاهري. كانت الأزمة المالية في 2007-2008 فرصة لتطوير اقتصاد جديد أكثر مراعاة للمبادئ الأخلاقية، ولتنظيم جديد للنشاط المالي المضارب والثروة الوهمية. لكن لم تكن هناك أي ردود فعل من شأنها إعادة النظر في المعايير البالية التي لا تزال تحكم العالم. (189)
دينامية النظام العالمي هذه التي ”لا تزال تحكم العالم“ هي سبب فشل القمم العالمية حول البيئة: "هناك الكثير من المصالح الخاصة، ومن السهل جدًا أن تغلب المصالح الاقتصادية على الصالح العام وتستغل المعلومات لتجنب المساس بمشاريعها »(54). وبمجرد أن تغلب متطلبات المجموعات الاقتصادية القوية،"لا يمكن أن نتوقع سوى بعض التصريحات السطحية، وبعض الأعمال الخيرية المعزولة، أو حتى جهود لإظهار الحساسية تجاه البيئة، في حين ستُعتبر أي محاولة من قبل المنظمات الاجتماعية لتغيير الوضع إزعاجًا من قبل رومانسيين مثاليين أو عقبة يجب تجاوزها. »(54)
في مواجهة استراتيجيات النخب
في هذا السياق، تدين الرسالة البابوية عدم مسؤولية «المسؤولين»، أي النخب الحاكمة أو الأوليغارشيات المهتمة بالحفاظ على النظام، في مواجهة الأزمة البيئية:
"يبدو أن الكثيرين ممن يمتلكون المزيد من الموارد والسلطة الاقتصادية أو السياسية يبذلون جهودًا حثيثة لإخفاء المشاكل أو طمس الأعراض، محاولين فقط تقليص بعض الآثار السلبية لتغير المناخ. لكن العديد من الأعراض تشير إلى أن هذه الآثار لن تكف عن التفاقم إذا حافظنا على نماذج الإنتاج والاستهلاك الحالية.»(26)
ماذا تقترح الحكومات أو الممثلون الدوليون للنظام (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، إلخ) بوجه التدمير المأساوي للتوازن البيئي للكوكب والتهديد غير المسبوق الذي يمثله تغير المناخ ؟ ردهم هو ما يسمى «التنمية المستدامة»، وهو مفهوم يزداد فراغا، وهو مجرد فلتوس فوكيس، كما قال علماء لاهوت العصور الوسطى9. لا وهم عند فرانسوا بشأن هذه الخدعة التكنوقراطية:
"غالبًا ما يصبح خطاب النمو المستدام وسيلة إلهاء وتبرير، يحصر قيم الخطاب البيئي في منطق المال والتكنوقراطية؛ وعادة ما تقتصر مسؤولية الشركات الاجتماعية والبيئية على جملة إجراءات التسويقية وترويجية.»(194)
التدابير الملموسة التي تقترحها الأوليغارشية التكنوقراطية المالية السائدة عديمة الفعالية تمامًا، مثل «أسواق الكربون». يمثل انتقاد البابا لهذه الحلول الزائفة أحد أهم الحجج في الرسالة البابوية. كتب بيرغوليو في إشارة إلى قرار صادر عن مؤتمر الأساقفة البوليفيين،:
"يمكن أن تؤدي استراتيجية شراء”ائتمانات الكربون“ وبيعها إلى شكل جديد من المضاربة، ولن تسهم في خفض الانبعاث الإجمالي للغازات الملوثة. يبدو هذا النظام حلاً سريعًا وسهلاً، تحت مظهر التزام معين تجاه البيئة، ولكنه لا يستتبع بتاتا تغييرا جذريا في مستوى الظروف. بل على العكس، يمكن أن يصبح وسيلة تسمح بدعم فرط الاستهلاك في بعض البلدان والقطاعات".(171)
تفسر مقاطع مثل هذه عدم حماس الأوساط ”الرسمية“ وأنصار ”البيئة السوقية“ (أو ”الرأسمالية الخضراء“) تجاه الرسالة البابوية.
”تدابير جذرية“
يشدد فرانسيس، عبر ربط القضية البيئية بالقضية الاجتماعية، على ضرورة اتخاذ تدابير جذرية، أي تغييرات عميقة لمواجهة هذا التحدي المزدوج. العقبة الرئيسية أمام ذلك هي الطبيعة ”الفاسدة“ للنظام: ”إن نفس المنطق الذي يعيق اتخاذ قرارات جذرية لعكس اتجاه الاحترار العالمي، لا يسمح أيضًا بتحقيق هدف القضاء على الفقر.“ (175)
تشخيصات الرسالة البابوية للأزمة البيئية واضحة ومتسقة بشكل مثير للإعجاب، لكن ما تقترح من إجراءات محدود. صحيح أن عددا من اقتراحاتها مفيد وضروري، على سبيل المثال: ”يمكن تسهيل أشكال التعاون أو التنظيم المجتمعي التي تدافع عن مصالح صغار المنتجين وتحافظ على النظم الإيكولوجية المحلية من التدمير“(180). ومن المهم أيضًا اعتراف الرسالة البابوية بضرورة أن "تفكر المجتمعات الأكثر تقدمًا في التوقف لفترة ووضع حدود معقولة، أو حتى التراجع قبل فوات الأوان”، أي “قبول تراجع نمو معين في بعض أجزاء العالم، وتوفير الموارد اللازمة لنمو صحي في أجزاء أخرى"(193).
ولكن ما ينقصن بوجه الدقة هو «تدابير جذرية»، مثل تلك التي اقترحتها ناعومي كلاين في كتابها This changes everything «هذا يغير كل شيء": التخلي عن الوقود الأحفوري (الفحم والنفط) قبل فوات الأوان، وتركه تحت الأرض. لا يمكننا تغيير الهياكل المختلة لنمط الإنتاج والاستهلاك الحالي دون جملة مبادرات مناهضة للنظام تضع ملكية القطاع الخاص موضع تساؤل، على سبيل المثال ملكية الشركات متعددة الجنسيات الكبرى العاملة في مجال الوقود الأحفوري) BP، Shell، Total، إلخ). صحيح أن البابا يشير إلى فائدة ”استراتيجيات كبرى كفيلة بوقف تدهور البيئة بشكل فعال وتشجيع ثقافة حماية تتغلغل في المجتمع بأسره“، لكن هذا الجانب الاستراتيجي لم يتم تطويره بشكل كافٍ في الرسالة البابوية.
وإدراكًا منه أن «النظام العالمي الحالي غير مستدام»، يبحث بيرغوليو عن بديل شامل، ينعته بـ"الثقافة البيئية":
"لا يمكن اختزال الثقافة البيئية في جملة إجابات عاجلة وجزئية على المشكلات التي تظهر في ما يتعلق بتدهور البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية والتلوث. بل يجب أن تكون نظرة مختلفة، وفكرًا، وسياسة، وبرنامجًا تربويًا، وأسلوب حياة، وروحانية تشكل مقاومة في مواجهة تقدم النموذج التكنوقراطي".(111)
لكن ثمة قليل من العلامات على اقتصاد جديد ومجتمع جديد يتوافق مع هذه الثقافة البيئية. لا يتعلق الأمر بمطالبة البابا بتبني الاشتراكية الايكولوجية، لكن البديل المستقبلي يظل مجردا إلى حد ما.
للفقراء، ولكن ليس من قبل الفقراء
يتبنى البابا فرانسيس”الخيار التفضيلي للأكثر فقراً“ الذي تعتمده الكنائس في أمريكا اللاتينية. وتوضح الرسالة البابوية ذلك بوضوح باعتباره ضرورة عالمية:
"في ظروف المجتمع العالمي الراهنة ، حيث توجد الكثير من التفاوتات ويزداد عدد المهمشين المحرومين من حقوقهم الإنسانية الأساسية، يصبح مبدأ الملك المشترك، كنتيجة منطقية وحتمية، دعوة إلى التضامن وإلى تفضيل الفقراء. (158)
لكن الفقراء لايظهرون في الرسالة البابوية كفاعلين لتحرير أنفسهم، وهو المشروع الأهم في لاهوت التحرير. إن نضال الفقراء والفلاحين والشعوب الأصلية للدفاع عن الغابات والمياه والأرض ضد الشركات متعددة الجنسيات والتجارة الزراعية، وكذلك دور الحركات الاجتماعية، التي هي بالضبط الفاعل الرئيسي في النضال ضد تغير المناخ – فيا كامبيسينا، العدالة المناخية، المنتدى الاجتماعي العالمي – هي واقع اجتماعي لا يظهر كثيرًا في الرسالة البابوية.
ومع ذلك، سيكون هذا موضوعًا رئيسيًا في لقاءات البابا مع الحركات الشعبية، وهي الأولى في تاريخ الكنيسة. في أثناء لقاء سانتا كروز (بوليفيا، يوليو 2015)، قال فرانسيس:
"أنتم، الأكثر ضعة، والمستغلون، والفقراء، والمهمشون، يمكنكم أن تفعلوا الكثير، وأنتم تفعلون الكثير. أجرؤ على القول إن مستقبل البشرية، إلى حد كبير، بين أيديكم، في قدرتكم على التنظيم وتعزيز البدائل الإبداعية، في السعي اليومي لتحقيق الأهداف الثلاثة، اتفقنا؟ (العمل، السكن، الأرض) وأيضًا في مشاركتكم، كروّاد، في عمليات التغيير الكبرى، التغيير على المستوى الوطني، التغيير على المستوى الإقليمي والتغيير على المستوى العالمي. لا تبخسوا قدركم!
بالطبع، ليست مهمة الكنيسة، كما أكد بيرغوليو في الرسالة البابوية، أن تحل مكان الأحزاب السياسية باقتراح برنامج للتغيير الاجتماعي. تمثل الرسالة البابوية، بتشخيصها للأزمة من منظور مضاد للنظام، الذي يربط بشكل لا ينفصم بين القضية الاجتماعية وحماية البيئة، بين”صرخة الفقراء“ و”صرخة الأرض“،مساهمة قيّمة ولا تقدر بثمن في التفكير والعمل لإنقاذ الطبيعة والبشرية من الكارثة.
إن على الماركسيين والشيوعيين والاشتراكيين البيئيين أن يكملوا هذا التشخيص بمقترحات جذرية لا تهدف إلى تغيير النظام الاقتصادي السائد وحسب، بل أيضاً نموذج الحضارة الفاسد الذي فرضته الرأسمالية على نطاق عالمي، وذلك بصياغة مقترحات لا تشمل فقط برنامجاً ملموساً للانتقال البيئي، بل ورؤية لشكل آخر من أشكال المجتمع، يتجاوز سيادة المال والسلع، ويقوم على قيم الحرية والتضامن والعدالة الاجتماعية واحترام الطبيعة.
يصعب التنبؤ بمستقبل الكنيسة بعد وفاة البابا فرانسيس: هل سيتبع من سيُنتخب في محمع الأحبار الكاثوليك القادم نهج برغوليو النقدي والإنساني أم سيعود إلى تراث الباباوات السابقين المحافظ ؟ صحيح أن فرانسيس عيّن العديد من الكرادلة الجدد، لكن ما هي اقتناعاتهم العميقة؟
في الأسابيع المقبلة، سنعرف ما إذا كان بيرغوليو مجرد لحظة عابرة في التاريخ، أم أنه فتح بالفعل فصلاً جديداً في تاريخ الكاثوليكية الطويل.
22 أبريل 2025
- 1
ليوناردو بوف Leonardo Boff ، المولود في البرازيل عام 1938، هو أحد قادة لاهوت التحرير في البرازيل في السبعينيات والثمانينيات. حصل على جائزة نوبل البديلة عام 2001.
- 2
"عظة البابا فرانسيس“، 8 يوليو 2013. https://www.vatican.va/content/francesco/fr/homilies/2013/documents/papa-francesco_20130708_omelia-lampedusa.html
- 3
« Papa se reúne con fundador de la Teología de la Liberación », La Tarcera, 15 septembre 2013. https://www.latercera.com/diario-impreso/papa-se-reune-con-fundador-de-la-teologia-de-la-liberacion/#
- 4
« El arzobispo Oscar Romero ha sido beatificado en El Salvador », Jesuitas. https://www.jesuits.org/es/press-release/el-arzobispo-oscar-romero-ha-sido-beatificado-en-el-salvador/
- 5
النص الكامل لخطاب البابا فرنسيس الى الحركات الاجتماعية في بوليفيا:
La Croix, 10 juillet 2015. https://www.la-croix.com/Religion/Actualite/Texte-integral-du-discours-du-pape-Francois-aux-mouvements-populaires-en-Bolivie-2015-07-10-1333284
- 6
Lire « Bandiera rossa, al vaticano ! », Michael Löwy, 4 mars 2024, Inprecor. https://inprecor.fr/node/3864
- 7
« El papa Francisco le pidió la renuncia al gran maestre de la Orden de Malta », La Nacion, 25 janvier 2017. https://www.lanacion.com.ar/el-mundo/el-papa-francisco-le-pidio-la-renuncia-al-gran-maestre-de-la-orden-de-malta-nid1978939/
- 8
« Le pape François et la théologie du peuple », 14 novembre 2018, Revistas Comillas. https://revistas.comillas.edu/index.php/razonyfe/article/view/9890
- 9
تقال عن الكلمات التي لا معنى لها ولا أهمية.