مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

ما بعد الفاشية: ظاهرة تختلف كثيراً عن سابقاتها

بقلم إنزو ترافيرسو
numéro

في عام 2026، لم يعد بإمكان أحد أن ينظر بجدية الة الفاشية باعتبارها مجرد مسألة تاريخية بحتة. لا يمكننا أن نتساءل عن ماهية الفاشية دون التفكير في الواقع الذي يحيط بنا. فهذا السؤال لا يخص الماضي وحده، بل يخص أيضاً، وربما بالدرجة الأولى، الحاضر، حاضر يتسم بالصعود القوي لليمين المتطرف.

أعادت الموجة الجديدة من الحكومات السلطوية في مختلف أنحاء العالم إحياء هذا النقاش. غير أن مصطلح «الفاشية»، الذي يتبادر تلقائياً إلى الذهن عندما نفكر في دونالد ترامب أو خافيير ميلي أو جورجيا ميلوني أو فيكتور أوربان أو مارين لوبان، يبدو غير ملائما لوصف هؤلاء. وإذا كانت فاشية القرن الحادي والعشرين مختلفة إلى هذا الحد عن سابقاتها، كما يشرح العديد من المؤرخين، فربما نكون بحاجة إلى مفاهيم جديدة لتوصيفها.

الحاجة إلى مفاهيم جديدة

وينطبق الأمر نفسه على العديد من الظواهر الأخرى في عصرنا. فالمفهوم القديم للحرب أصبح بدوره إشكاليا بنفس القدر ولا يفسر الصراعات الجديدة التي تُحسم بواسطة الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي. وقد تخلت ثورات العقد الماضي – ولا سيما الثورات العربية – عن أي مرجعية اشتراكية ولم يكن لها الكثير من القواسم المشتركة مع ثورات القرن الماضي. وفقا لوسائل الإعلام الكبرى وأغلبية القادة الغربيين، فإن معاداة السامية واسعة الانتشار، إلا أنهم لم يعودوا يستخدمون هذا المصطلح للإشارة للأحكام المسبقة ضد السكان اليهود: بل أصبح يستخدم الآن، دون تمييز، لتجريم أي شخص ينتقد إسرائيل. ويمكننا أن نستمر على هذا المنوال مع العديد من المفاهيم الأخرى.

نحن نعيش إذن فيما يشبه فترة انتقالية، كما كتب غرامشي في الثلاثينيات في «دفاتر السجن»: «تكمن الأزمة تحديدا في أن القديم يحتضر بينما لا يستطيع الجد.يد أن يولد؛ وفي هذه الفترة الانتقالية تظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المرضية» (1). على الرغم من إساءة استخدامها في كثير من الأحيان، فإن هذه العبارة تعكس حاضرنا بشكل جيد: نحن لا نواجه تكرارا للتاريخ، ولا عودة إلى الماضي؛ نحن نواجه مشاكل جديدة وتهديدات جديدة، لكننا لا نملك سوى مفاهيم موروثة من الماضي لتحليلها وتفسيرها. وهذا أمر محبط بالطبع: فهذه الكلمات لا تصف بشكل جيد حالة عدم اليقين التي تسود عصرنا، والتي يبدو أنها تنذر بعاصفة رهيبة.

في رأيي، نحن نواجه نوعا من ما بعد الفاشية، وهو مفهوم يعكس في آن واحد مسافة تاريخية عن الفاشية الكلاسيكية وتغيرا جوهريا في مواقفها الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية. هذا اليمين المتطرف الجديد غير المتجانس هو مجموعة من الحركات والأحزاب ذات الأصول المتنوعة والمرجعيات الأيديولوجية المختلفة، والتي تدعي في غالبيتها العظمى قبول الإطار المؤسسي للديمقراطية الليبرالية. ما تسعى اليه ليس تدمير الديمقراطية من الخارج، بل تقويضها من الداخل. وهي تمثل تهديدا للديمقراطية، لكنها لا تتصرف بنفس الطريقة التي تصرفت بها قوى الفاشية التاريخية؛ إنهم يضعون موضع تساؤل الثنائية التقليدية بين الفاشية والديمقراطية في عصر تبدو فيه الديمقراطية نفسها منهكة وفاقدة للمصداقية ومفرغة من مضمونها ومحرومة من فضائلها الأصلية.

يذهب ج. د. فانس إلى ميونيخ ليضع الحرية و"البديل من أجل ألمانيا" (AfD) على نفس المستوى؛ وتدافع جيورجيا ميلوني عن الديمقراطية الإيطالية ضد تهديد تجسده مناهضة الفاشية؛ وتدعم جميع الحكومات الغربية إسرائيل باعتبارها جزيرة ديمقراطية محاطة ببرابرة ظلاميين؛ وتقترح حركات اليمين المتطرف في أوروبا والأمريكتين إجراءات عنصرية ومعادية للأجانب للدفاع عن الديمقراطية في مواجهة الأصولية الإسلامية؛ وفي الوقت الذي تقوم فيه إدارة ترامب بترحيل مئات الآلاف من المهاجرات والمهاجرين الذين يعيشون ويعملون في الولايات المتحدة، فإنها تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان عندما تمنح صفة اللاجئ لأنصار تفوق العرق الأبيض في جنوب أفريقيا. لقد تغيرت معاني الكلمات عبر ما يشبه التحول الأورويلي. قبل عشر سنوات، كانت هذه الاتجاهات لا تزال في مهدها. وخلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، شهدت تسارعا مذهلا.

ما علاقة ذلك بالعنف؟

الفرق الرئيسي بين الفاشية وما بعد الفاشية، كما يشار إليه كثيرا، يتمثل في العنف. ورغم أن هذا التشخيص يبدو لي صحيحا، أعتقد أنه ينبغي توضيحه. فمن المؤكد أن معظم قادة اليمين المتطرف اليوم اعتادوا الظهور على شاشات التلفزيون، وأن المقربين منهم لا يرتدون الزي العسكري. بعد سبعين عاما من السلام والاستقرار الاقتصادي، بدت الديمقراطية الليبرالية وكأنها تشكل إطارا مؤسسيا راسخا في الدول الغربية. لذلك يبدو العنف – مثل الهجوم على مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، أو اقتحام الكونغرس البرازيلي بعد ذلك بعامين – استثناء وليس قاعدة، حتى وإن كانت الأمور آخذة في التغير.

تتميز ولاية دونالد ترامب الثانية  بنزعة واضحة نحو تجريم السياسة: فقد أرسل قوات فيدرالية إلى العديد من المدن الكبرى لـ«فرض النظام» فيها، وحوّل مصلحة الهجرة والجمارك (ICE) إلى قوة شبه عسكرية تبدو بالفعل كنوع من الحرس الخاص لنظام حكمه. وهذه هي أبرز سمات التحول السلطوي. تفرض مصلحة الهجرة والجمارك ICE مناخا من الرعب، يُوضع فيه مبدأ دولة القانون موضع تساؤل، ويشعر فيه الجميع وليس فقط المهاجرون/ات غير النظاميين/ات بأنهم معرضون للخطر.

بالطبع، لا يمكن مقارنة عنف ما بعد الفاشية بعنف الفاشية الكلاسيكية في قارة دمرتها حرب شاملة، لكن مؤشرات لتحول واضحة للعيان. في أوروبا أيضا، يتقدم الاستبداد. لنفكر في فرنسا وإيطاليا: قبل عشر سنوات، كانت الإضرابات النقابية والمظاهرات تُؤمن من قبل رجال الشرطة، الذين قد يدخلون في احتكاكات محدودة مع بعض المجموعات الراديكالية من المضربين. أما اليوم، تواجه المظاهرات القانونية التي تنظمها النقابات العمالية وقوى اليسار بعناصر أمنية مسلحة. ويسود التمييز العنصري الممنهج داخل مراكز الشرطة.

لقد تجاوزت هذه العودة إلى استعراض القوة الحدود الوطنية. فالغرب صدر العنف إلى مناطق أخرى، لا سيما إلى الشرق الأوسط، حيث كان المهندس الرئيسي للاحتلالات والحروب، ومؤخرا، للإبادة الجماعية عن طريق حليفه الإسرائيلي. واليوم، قصفت حكومة ترامب إيران، واحتجزت نيكولاس مادورو في فنزويلا، وهددت جيرانها، ولا سيما غرينلاند، من خلال التشكيك في حلف الناتو وتحذير حلفائها الأوروبيين الأكثر ولاء. ومن المفارقات أن هذا  السلوك يعدّ في الغالب علامة ضعف أكثر منه علامة قوة. تطمح الولايات المتحدة إلى الاستيلاء على كندا وغرينلاند للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى قارية وتعزيزها، لكنها تخلت عن طموحاتها الهيمنية التقليدية على الصعيد العالمي. لقد عفا الزمن عن الطموحات الموروثة من الحرب الباردة، المتمثلة في إقامة نظام عالمي أمريكي. ولن تنهار الصين كما انهار الاتحاد السوفيتي قبل أكثر من ثلاثين عاما.

 أفق محافظ

هناك اختلاف ثانٍ لا يقل مفارقة عن الأول: فالجديد في هذا اليمين المتطرف الناشئ يكمن في طابعه المحافظ. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كان للفاشية بُعد طوباوي قوي. كانت تُصوَّر على أنها ثورة، وتتحدث عن «الإنسان الجديد»، والرايخ الذي سيدوم ألف عام ، وما إلى ذلك. كانت تقول إن العالم في حالة انهيار تام، وتقترح بديلا للمستقبل. وبعبارة أخرى، كان تمتلك أفقا طوباويا.

أما اليوم، فإن ما بعد الفاشية ذات طابع محافظ خالص. فهي تتحدث عن الاستبدال الكبير الذي يهدد الحضارة الغربية وتدعي الدفاع عن القيم التقليدية: الأسرة، والسيادة، والثقافات الوطنية، والحضارة اليهودية-المسيحية، وما إلى ذلك. إنه يطعن جميع المكاسب التي احرزت في مجال حقوق الأقليات ويهاجم بوحشية الأشخاص الأكثر هشاشة: المهاجرات والمهاجرون غير النظاميين، والأشخاص الكوير والعابرين جنسياً. وبشكل عام، فقدت هذه الحركات قدرتها على جعل الناس يحلمون بمستقبل مختلف؛ فهي تطمح إلى إعادة إرساء النظام والأمن (الاقتصادي والسياسي والثقافي والنفسي). وحتى شعار دونالد ترامب نفسه، «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» « Make America Great Again »، والذي يفضله أنصاره، ليس شعارا توسعيا ؛ بل يحيل إلى حلم استعادة عصر ذهبي ضائع، حين كانت الولايات المتحدة قوة مزدهرة ومهيمنة.

والجديد هنا – ويذكرنا بالثلاثينيات – هو قدرة ما بعد الفاشية على إقامة روابط عضوية مع النخب الاقتصادية، كما رأينا بشكل لافت خلال حفل تنصيب ترامب. والأمر الأكثر احتمالا بلا شك في السنوات المقبلة هو إرساء شكل سلطوي من النيوليبرالية. حتى وقت قريب، كان قادة وحركات ما بعد الفاشية يظهرون كوافدين جدد يتحدون الطبقة السياسية ويقترحون بديلا محافظا للنيوليبرالية؛ أما اليوم، فقد أصبحوا شركاء موثوقين للنخب الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكذلك في العديد من البلدان في أمريكا اللاتينية.

وبطبيعة الحال، من الصعب التنبؤ بالمدة التي سيستمر فيها هذا التحالف بين ما بعد الفاشية والنيوليبرالية. في الاتحاد الأوروبي، ما زلنا بعيدين عن الحكم الأوليغارشي الذي يتبلور اليوم مع ترامب، لكن هناك اتجاها مشابها. ما يبدو واضحاً هو أن النخب النيوليبرالية لا ترغب في إقامة دولة شمولية على غرار إيطاليا في عهد موسوليني أو ألمانيا في عهد هتلر؛ إن هدفها يتمثل في إقامة دولة استثنائية  تعطل العمل بالديمقراطية من خلال إرساء سلطتها الخاصة، أي سلطة سياسية قائمة على مبدأ استقلالية رأس المال، والتي تختلف عن استقلالية المجال السياسي. لم يُنسَ كارل شميت تماما – فالقادة ما بعد الفاشية يتبنون نزعة  « قرارية » تتمثل في ازدراء البرلمانات والحكم عبر المراسيم التنفيذية والطعن في كثير من القواعد الدستورية – غير أن هذا الارث خضع للمراجعة والتصحيح على يد فريدريك فون هايك.

عندما انتُخب في عام 2023، بدا خافيير ميلي وكأنه حالة أرجنتينية شاذة: مفرط، وغريب، واستثنائي؛ واليوم، أصبح شخصية نموذجية لمذهب الحرية الفردية المطلقة، وتجاوزت وصفاته التقشفية «إدارة الكفاءة الحكومية» (DOGE) التابعة لإيلون ماسك. أما السابقة التاريخية الوحيدة لهذا التعايش بين سلطة سياسية استبدادية (فكرة شميت للسيادة) ورأسمالية نيوليبرالية تخضع فيها الدولة بالكامل لرأس المال وتتحول إلى أداة لمجتمع السوق (فكرة هايك للليبرالية)، فهي الشيلي في عهد بينوشيه. ولم تكن الشيلي في عهد بينوشيه مجرد تكرار للفاشية في فترة ما بين الحربين العالميتين. هذا هو السياق التاريخي لما بعد الفاشية اليوم.

دعم النخب الاقتصادية

لم يكن هذا التغيير في الاستراتيجية أمرا حتميا. فالنخبة الاقتصادية لم تبدأ في الوثوق بحركات اليمين المتطرف ودعمها إلا منذ وقت قريب، وهي حركات لم تكن تُعتبر سابقا شركاء موثوقين. في الماضي، اكتسب بعض قادة اليمين المتطرف نفوذهم من خلال مهاجمة العولمة النيوليبرالية (عندما وصفت مارين لوبان ماكرون بأنه ممثل للنخب المعولمة، أو عندما شنت جيورجيا ميلوني هجوما على المصرفي ماريو دراجي من منطلقات مشابهة). وقد تمكنوا أحيانا من الوصول إلى السلطة رغم معارضة الطبقات المهيمنة، مثل دونالد ترامب وجاير بولسونارو في عام 2016، في حين أنهما لم يكونا مرشحي المؤسسة الحاكمة.

أما اليوم، فقد أصبح التحالف بين الحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة والنخب العالمية ظاهرة سائدة في كل مكان. والحقائق التي تستند إليها هذه المقولة ليست عرضية أو هامشية. يتشكل هنا تحالف غريب بين الشرائح الأكثر فقرا والأكثر ثراء في المجتمع. ربما يكون هذا هو أكبر إنجاز لما بعد الفاشية: قدرتها على الجمع في آن واحد على دعم قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية وثقة النخب العالمية التي تتمتع بالقوة رغم قلة عددها.

يعتمد اليمين المتطرف على النموذج الشعبوي الكلاسيكي القائم على ثنائية الشعب الصالح في مواجهة النخب السائدة، لكنه أعاد صياغتها بشكل كبير. على عكس الماضي، حيث كان يُقصد بالشعب الحقيقي مجتمعا متجانسا عرقيا (البيض، القوميين، الذين يُزعم أنهم متجذرون بعمق في أراضيهم)، في مقابل الفقراء والمهمشين في المدن، الذين يُعتبرون مصادر للفوضى وانعدام الأمن، يمكن اليوم قبول الطبقة العاملة البيضاء كعنصر قومي طالما أنها قطعت صلتها بتقاليدها الاشتراكية والشيوعية واليسارية. ويتمثلالأعداء الخارجيون في المهاجرات والمهاجرون والأقليات التي تتعرض للتمييز العرقي والمسلمون؛ أما الأعداء الداخليون فهم ممثلو كل أشكال الحركات المدافعة عن قضايا العدالة الجندرية والعرقية، من النسويات والأشخاص من مجتمع الميم إلى المدافعين/ات عن البيئة، والذين ينددون بالإبادة الجماعية للفلسطينيين.

وكما أشار ميشيل فيهر بحق، فإن عنصر الاستمرارية بين القومية القديمة والفاشية وما بعد الفاشية ترجع إلى ثنائية خيالية مستمرة بين المنتجين والطفيليين؛ فالفئة الأولى، أي الرجال والنساء الفاضلون الذين يعملون، يُستغلّون على نحو مُهين من قبل الفئة الثانية، وهي مجموعة غير متجانسة تضمّ النخب المالية والمهاجرين والمهاجرات الذين يستفيدون من إعانات الضمان الاجتماعي ودولة الرفاه في بلدان الاستقبال. خلال النصف الأول من القرن العشرين ، كانت هذه القطاعات الطفيلية تتخذ سمات اليهود في الخيال القومي والفاشي: تحالف غريب بين مصرفيي وول ستريت والبلشفيين اليهود؛ أما اليوم، فقد حلت محلها النخب المعولمة والمهاجرون/ات المسلمون/ات.

ومع ذلك، فإن المخيال الخاص بما بعد الفاشية– ولا سيما رؤيته للجنسانية – أكثر تعقيدا مما قد يوحي به وصم النماذج المضادة والبحث عن أكباش فداء. فعلى الرغم من طابعها المحافظ الجديد، لا ينبغي تفسير ما بعد الفاشية على أنها مجرد عودة إلى الواقع البرجوازي العادي وإلى الصور النمطية الفيكتورية. نشأت ما بعد الفاشية من النسيج المؤسسي للديمقراطية الليبرالية في مجتمعات السوق التي شكلتها الفردانية التملكية، وقد انفصلت عن النموذج الفاشي الكلاسيكي، وفي كثير من الحالات، ادعت انتماءها الى إرث عصر الأنوار. في العصر ما بعد الشمولي لحقوق الإنسان، يمنحها ذلك قدرا من الاحترام.

لا تبرر ما بعد الفاشية حربها ضد الإسلام بالحجج المضللة القديمة المرتبطة بالتوسع الإمبريالي والعنصرية العقائدية، بل بتفسيرها الخاص لإرث عصر الأنوار. تريد مارين لوبان وجيورجيا ميلوني وفيكتور أوربان الدفاع عن الشعوب الأوروبية في مواجهة المهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط، لكنهم يدّعون أيضًا الدفاع عن النساء ضد الظلامية الإسلامية. وفي هذا السياق، تتعايش كراهية المثلية الجنسية والقومية المثلية داخل هذا اليمين الراديكالي المتحول. ففي هولندا، استُخدمت النسوية وحقوق المثليين شعارا لحملة عنصرية عنيفة ضد الهجرة والسكان المسلمين، قادها في البداية بيم فورتوين، الذي كان مثليًا بشكل معلن، ثم خليفته جيرت فيلدرز، المدافع عن حقوق المثليين. أما أليس فايدل، الرئيسة المشاركة لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، فهي مثلية تعلن عن تمسكها بالأسرة التقليدية وتعارض زواج المثليين.

واليوم، غالبًا ما يُدرج إرث عصر الأنوار في نسخة جديدة من الاستشراق، قائمة على رؤية ثنائية للعالم تضع الحضارة والعقلانية والتقدم والحرية في مواجهة الهمجية والتعصب والظلامية. وتشارك حركات اليمين المتطرف في هذه الرؤية النيو-استشراقية التقدمية دون التخلي عن هويتها التقليدية العنصرية والمعادية للنساء والمثليين. صحيح أنها تخلت عن الخطاب العنصري والاستعماري الكلاسيكي، الذي لم يعد مقبولا في القرن الحادي والعشرين (باستثناءات قليلة ملحوظة، مثل الاستيطان الصهيوني)، لكنها تواصل الحديث عن تباين ثقافي وجودي بين الغرب وبقية العالم.

ما العلاقة بالدولة؟

يكمن الاختلاف الجوهري بين الفاشية وما بعد الفاشية في مفهومهما للدولة. وُلدت الفاشية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، في عصر الدولة الشاملة، مع نهاية لرأسمالية دعه يعمل ومع صعود تدخل الدولة في الاقتصاد: فالكينزية، والصفقة الجديدة New Deal ، والفاشية، والخطط الخمسية السوفياتية تنتمي إلى نفس حقبة تعاظم دور الدولة. أ ما بعد الفاشية فقد ظهرت في فترة مختلفة جذريا، وهي عصر الإيمان شبه الديني بالسوق الحرة والرأسمالية النيوليبرالية. ولذلك تتعايش نزعاتها السلطوية مع تمجيد مجتمع السوق.

في هذا السياق، فان كسب دعم النخب الاقتصادية له ثمن باهض، ألا وهو التخلي عن النزعة الدولتية. فلم يعد يُنظر اليوم إلى ترامب بوصفه دخيلا استولى على الحزب الجمهوري، أحد أعمدة المؤسسة الحاكمة الأمريكية. وبالمثل، لم تعد الحركات القومية وما بعد الفاشية الأوروبية تظهر كأعداء مخربين وخطيرين للاتحاد الأوروبي. فميلوني ليست شخصية منبوذة، بل أصبحت شخصية مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي. وقبل وصولهما إلى السلطة، لم يحظَ موسوليني ولا هتلر بدعم صريح إلى هذا الحد من النخب المالية والصناعية في بلديهما؛ ولا يمكن مقارنة وضعهما بالدعم الذي تلقاه ترامب من العديد من المليارديرات، أو الذي تحظى به مارين لوبين من الإمبراطورية الإعلامية التي يسيطر عليها فنسنت بولوريه. في كثير من النواحي، تذكرنا النخب العالمية بالمشاة النائمين في عام 1914 – هؤلاء الأبطال في الحفل الأوروبي الذين استيقظوا فجأة على الكارثة دون أن يفهموا ما الذي كان يحدث.

خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، راقبت الديمقراطيات الليبرالية صعود الفاشية بمزيج من سوء الفهم والتواطؤ. وقد تجسد ذلك أساساً في امتناع فرنسا وبريطانيا المتعمد عن التدخل في الحرب الأهلية الإسبانية، وفي تنازلاتهما لهتلر خلال مؤتمر ميونيخ سنة 1938. واليوم، لا يزال هناك غموض مماثل. وكما يشير وولفغانغ شتريك بحق، فإن النزعة الكونية الاقتصادية والثقافية للنخب العالمية أنتجت، كرد فعل، «شكلا من أشكال القومية المناهضة للنخب الصاعدة من الأسفل»، القائمة على ثنائية ميشيل فهير بين المنتجين والطفيليين. تمنح ما بعد الفاشية تعبرا سياسيا لهذا الاستياء، بينما وفي الوقت نفسه اكتسبت احتراما ومصداقية في أعين النخب المالية والصناعية نفسها.

من الصعب التنبؤ بالمدة التي ستظل فيها قادرة  على التوفيق بين هذه الاتجاهات المتناقضة. ميلي وميلوني وأوربان وترامب يمارسون نوعا من البهلوانية السياسية، اذ يحاولون الإمساك بطرفي القطبين المتناقضين في آن واحد، غير أن هذا التمرين قد يصبح محفوفاً بالمخاطر مع مرور الوقت: فمن جهة، لن يشكل أبدا هذا التقارب بين النخب والطبقات الاجتماعية الأكثر حرمانا كتلة تاريخية حقيقية بالمعنى الغرامشي، بل مجرد شكل مؤقت من أشكال البونابارتية؛ ومن جهة أخرى، فإن شرط تنفيذ هذه الاستراتيجية هو التدمير التدريجي للإطار المؤسسي لدولة القانون والديمقراطية الليبرالية.

منذ التسعينيات، أي منذ نهاية الحرب الباردة، تبنت القوى الحاكمة، سواء كانت من اليسار أو من اليمين، النيوليبرالية كنوع من الفكر الأحادي. هذه هي المقدمة الأساسية للصعود المذهل لليمين المتطرف، الذي ظهر في نهاية المطاف بوصفه بديلا. وفقا لويندي براون، فإن اليمين المتطرف هو الرد غير الديمقراطي على عملية تفكيك الديمقراطية التي أطلقها المنطق النيوليبرالي. ففي مقولة شهيرة عام 1939، كتب ماكس هوركهايمر: «من لا يريد التحدث عن الرأسمالية عليه أيضا أن يصمت بشأن الفاشية» (2). واليوم، يمكننا أن نقول: «من لا يريد التحدث عن النيوليبرالية يجب أن عليه أن يصمت أيضا عن ما بعد الفاشية». على الرغم من أن النيوليبرالية وما بعد الفاشية ليستا مترادفين، إلا أنهما ترتبطان بتحالف وان كان هشا. ويبقى المفتاح الوحيد لمواجهة هذا الاتجاه وتبديد هذه «الاعراض المرضية» هو انبعاث اليسار، أي في بناء استجابة اجتماعية وسياسية قادمة من الأسفل، وبدل أن تُترك للضياع ، تكون قادرة على إيجاد مشروع ورموز جديدة ورؤية جديدة للمستقبل.

20 أبريل 2026

هوامش

1) في الترجمة الفرنسية لدفاتر السجن التي صدرت عن دار غاليمار تحت إشراف روبرت باريس: Cahier 3، §34، 283.

2) ماكس هوركهايمر، «Die Juden und Europa» (اليهود وأوروبا)، Zeitschrift für Sozialforschung / Studies in Philosophy and Social Science، المجلد الثامن.

 

نُشر هذا المقال في مجلة «فيينتو سور» (Viento Sur)، العدد 200، بتاريخ 20 أبريل/نيسان 2026، تحت عنوان: «الفاشية: تفكيرٌ له تاريخ». الترجمة عن الإسبانية، والعناوين الفرعية والرسوم التوضيحية من إعداد هيئة التحرير.