صاغ تروتسكي والسرياليون تصورا لعلاقة الفن والثورة قريب بنحو مدهش من تصور ”المرتد كاوتسكي“.
أسفرت واحدة من أكثر اللقاءات الفكرية إثارة للدهشة، بل وحتى السحرية، في القرن العشرين، على الأرجح، عن صياغة النص الأكثر استراتيجية في هذا القرن في مجال الفن. في الواقع، غالبًا ما اكتست المناقشات حول الثقافة والفن طابعًا استراتيجيًا بالنسبة للحركة العمالية العالمية. ينبغي ألا تُفهم علاقة الماركسيين بالثقافة كمجرد فضول فكري إزاء الجمال، ولا كمحاولة نظرية لتطبيق المادية التاريخية على تاريخ الفن انطلاقاً من "الشذرات الثمينة "1 التي خلفها ماركس وإنجلز. يجب بالأحرى فهمها بما هي جملة مشكلات ملموسة واجهتها الحركة العمالية بقدر تطورها، وكانت تستدعي حلولاً عملية. يمكن تتبع النقاشات حول الفن والثقافة في سياقات مختلفة من الصراع الطبقي: في مطبوعات الحركة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية الواسعة الانتشار، عندما كان القصد تحديد نوع الأدب الواجب نشره في شكل حلقات قراءة للشغيلة، أو نوع المسرحيات الواجب عرضها في المسارح الشعبية؛ وفي مناقشات الأممية الثانية حول المسألة القومية، بصدد وجود ثقافة مشتركة من عدمه بين البروليتاريا والبرجوازية؛ أو بعد ثورة أكتوبر، في التساؤلات حول مستقبل المتاحف الموروثة عن القيصرية، مثلا2. يمكننا إذن الحديث عن توسط ذي طابع استراتيجي يمتد من بناء الوعي الطبقي – بهدف كسر الهيمنة الأيديولوجية للطبقة السائدة – إلى السياسات الثقافية التي ينتهجها الحزب أو الدولة البروليتارية، وصولاً إلى مكانة الفن في المخيال الشيوعي، إلى دور الإبداع والتجربة الجمالية في الانتقال من الفرد المجزأ إلى الكائن الكامل [« الإنسان الكامل » عند ماركس].
جبهة شعبية أدبية
هنا بوجه الدقة، في حقل التفكير الاستراتيجي بصدد الثقافة، يندرج بيان من أجل فن ثوري مستقل، الذي كُتب في العام 1938 بمناسبة لقاء ليون تروتسكي – أحد أبرز شخصيات الثورة الروسية – مع أندريه بريتون، مؤسس الحركة السريالية3. بينما كانت فئة بيروقراطية ذات امتيازات تتوطد في الاتحاد السوفيتي في سنوات 1920 في الحزب والدولة، كانت الأممية الثالثة تتحول بدورها إلى أداة لهذه البيروقراطية المهيمنة. بموجب سياسة «الحقبة الثالثة» التي جرى تبنيها عام 1928، اعتبرت قيادة الأممية أن الرأسمالية بلغت مرحلتها النهائية وأن المواجهة الحاسمة وشيكة، ما دفعها إلى بخس شأن الخطر الفاشي.
بعد رفض الأممية الثالثة أي تحالف مع الاشتراكية الديمقراطية – معتبرةً إياها «اشتراكية فاشية» - ولا سيما في ألمانيا، حيث كانت تمثل أكبر منظمة عمالية، تبنت اعتبارًا من 1934-1935 خطًا معاكسًا تمامًا، أي سياسة «الجبهة الشعبية» المناهضة للفاشية التي لم تشمل الاشتراكيين الديمقراطيين فقط، بل أيضاً الأحزاب البرجوازية «التقدمية» و«الديمقراطية» وغيرها. وفي هذا السياق، كان المؤتمر الدولي للكتاب من أجل الدفاع عن الثقافة، المنظم في عام 1935، يروم إنشاء «جبهة شعبية أدبية» تضم أيضًا المثقفين والكتاب البرجوازيين من الدول الرأسمالية الغربية. وكان هذا المؤتمر، المنعقد في باريس، يحمل أيضًا بصمة واضحة للمعاهدة المبرمة آنذاك بين فرنسا والاتحاد السوفيتي. ونتيجة لهذا المؤتمر، نظمت مجلة Das Wort، التي كان ينشرها باللغة الألمانية في الاتحاد السوفياتي لاجئون مناهضون للفاشية، نقاشا في 1937-1938 شاركت فيه شخصيات مثل جورج لوكاش وإرنست بلوخ وبرتولت بريشت وألفريد كوريلا وهانز آيسلر وبيلا بالاز4. وقد تجاوز هذا النقاش (الذي تخطى إطار هذه المجلة)، موضوعه الأولي المتمثل في التعبيرية، ليكتسب أفقا أوسع عندما تناول المواجهة بين الحداثة الجمالية والواقعية، حول الوظائف والدلالات المنسوبة إلى الفن.
أنصار الفن الثوريون
لن ندخل هنا في تفاصيل هذا البيان الذي وقعه «لأسباب تكتيكية» دييغو ريفيرا وأندريه بريتون، ولكنه مصاغ في الواقع من قبل مؤلف الحب المجنون ومؤلف الثورة الدائمة. وبرغم انعدام أي إشارة صريحة إلى المناقشات المذكورة، يجب فهم هذا النص في ضوئها، إذ أنه يدين الضغوط والتلاعبات والرقابات المفروضة على الإبداع الفني في ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي والدول الرأسمالية «الديمقراطية». لا ندري ما إن كان أندريه بريتون على علم بالنقاش الذي دار في Das Wort، لكن السرياليين شاركوا في مؤتمر الكتاب عام 1935. أعرب بريتون عن عدة اعتراضات على جدول أعمال المؤتمر، واقترح حتى توجها آخر. ومع ذلك مُنع، قبل أيام قليلة من انعقاد المؤتمر، من المشاركة فيه لضربه في الشارع إيليا إيرينبورغ - الكاتب العضو في الوفد السوفياتي - الذي كان قد وجه قبل ذلك إهانات جسيمة للسرياليين. لذلك، قرأ بول إيلوار نصه حيث شجب بشدة المعاهدة الفرنسية السوفياتية ومستتبعاتها السياسية والجمالية. ونُشر، في وقت لاحق، بيان مشترك، وقعه بوجه خاص دالي وإرنست وماغريت –نص شكل، في سياق السريالية، قطيعة واضحة مع الاتحاد السوفياتي. وصف أندريه بريتون لاحقًا الواقعية الاشتراكية بأنها "وسيلة إبادة أخلاقية"5.
كان تروتسكي، برغم منفى شاق دام سنوات، يتابع عن كثب الحياة الأدبية والثقافية، فضلا عن مسؤولياته السياسية والتنظيمية الثقيلة. فقد كتب، بالإضافة إلى كتابه «الأدب والثورة» (1923)، نقدًا مهمًا لروايات؛ وكان في وقت كتابة البيان، على اتصال بمؤرخ الفن، الماركسي الأمريكي ماير شابيرو، وكذلك بمجلة «بارتيزان ريفيو» Partisan Review6 الثقافية الصادرة في الولايات المتحدة. لذلك، يجب اعتبار هذا البيان ردا على المسائل التي أثيرت في السياق السياسي والثقافي الذي نشأ فيه أيضًا الجدل حول التعبيرية - وبشكل أكثر تحديدًا، محاولةً لوضع استراتيجية ثقافية للحركة الاشتراكية: على أي أسس، وانطلاقا من أي تصور جمالي، يمكن إقامة تحالفات؟
يعبر المقطع التالي بإيجاز عن الموقف الذي يدافع عنه البيان:
فالفن الحقيقي الذي لا يرضي بعزف تنوعات على النماذج الجاهزة بل يصر علي التعبير عن الحاجات الداخلية للإنسان وللإنسانية في وقته – هذا الفن الحقيقي ليس بوسعه إلا أن يكون ثوريًا، وإلا أن يطمح إلى إعادة البناء الكاملة والراديكالية للمجتمع، ولو لمجرّد تحرير الإبداع الفكري من القيود التي تكبّله، وتمكين الإنسانية جمعاء من الارتقاء إلى آفاق لم يبلغها في الماضي سوى عباقرة معزولين7.
وهكذا يتبنى البيان مبدأ « إباحة كل فن»، رافضًا بشدة أي انضباط خارجي مفروض على الخيال والإبداع – مثل الواقعية الاشتراكية التي أصبحت الفن الرسمي في الاتحاد السوفيتي. من المعروف أن مسودة بريتون الأولية تضمنت بندًا "باستثناء الثورة البروليتارية"، لكن تروتسكي أصر - عن حق - على حذفه، خوفًا من أن يتم استغلاله. جرى تحديد هدف النص على النحو التالي:
إيجاد أرضية مشتركة تجمع أنصار الفن الثوريين، لخدمة الثورة بأساليب الفن والدفاع عن حرية الفن نفسه ضد غاصبي الثورة. نحن مقتنعون تمامًا بأن التقاء ممثلي الاتجاهات الجمالية والفلسفية والسياسية المتباينة إلى حد ما على هذه الأرضية أمر ممكن.
وفي هذا السياق، تَرِدُ صيغة مدهشة – لأنها صادرة مباشرة عن قلم تروتسكي – تؤكد أنه « يمكن للماركسيين السير هنا جنبًا إلى جنب مع اللاسلطويين» [*]. يدعو النص إلى تأسيس اتحاد للفن الثوري المستقل. ولا شك أن المقصود هنا بناء جبهة ثورية – مناهضة للرأسمالية وللفاشية وللستالينية – تعارض مفهوم الجبهة الشعبية القائم على الدفاع عن «الثقافة» تحت هيمنة الاتحاد السوفيتي وبتحالف مع البرجوازية الليبرالية.
إنتاج الأزرار والإبداع الثقافي
هناك صيغة أخرى بارزة عن اللاسلطوية، لا تقل أهمية، جاءت مرة أخرى من قلم تروتسكي. لا يتعلق الأمر هنا بـ «المشي جنبًا إلى جنب»، بل بتصريح حول الهدف النهائي:
"إذا كان على الثورة أن تبني نظامًا اشتراكيًا ذا سيطرة مركزية من أجل التطوير الأفضل لقوى الإنتاج المادي، فيتوجب عليها منذ البداية، فيما يخصّ الإبداع الفكري، أن تُقيم وتُوَطد نظامًا لاسلطويا قائما على الحرية الفردية. فلا سلطة ولا إكراه، ولا لأدنى أثر للأوامر.!"
ومن اللافت أن يستخدم تروتسكي مثل هذا التعبير في تلك اللحظة بالذات، حيث كان ينتقد بشدة اللاسلطويين «الرسميين» في سياق الحرب الأهلية الإسبانية («لقد نجحت البيروقراطية اللاسلطوية في الاندماج مع المجتمع البرجوازي»)8. من ناحية أخرى، من المعروف أن قائد الجيش الأحمر كان يولي أهمية كبيرة لاستقلالية الفن. ثمة في كتابه الأدب والثورة، الذي كُتب بعد الحرب الأهلية بفترة وجيزة، توتر بين الدفاع عن التدخل ضد الأنشطة الثقافية المُعادية للثورة والتخريبية، ورفض الفن المُسَخر ("ليس الفن مجالًا يكون فيه الحزب مدعوا لإصدار أوامر"). ويتبنى، في نصوصه الأخيرة، لا سيما في البيان ومقال ”الفن والثورة“ الذي كتبه لمجلة Partisan Review، صيغًا أشد حسمًا، مدافعًا عن تصور للفن أكثر «تحرّرية» :" إن الفن، على غرار العُلوم، ليس بحاجة للأوامر وحسب، بل إنه، بحكم طبيعته نفسها، لا يستطيع تحملها. إن للإبداع الفني قوانينه الخاصة9".
لكن الأمر المثير للدهشة، أكثر من الإشارة الصريحة إلى اللاسلطوية لدى تروتسكي، هو أننا نجد هذه الفكرة تظهر، شبه حرفيا، في كتابات كارل كاوتسكي، أحد أبرز شخصيات الأممية الثانية حتى عام 1914. لم يسع كاوتسكي، على عكس شخصيات أخرى في الأممية مثل جورج بليخانوف أو فرانز مهرينغ، إلى تطبيق المادية التاريخية على المجال الثقافي (بل على المسألة الدينية). تعود كتاباته عن الفن بشكل أساسي إلى فترة شبابه، قبل أن يصبح ماركسيًا. ومع ذلك، في الجزء الثاني من كتابه الثورة الاجتماعية10، حيث يصف مجتمع ما بعد الثورة انطلاقًا من التحولات في علاقات الإنتاج، يختتم قسم «الإنتاج الفكري» بهذه الكلمات: "الشيوعية في الإنتاج المادي، واللاسلطوية في الإنتاج الفكري. هذا هو نوع النظام الاشتراكي المنبثق عن سيطرة البروليتاريا".
إذا تفحصنا النص عن كثب، نجد أن كاوتسكي يشدد على أن زيادة وقت الفراغ ستتيح إثراء النشاط الفكري. وهو يرفض أي هيمنة للدولة في هذا المجال ويؤكد أن البلديات والنقابات الحرة يجب أن تؤدي دوراً في تنشيط الحياة الثقافية. ويقول إنه بمجرد ضمان إعادة الإنتاج المادية للحياة، تغدو كمية قوة العمل والفائض المستثمر ين في الإبداع الفكري غير ذات أهمية. فعلى سبيل المثال، سيكون الإفراط في إنتاج الأزرار على حساب الخبز مشكلة، ولكن وجود عشرين دراسة منشورة عن الحضارة الآشورية مقابل عشر دراسات فقط عن علم النبات لن يكون له أي تأثير على وجود المجتمع. ما يقصده، إذن،كاوتسكي بـ«اللاسلطوية» في المجال الفني والفكري ليس حرية الخيال والإبداع، بل غياب التخطيط المركزي – من منظور كمي. وفي هذا المجال حيث «لا يطبق قانون القيمة»، «ليست الإدارة المركزية للإنتاج عديمة الفائدة فحسب، بل هي عبثية أيضاً» ".
الاقتصادوية والديالكتيك
في الواقع تنبع هذا المنهجية، الممكن وصفها بأنها اقتصادوية، من تصور وضعي بنحو عميق للتاريخ، موروث من علم الاجتماع التطوري ومن القراءة «العلمية» للماركسية التي أسهم كاوتسكي ذاته في ترسيخها داخل الأممية الثانية. ليست علاقات الإنتاج، بنظره، مجالًا للتناقضات حيث تتدخل السياسة والوعي ومبادرة الجماهير، بل هي جملة قوانين منتظمة يؤدي تطورها بنحو شبه آلي إلى الاشتراكية. حتى الصراع الطبقي نفسه يخضع لهذا المنطق الموضوعي: فهو يسرع أو يؤخر سيرورة مندرجة أصلا في البنية الاقتصادية. إن هكذا رؤية – خطية، وتراكمية، وموجهة نحو تقدم حتمي – تضعف البعد الديالكتيكي للماركسية، الذي يفترض على العكس من ذلك وجود قطيعات، وانقطاعات، وتدخلاً حاسماً من قبل ذات جماعية.
إن اختزال المادية التاريخية هذا إلى غائية اقتصادية هو بوجه الدقة ما يفسر مقدرة كاوتسكي على الحفاظ، حتى في تأملاته حول «الإنتاج» الفكري –وليس اختيار هذا المصطلح بريئًا في نظرنا – على فصل صارم بين المجال المادي – الذي يخضع، حسب رأيه، للتخطيط الاشتراكي – والمجال الفكري، الذي يُترك لشكل من أشكال «اللاسلطوية» التي لا ينظمه سوى الوفرة والوقت الحر. لكن هذه «الحرية» ذاتها تندرج في إطار مخطط قدري: كما يؤكد في نفس الكتاب، «مهما كانت أفكار البرواليتاريا أو نظرياتها أو إراداتها، فإن منطق الوقائع الاقتصادية» هو الذي يحدد التنظيم المستقبلي للإنتاج الفكري. وبالتالي، فإن منزلة استقلالية الحياة الثقافية لا تنبع من الاقتناع بضرورة تحرير الإبداع أو الذاتية، بل من نزعة اقتصادوية تملي فيها تطوّرات القوى المنتِجة، حتى في المجال الثقافي، شكل المجتمع الآتي.
كان تروتسكي بالطبع قارئًا جادًا لكاوتسكي، على غرار كل ثوري ماركسي من جيله. فقبل أن يصبح مؤلف كتاب «أصول المسيحية» ذلك «المرتد» الشهير، كما وصفه لينين في كتيبه الصادر عام 1918، كان «المعلم، بمعنى الكلمة الحقيقي، الذي يعلّم طليعة البروليتاريا» وفقاً لليف دافيدوفيتش11. غير أنه، إن كان تروتسكي قد تلقى تكوينه في خضم نضالات ومناقشات الحركة العمالية الروسية والأممية الثانية، فإن مقدرته على التحليل ومنهجيته سرعان ما تميزت عن تلك السائدة في الأرثوذكسية الاقتصادوية، من كاوتسكي وبليخانوف إلى المناشفة. وكما يشير مايكل لووي، استوعب الشاب تروتسكي في وقت مبكر، بقراءته لكتابات الماركسي الهيغلي أنطونيو لابريولا، الخصم الشرس للمادية المبتذلة، تصور المادية التاريخية الذي سمح له بفهم التطور التاريخي بما هو حقل تناقضات مفتوحة، لا يقبل اختزاله إلى البنية التحتية الاقتصادية، حيث تؤدي السياسة والوعي والفعل دورًا حاسمًا12. ومن هنا تنبع بلا شك حساسيته الخاصة تجاه الاستقلالية (النسبية) للمجال الفكري-الجمالي-الأيديولوجي، ورفضه لأي غائية آلية، وأخيرًا، المقدرة النظرية التي جعلت من الممكن صياغة نظرية الثورة الدائمة، المرتبطة بمفهوم التطور المتفاوت والمركب.
بيد أنه، إلى جانب هذه الترتيبات المنهجية، لا بد أن ذاتية تروتسكي واهتمامه بالتمثلات الفنية وحساسيته تجاه الجماليات قد أثرت بالتأكيد في تصوره لضرورة حرية لاسلطوية تطلق العنان لخيال الإنسان ورغباته. ففي مقال يتناول قضايا الحياة اليومية في أعقاب ثورة أكتوبر، وبعد أن أبرز إسهام ” الطوباوي الفرنسي الكبير فورييه“ بشأن أهمية الجمع ”بشكل عادل وعقلاني بين الغرائز والعواطف“ في مجتمع المستقبل، كتب مؤسس الجيش الأحمر هذه السطور المُربكة: "إن الرغبة في التسلية واللهو والعبث والضحك هي رغبة مشروعة للطبيعة البشرية. ونخن قادرون بل وملزمون بأن نؤمن لها تلبية فنية أكثر فأكثر، وأن نجعل من التسلية، في الوقت نفسه، وسيلة تربية جماعية بلا إكراه ولا توجيه قسري13 ". يؤدي الفن بما هو تعبير عن رغبة الإنسان "في الانسجام والكمال في الوجود""، وبما هو أيضا ”عمل احتجاجي على الواقع“، دورًا محوريا لدى تروتسكي في المجتمع الرأسمالي كما في المجتمع المتحرر من كل صنوف الاضطهاد. وهذا ما يجعله مسألة سياسية واستراتيجية وثورية بالغة الأهمية، لا سيما في ”منتصف ليل القرن“: « يتمثل الأساس الأيديولوجي للصراع بين الأممية الرابعة والأممية الثالثة في تناقض عميق ليس في تصور مهام الحزب وحده، بل وفي تصور الحياة المادية والأخلاقية للبشرية بوجه عام. إن الأزمة الحالية للثقافة هي قبل كل شيء أزمة القيادة الثورية"14.
لا يبدو أن أيًا من المصادر المطلع عليها حتى الآن قد أبرز تماثل أقوال تروتسكي وأقوال كاوتسكي. ومع ذلك، فمن غير المرجح ألا يكون ليف دافيدوفيتش لم يقرأ مؤلف كاوتسكي هذا. وصحيح أيضًا أنه من غير المعتاد في التقاليد الماركسية وصف تصور الإبداع الفني أو الثقافي بعد الثورة بأنه لاسلطوي. يمكننا إذن أن نفترض أن تروتسكي أعاد - بوعي أو بدونه - تأويل هذه الصيغ المستمدة من قراءاته لكاوتسكي، بما أدى إلى تغيير معناها: من عدم التخطيط إلى «نظام الحرية الفكرية» حيث الخيال والإبداع لا يخضعان إلا "لقوانينهما الخاصة".
8 ديسمبر 2025
[*] يستحسن ترجمة anarchisme باللاسلطوية (رفض كل سلطة)، عوض أناركية، وحتى وصف فوضوية القدحي.
- 1
فرانسوا شامبارنو، الثورة والثورة المضادة الثقافيتان في الاتحاد السوفياتي – من لينين إلى جدانوف، منشورات أنثروبوس، 1975.
- 2
انظر: سوزان ميلر، «النقد الأدبي لدى الاشتراكية-الديمقراطية الألمانية في نهاية القرن الماضي»، الحركة الاجتماعية، يونيو 1967؛
كلودي فايّ، «مفهوم الثقافة في النظريات الماركسية حول المسألة القومية»، الإنسان والمجتمع، العدد 97، سنة 1990. - 3
أرتورو شوارتز، بريتون/تروتسكي، سلسلة 10/18، 1977؛
جيرار روش، «لقاء النسر والأسد»، دفاتر ليون تروتسكي، مكتب معهد تروتسكي، العدد 25، مارس 1986؛
ميخائيل لوفـي، «ليون تروتسكي وأندريه بريتون في ظل بركان بوبوكاتيبيتل»، نوفمبر 2018، مجلة اللا-رأسمالي، العدد 102؛
أوراز أيدن، «تروتسكي، بريتون وبيان كويواكان»، 25 يوليوز 2013، e-skop. - 4
أدورنو، بنيامين، بريخت، بلوخ، لوكاش، الجماليات والسياسة، دار فيرسو، 2020؛
يوجين لون، الماركسية والحداثة: دراسة تاريخية حول لوكاتش وبريخت وبنيامين وأدورنو، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1984. - 5
أندريه بريتون، حول «الواقعية الاشتراكية» بوصفها وسيلة للإبادة الأخلاقية، مفتاح الحقول، فايار، 1977.
- 6
جيرار روش، «Partisan Review . دفاتر ليون تروتسكي، العدد 19، سبتمبر 1984.
- 7
تروتسكي وبريتون: من أجل فن ثوري مستقل، على الرابط:
https://revsoc.me/arts-and-literature/byn-nhw-fn-thwry-hr-lywn-trwtsky/ - 8
ل. تروتسكي، «الفن الثوري والأممية الرابعة»، الأعمال، يونيو 1938.
- 9
ل. تروتسكي، «الفن والثورة. رسالة إلى Partisan Review».
- 10
كارل كاوتسكي، الثورة الاجتماعية، 1902.
- 11
ل. تروتسكي، «كارل كاوتسكي»، 8 نوفمبر 1938، الأعمال.
- 12
ماركسية تروتكسي في كتاب نتائج وتوقعات: قطيعة حاسمة مع الماركسية الميكانيكية للأممية الثانية»، ميخائيل لوفـي، 9 سبتمبر 2006، وجهة نظر أممية (International Viewpoint).
- 13
ل. تروتسكي، «الفودكا والكنيسة والسينما: الثورة والحياة اليومية»، على الرابط:
https://www.almounadila.info/wp-content/uploads/2018/11/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9.pdf
الصفحتان 14–15. - 14
ل. تروتسكي، «الفن والثورة…» انظر الملاحظة 9.