مجلة وموقع تحت مسؤولية المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

السلطة والطابع الطارئ للأزمة البيئية

بقلم مارتين لالانا, جوليا مارتي
Militants écologistes. DR.

لا يمكن إنكار الطابع الطارئ للأزمة الشاملة للرأسمالية، لا سيما بسبب الأزمة البيئية. ويتطلب التصدي لها رؤية واضحة لمسألة السلطة والانتقال نحو مجتمع آخر.

 

الوضع واضح لا لبس فيه: نحن على شفا كارثة مناخية لا رجعة فيها(1). في عام 2025، تجاوزنا بالفعل سبعة من الحدود الكوكبية التسعة(2). ويؤدي ذلك بشكل أساسي إلى تسريع وتفاقم الأزمة البيئية برمتها. يتم تحطيم الأرقام القياسية للانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون وتركيزه في الغلاف الجوي كل عام. طالما أن الصنبور مفتوح، فلن ينخفض التدفق. وقد لوحظ مؤخرًا أن قدرة المحيطات على امتصاص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون آخذة في الانخفاض(3). ونلاحظ نفس الظاهرة في الغابات: في عامي 2023 و2024، أدى اجتثاث الغابات والحرائق الهائلة إلى خفض قدرة الغابات على امتصاص الكاربون إلى أدنى مستوي لها(4). في فنلندا، لم تعد الغابات تعمل كمصائد للكربون بل كمصدر للكربون(5)!.

في الوقت نفسه، بلغ انهيار التنوع البيولوجي مستوى كارثيا. منذ عام 1970، انخفضت أعداد الحيوانات البرية بنسبة 73٪(6)، وما يقرب من مليون نوع مهدد بالانقراض. وقد بدأ انخفاض أعداد الحشرات بالفعل في تقليص إنتاج الغذاء. ويصاحب ذلك الاستخدام المكثف للأسمدة الكيماوية في الصناعة الزراعية، مما يؤدي إلى استنزاف خصوبة الأراضي الصالحة للزراعة.

الفوضى العالمية

علاوة على ذلك، لا يمكننا تحليل الاستعجال البيئي بمعزل عن السياق: فهو يحدث في ظل سياق اجتماعي-اقتصادي وجيوسياسي عالمي غير مستقر. إن غزو أوكرانيا، والإبادة الجماعية في فلسطين، والتدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، والانتفاضات، والانقلابات، والحروب على الموارد في أفريقيا، وما إلى ذلك، كلها تصف حالة من الفوضى العالمية. ولكن من ناحية أخرى، فإن تصاعد الهجرة، واتساع التفاوتات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانزياح المجتمع نحو اليمين، والقمع والعنف (التي لها تأثير أكبر بكثير على الأشخاص المعرضين للعنصرية، والنساء، والأشخاص المنتمين لمجتمع الميم بمختلف هوياته وتوجهاته الجنسية وتعبيراته الجندرية(LGBTQIA+)، والناشطين، إلخ) تكشف عن سلسلة من حالات الاستعجال المتراكمة، والمترابطة إلى حد كبير، والتي يتعين وضع حلول لها. حتى لو غضضنا الطرف، فإن كل هذا يستمر في الحدوث، بسرعة متزايدة، وبخطورة متزايدة، وبشكل لا رجعة فيه. لكن الوعي بالكارثة الجارية لا يتحول تلقائيًا إلى فعل لمواجهتها. إن الصراع الحقيقي حول الأزمة البيئية والاجتماعية لا يتعلق بالنقاش العلمي، بل بمسألة السلطة. ومن هذا المنظور ينطلق التفكير الذي نود طرحه في هذا المقال حول السلطة والمسائل الاستعجالية.

مسألة الطابع الطارئ

في مثل هذا السياق، تَكبُر الشكوك بشكل منطقي بشأن الاستراتيجية السياسية التي ينبغي اعتمادها لمواجهة أمثل للطابع الطارى للأزمة البيئية. في الواقع، فإن المُهَل الزمنية لتنفيذ التحولات الهائلة اللازمة لا تتجاوز عقداً أو عقدين. وتتزايد كارثية عواقب التقاعس عن العمل. وبالتالي، فإن الافتقار إلى اليقين الاستراتيجي يؤدي إلى استجابات مُتباينة، تشترك في الوعي بحالة الاستعجال، ولكنها تتبنى مقاربات مختلفة، وغالباً ما تكون متناقضة. وسنحلل تلك التي تمارس قدرًا معينًا من التأثير في سياق الدولة الإسبانية.

وقد شدد مفكرو التيار التقدمي الأخضر الإسباني مؤخرًا على مسألة الإطار الزمني لتبرير مشروعهم السياسي. إذ يؤكد إميليو سانتياغو أنه لا يمكن قبول أي عائق أمام إزالة الكربون وأن اليسار لم يعد بإمكانه التوقف عند الذرائع الأيديولوجية مثل عدم المساواة أو أرباح الشركات الخاصة الكبرى(7). ويؤكد خوسيه لويس رودريغيز على أهمية إقامة تحالف مع الجناح الأخضر لرأس المال(8). يعتبر زان لوبيز أن على اليسار أن يتخلص من دوغمائيته ويعمل في إطار الرأسمالية كما هي لتعزيز الديمقراطية الليبرالية الخضراء(9). يدافع سيزار ريندوليس عن أن راهنية الأزمة البيئية تحول تراث الماركسية إلى خيال مرضي وكارثي سياسياً(10).

يصر الجميع على النقطة نفسها: ليس من الواقعي انتظار سقوط الرأسمالية لتجاوز الأزمة المناخية. ومن هذا المنطلق، يدعون إلى براغماتية خضراء تختار الإدارة الخضراء للواقع القائم. إذا كانوا قبل بضع سنوات يبررون هذا المسار بحجة أنه يتماشى مع روح العصر؛ فإنهم يبررونه الآن باعتباره المسار الوحيد في مواجهة صعود الفاشية الأحفورية.

على صعيد الحركات الاجتماعية، حتى لو لم يتم استعادة حيوية التحركات المناخية التي سبقت الجائحة، فقد ورثنا عنها تجذر بعض القطاعات النضالية. استخدمت تجمعات مثل «إكستينكشن ريبيليون»(Extinction Rebellion) أو «فوتورو فيجيتال»(Futuro Vegetal) تكتيكات العصيان المدني لجذب الانتباه إلى الطابع الاستعجالي للوضع. كما تتمتع الحركة الفرنسية «انتفاضات الأرض»(Les Soulèvements de la terre) بنفوذ متزايد داخل المجموعات البيئية المستقلة ومجموعات الدفاع عن الأراضي. وقد أدى ذلك إلى الظهور المفاجئ لـ«انتفاضات الأرض» في كاتالونيا. دون أن ننسى الانتفاضات الفلاحية في مختلف أنحاء أوروبا، والتي، على الرغم من أن مطالبها ليست دائماً بيئية، إلا أنها تسلط الضوء على أعراض هذه الأزمة.

ويتساءل أعضاء التجمع البرتغالي«كليمامكسيمو»(Climáximo) عن الاستراتيجيات الحالية للحركات من منظور الطابع الاستعجالي(11). وينتقدون الطريقة التي تواصل بها أغلب التنظيمات التهرب من هذه المسألة. وهم يرون أن لا البناء التدريجي للسلطة والتنظيم المجتمعي، ولا التعبئة الجماهيرية، ولا المطالب الملموسة والواقعية، تستجيب بشكل صحيح للطابع الاستعجالي للأزمة. وفي الوقت نفسه، يحذرون من أن حجم التهديد غالبًا ما يُقابل بالتخلي عن النضال من أجل الظفر بالسلطة والانكفاء على المشاريع المحلية. ويؤكدون أنه «إذا أردنا التخطيط لتفكيك الرأسمالية في غضون المُهَل التي يفرضها تغير المناخ، فنحن بحاجة إلى نظرية للتغيير وإلى نموذج تنظيمي يتوافقان مع هذه المهمة».

وهم يشددون على أهمية تعزيز المنظومة الشاملة للحركات والتنظيمات الملتزمة بالقطيعة الثورية. ويقترحون أن تتخذ التنظيمات موقفاً يعكس ذهنية الحرب في مواجهة الطابع الاستعجالي للأزمة المناخية: بحيث ينبغي لكل استراتيجية، ولكل تكتيك، ولكل سيرورة داخلية، أن تكون فعالة، وأن تعتمد تكوينات سريعة، وأن تكون مرنة.

أما بالنسبة لـ«التقدميين الخضر»، سيُنظر إلى كل تموقع أيديولوجي باعتباره يتعارض مع كل مشروع ثوري. إنهم يعارضون المواقف المناهضة للرأسمالية، معتبرينها عوائق أمام حل للأزمة البيئية، على الرغم من أن نتائج براغماتيتهم لا تزال غير مرئية. علاوة على ذلك، فإن الطريقة المضللة التي ينظرون بها إلى الطابع الاستعجالي لفرض مشروعهم السياسي تذكرنا كثيراً بالشعار الشهير «لا يوجد بديل»، الذي يشرعن الحلول المعادية للديمقراطية، وتتجاهل أننا، بدون الأفراد الأكثر تضرراً من هذه الأزمة البيئية والاجتماعية، لن نتمكن من إطلاق السيرورات الجذرية اللازمة للتحولات الطموحة التي نحتاجها.

وإن كان بالإمكان التماهي مع بعض مواقف «كليماكسيمو»، فإن نتائجها لن تكون سوى إفراط في الإرادوية. وعلى صعيد الممارسة العملية، يمكن ملاحظة أن خيار تسريع وتكثيف النضال يطمس السياق الملموس للحركات والديناميات المحلية التي تمر بها. إذا كان التجذر يظل نتيجة إيجابية للطابع الاستعجالي، فإن واقع الحركات الاجتماعية لا يزال شديد التشرذم وغير قادر على استقطاب طبقات واسعة من المجتمع.

وبالتالي، يمكن ملاحظة وجود مقترحات مفيدة لإعادة تنظيم الحركات وتعزيزها، ولكن من دون أي مقترح واضح لحل مسألة السلطة. وفيما يلي، سنحاول رسم ملامح ردنا الخاص على الأزمة البيئية والاجتماعية. وسنشير إلى بعض الثغرات في الفكر الاشتراكي البيئي، ونطور تأملاتنا حول السلطة وحول طابع الاستعجال في مواجهة الأزمة البيئية والاجتماعية.

إثراء الفكر الاشتراكي البيئي

بدأت النقاشات حول الأزمة البيئية داخل الفكر الماركسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد خلّف أكثر من نصف قرن من الفكر الاشتراكي البيئي إرثاً ثميناً ولعب دوراً مهماً في كل من المنظمات الماركسية والحركة البيئية. لكن الاعتراف بهذا الإرث لا يمنعنا، في الآن نفسه، من الاعتراف ببعض الحدود التي قد تكون هذه الأفكار قد بلغتها والإشارة إليها.

في معظم الحالات، ركز الفكر الاشتراكي البيئي حصرياً على الجانب البيئي من النقاش. لم تُعالج بعض القضايا المركزية في الماركسية من خلال هذا المنظور: مثل الدولة، والأزمة، والتنظيم، أو الانتقال، بحيث إن إسهامات هذا الفكر تحتاج إلى أن تُستكمل بمدارس أخرى من الفكر الماركسي. غير أن مثل هذا التركيب لا يولّد، للأسف، نتيجة مُرضية ومتناسقة. وهذه هي بالضبط النقطة الذي يجب أن يثري فيها الفكر الاشتراكي البيئي نفسه. وتظهر الإشكالية نفسها في مسألة التوقيتات السياسية. فهناك إرث غني من النقاشات حول التوقيتات السياسية والتنظيم والاستراتيجية في الماركسية. لكن إعادة قراءة اشتراكية بيئية لهذا الإرث لا تزال مهمة مطروحة أمامنا.

يعود التفكير في التوقيتات السياسية والتنظيم داخل الماركسية إلى النقاشات في صفوف الأممية الثانية والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني(SPD). كان إدوارد بيرنشتاين يدافع عن البرلمانية باعتبارها مسيرة طويلة نحو الاستيلاء التدريجي على السلطة. بالنسبة لكارل كاوتسكي، كانت الثورة تُختزل في تعديل ميزان القوى داخل الدولة وفي نمو الجماهير العمالية. وهكذا كان يراهن على تراكم سلبي للقوى، من أجل «التقدم بصبر على طريق السلطة إلى أن تسقط السلطة كثمرة ناضجة». وضعت هذه المفاهيم الحزب في دور المربي الذي يثقف الطبقة العاملة وينظمها.

وهذا ما وجه إليه والتر بنجامين اتهام الاستسلام التاريخي(12). فقد كانت الاشتراكية الديمقراطية الألمانية تتبنى تصورا لزمن متجانس وفارغ، زمن تقدم آلي بلا أزمات ولا قطيعات. توقيت زمني بلا أحداث. بالنسبة لبنجامين، كان هذا التحيز قد خدر اليقظة الثورية في مواجهة التهديدات. ففي تصوره، إن الزمن الاستراتيجي للسياسة ليس خطياً ولا فارغاً: إنه زمن متقطع، غير مترابط وممزق، مليء بالعقد والوقائع المشبعة بالمعنى.

أما أكثر القطيعات أهمية، فكانت تلك التي صاغها لينين من خلال مساهمتين أساسيتين: مفهومه للأزمة الثورية وتصوره للحزب. فبالنسبة للثوري الروسي، لا يكون الحزب مربّيًا يراكم القوى بصبر، بل فاعلًا استراتيجيًا يتفاعل بمرونة مع الظرفية الراهنة. يجب التحضير للثورة من خلال بناء منظمة قادرة على العمل في ظروف قصوى، دون أن تشلها أدنى تحديات. ولهذا السبب يجب أن يكون الحزب دائمًا مستعدًا للمفاجآت وأن يجهز جميع الجبهات. وكما يصف دانيال بنسعيد، فإن سياسة لينين هي سياسة نفاذ صبر(13). فسياسة الزمن المقطوع في الاستراتيجية اللينينية هي زمن تحدده إيقاعات الصراع وتقطعه الأزمات. وفي هذا الزمن المقطوع، يعمل الحزب كعلبة تبديل سرعة القيادة للثورة.

هل تقدم هذه المناقشات إجابة مرضية لمسألة الطابع الاستعجالي للأزمة البيئية؟ سيكون من غير الأمانة الإجابة بالإيجاب. فرغم جاذبية هذه النقاشات، لا يمكن تطبيقها آلياً على مسألة التوقيتات السياسية للأزمة البيئية.

السلطة والأزمة والانتقال

سنحاول رسم ملامح إجابتنا عبر ثلاث مقاربات: مقاربة السلطة، ومقاربة الأزمة، ومقاربة الانتقال.

أولاً، يبدو لنا أن تناول مسألة الاستيلاء على السلطة أمر أساسي في سياق تواصل فيه الحركات الاجتماعية البيئية التهرب من هذه القضية. سواء كان ذلك تحت تأثير الحركة الذاتية، أو خوفاً من الإصلاحية، أو ببساطة بسبب العجز وعدم القدرة على تخيل سيناريوهات للقطيعة، فإنه لا يتم تصور علاقة مع الدولة لا تقوم إما على منطق الضغط والمطالبات، أو، على العكس، على مواجهة لا تهدف إلى تحويل السلطة، بل فقط إلى إضعافها.

إننا بحاجة إلى إثارة مسألة كيفية تحويل الدولة على ضوء حالة الاستعجال. لأن الفكرة القائلة إنه لا وقت لدينا لإجراء تحولات كبرى، وبالتالي من الأفضل التكيف وإيجاد حل وسط، تقودنا إلى مأزق تستمر فيه الرأسمالية في العمل وكأن شيئاً لم يكن. إن تجنب هذا التحدي والتركيز حصرياً على بناء فضاءات مستقلة يعني أيضاً التخلي عن أدوات التدخل في الاقتصاد التي هي ضرورية وعاجلة.

وبناءً على ذلك، ما الذي يعنيه الاستيلاء على السلطة بالنسبة لمشروع اشتراكي بيئي داخل ديمقراطية ليبرالية غربية؟ كان تصور لينين للأزمة الثورية قائمًا على ازدواجية السلطة وعلى حملة سياسية وعسكرية للإطاحة بجهاز الدولة المُسيطر. يصعب تطبيق هذا النموذج في البلدان التي يوجد فيها مجتمع مدني قوي ومتجذر في أعماق المجتمع، حيث تمارس الدولة هيمنة قوية وتتمتع بشرعية قوية.

في هذه المناطق، صاغت مناقشات الأممية الشيوعية نماذج أخرى: الحكومة العمالية والنهج الانتقالي(14). وقد لوحظ هناك كيف أن التجذر الاجتماعي للطبقة العاملة كان يترجم أولا في شكل تطلعات إصلاحية نحو حكومة ديمقراطية تستجيب للمطالب المطروحة. في مثل هذه الشروط، يمكن أن يؤدي وصول القوى الاشتراكية إلى الحكومة عن طريق صناديق الاقتراع دورًا مؤقتًا وانتقاليًا. ومع ذلك، سيتعين على هذه الحكومة مواجهة عمليات التخريب الاقتصادي من قبل الرأسماليين، وكذا مواجهة حالة العجز والإحباط المتزايدين، فضلاً عن تصاعد دينامية الصراعات الطبقية. ومن هنا يأتي النهج الانتقالي: يمكن لهذه الحكومة أن تلعب دور الجسر، لكنها مطالبة بتجاوز السياسة الإصلاحية وتعزيز عملية التجذر.

الحكومة العمالية، السلطة المضادة والبرنامج الانتقال

علاوة على ذلك، في سياق أزمة بيئية واجتماعية، سيعتمد نجاح هذه الاستراتيجية بشكل خاص على القدرة على بناء مؤسسات للسلطة المضادة. هذه المؤسسات أساسية لتقوية الطبقات الشعبية في سياق من التفقير وتصاعد العنف. ولكن سيتعين عليها أيضًا خلق أشكال من الاستقلالية وإبطال ابتزازات رأس المال، بالإضافة إلى بناء تجارب في تشييد السلطة لا تمر عبر التفويض – وهي سمة من سمات الديمقراطيات الليبرالية – وتسهيل عملية التجذر وتجاوز الإطار القائم.

إن إقامة حكومة انتقالية مدعومة بهياكل للسلطة المضادة هي فرضية يمكن تطبيقها بسهولة في فترة الأزمة البيئية. فليس من الضروري الإيمان بإلغاء الرأسمالية على نطاق عالمي خلال العقد القادم لاعتماد استراتيجية ثورية: يمكن تماماً لحكومة عمالية – ونعني «الطبقة العاملة» بالمعنى الواسع – التي تصل إلى السلطة انتخابياً في لحظة من التجذر الاجتماعي أن تعمل على تطوير مطالب انتقالية تساهم قدما في الدفع بالانتقال البيئي. ونموذج ذلك، تأميم شركات الطاقة، وإصلاح زراعي بيئي، والتوسيع الهائل لوسائل النقل العام، والتخفيض الجذري لساعات العمل، وتسوية أوضاع اللاجئين، ومصادرة المساكن المملوكة للشركات وصناديق الاستثمار، أو إنهاء خصخصة الرعاية الصحية. لكن ستواجه هذه التدخلات عقبات وتخريبًا، بحيث سيكون تعزيز استراتيجية القطيعة هو الرد الوحيد الممكن. ومن وجهة نظر براغماتية، إذا كان هناك شيء يعلمنا إياه القرن العشرين، فهو أن أي برنامج إصلاحي ذي مغزى لم يكن فعالاً إلا عندما كانت الثورة تشكل تهديدًا حقيقيًا.

أجوبة اشتراكية على الأزمات

ثانياً، ما هي آثار الأزمة والتعبئات الاجتماعية؟ في زمن الأزمة البيئية والاجتماعية المضطرب، يتعلق الأمر بعناصر مركزية، تظهر بطرق متنوعة. على الصعيد الاقتصادي، نعلم أنه خلال العقد القادم، سنواجه أزمة اقتصادية جديدة. إن التراكم الرأسمالي في حالة سيئة، ومنذ السبعينيات، يشهد الشمال العالمي أزمة كل عشر سنوات. وبعيداً كل البعد عن التحليلات اليسراوية، فإن هذه الأزمات لا تمثل شرارة مواتية لانفجارات ثورية. ففي أوقات الأزمات، يسترجع الرأسماليون استقرار معدلات أرباحهم ويعززون هيمنتهم على الطبقة العاملة. الأزمات ليست أعراضاً لاستنفاد كارثي، بل إنها تعيد تنشيط التراكم الرأسمالي.

يدافع ستالي هولجرسن عن فكرة أن الاشتراكية البيئية لا يمكنها أن تتهرب من الأزمات أو تتجاهلها(15). لتجنب إعادة إنتاج لانهائية لنفس الوصفات الكينزية التي تعيد ترميم التنافسية وربحية رأس المال، ينبغي علينا تحضير استراتيجيات وبرامج اشتراكية لمواجهة الأزمة. نحن بحاجة إلى خطط عمل ملموسة للإدارة الفورية للأزمة، من أجل تقليل الأضرار الاجتماعية إلى أدنى حد وتطبيق سياسة طبقية في أوقات الصدمة. يتعلق الأمر أساسًا بالاستعداد لتسارع الصراع الطبقي، في اللحظة التي يدخل فيها، حتمًا، في صراع مع الربح والملكية الخاصة. وستلعب هياكل السلطة المضادة للطبقات الشعبية دورًا رئيسيًا في ذلك، تمامًا مثل القدرة على صياغة استراتيجيات تنجح في تحويل الحالة الذهنية التي يولدها الوضع الجديد إلى تغييرات حقيقية.

الأزمات الاجتماعية وأزمة القيادة

من ناحية أخرى، هناك التعبئات الاجتماعية. وهي تتطور بشكل مستقل عن الأزمة الاقتصادية. كانت ديناميكية القرن الماضي تضع الصراع عمومًا سابقا للأزمة. يدافع جوشوا كلوفر عن أن الشكل الذي يتجلى من خلاله الصراع الطبقي في عصرنا هو الاضطرابات(16)، التي يعرّفها بأنها شكل من أشكال العمل الجماعي الذي يسعى إلى «تجميد أسعار» سلع السوق، ويحشد دوما المزيد من الأشخاص المستبعدين من سوق العمل المأجور. وهو يتابع النضالات الجماهيرية حول أسعار الوقود والنقل في فرنسا، والبرازيل، والمكسيك، وهايتي. وعند دراسته لظاهرة مماثلة، يخلص فينسنت بيفينز إلى تقييم مرير للتعبئات الجماهيرية خلال العقد 2010-2020(17). من خلال تدخل حركات في تونس ومصر وتركيا والبرازيل وكوريا الجنوبية وشيلي، يخلص إلى أنها سمحت بخلق فراغات سياسية، لكنها لم تتمكن من استثمار الأوضاع الثورية. وبما أن التعبئات الجماهيرية، الفاقدة للقيادة، لم تكن قادرة على الاستيلاء على السلطة، فقد عرفت النخب الاقتصادية المنظمة كيف تنتهز فراغ السلطة كي تعزز مواقعها.

إن الأزمات، والانتفاضات، والمظاهرات الجماهيرية هي ثلاثة ظواهر ستحدث في السنوات القادمة. إنها أحداث ستجعل الزمن السياسي مضطربا. ترتبط الطبيعة الاستعجالية للأزمة البيئية ارتباطًا مباشرًا بقدرتنا على التدخل في تلك اللحظات. إذا وجدت منظماتنا نفسها مُعَطلة أو على الهامش، فسنكون قد خسرنا عقدًا من الزمن ليس بوسعنا تحمل خسارته. علاوة على ذلك، من الممكن أن تأخذ هذه الأحداث منحىً مضاد للثورة: يصف ريتشارد سيمور، من خلال مفهوم «قومية الكارثة»، كيف يستغل اليمين المتطرف الكوارث، الحقيقية منها والمختلقة، لتوسيع قاعدته الاجتماعية وتجذيرها(18)، وذلك بتوجيه التطلعات والانفعالات نحو مسار رجعي، وعرض تخيلات عنيفة كمتنفس للإحباط الاجتماعي. يتطلب الاستعداد للتدخل في الأزمات والانتفاضات توسيع قاعدتنا، وتعزيز تحالفاتنا، ولكن قبل كل شيء أن نكون قادرين على قراءة الواقع الاجتماعي للتنبؤ بمخارج تحررية للإحباطات ولبنائها.

ما هي الإجراءات الملموسة؟

أخيرًا، ما هي المكاسب الضرورية من أجل انتقال اشتراكي بيئي، انطلاقًا من الوضع القائم؟ من ناحية، قامت «انتفاضات الأرض» بتعميم مفهوم نزع السلاح كاستراتيجية دفاعية لتفكيك وإعاقة البنى التحتية التي تقودنا نحو الانهيار(19). وقد تمكنت هذه الاستراتيجية الناجحة في ترك بصمة على النقاش العام وفي إعاقة بعض المشاريع الضخمة – حتى وإن كان من الضروري خوض بعض النقاشات التكتيكية حول الأشكال، ونوع البنى التحتية التي يجب استهدافها، والعواقب على الطبقة العاملة، من أجل توسيع نطاق هذه الاستراتيجية. من ناحية أخرى، يدافع كاي هيرون وكير ميلبورن وبيرتي راسل عن بناء أدوات للملكية العامة والمجتمعية في قطاعات أساسية من إعادة الإنتاج الاجتماعي(20)، مثل الرعاية الصحية والإسكان والطاقة أو الغذاء. وهذا يولد إطارًا مؤسسيًا يعتمد على المشاركة الشعبية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية والحد من هيمنة رأس المال. وهذه الأدوات ليست نتيجة ثورة اشتراكية بيئية، بل هي نهج لبناء سلطة شعبية وللمضي قدمًا في التحول البيئي. وهو مشروع ملموس وقابل للتحقق يمكن أن تتلاقى حوله القوى المنظمة.

ينبغي للمكاسب الاشتراكية البيئية أن تجمع بين هذه الحركة المزدوجة، المتمثلة في الإطاحة من جهة والتأسيس من جهة أخرى، والتي تعمل على الأشكال الجديدة لتنظيم الاقتصاد والمجتمع. وتحسين طرق الجمع بينهما بما يعزز تغذيتهما المتبادلة بدل تعارضهما.

في هذه الحالة، نرى كيف يمكن لمشروع تنظيمي اشتراكي بيئي أن يستجيب للطبيعة الاستعجالية للأزمة البيئية والاجتماعية. يمكن فهم توطيد وتوسيع مؤسسات السلطة المضادة، القادرة على فرض مطالب انتقالية على المستوى الوطني، على أنه الاستحواذ على أدوات تستجيب في الوقت نفسه للاحتياجات الاجتماعية ولضرورة إضعاف هيمنة رأس المال. يمكن أن يوفر الترابط الجدلي بين عمليات النضال الاجتماعي والانتصار الانتخابي إجابة على الطابع المُستعجل للأزمة البيئية والاجتماعية. إن التحويل العاجل والهدف المتمثل في تعزيز قوة الأدوات الشعبية ليسا مجرد مشاريع في الهواء، بل يجب أن يكونا جزءًا ملموسًا من استراتيجية تعبئة القوى الثورية.

الاشتراكية البيئية والهمجية

تقدم المناقشات حول السلطة والأزمة والانتقال بعض الإجابات لمشكلة الاستعجال. يجب على المنظمات الثورية الاشتراكية البيئية أن تتفاعل بمرونة مع الظرفية الراهنة، وأن تطرح مطالب انتقالية، وتضع برنامجاً لمواجهة الأزمات، وأن تتدخل في الحركات الاجتماعية، وأن تبني أدوات انتقالية تلبي الاحتياجات الاجتماعية. كما يجب عليها استخدام الحكومة العمالية كجسر بين تطلعات الشعب وأفق القطيعة. كل هذا مرتبط بفترة الأزمة البيئية.

ننطلق من قناعة: لا توجد طرق مختصرة، لكن كل انتصار جزئي ننتزعه له أهميته. لا توجد طرق مختصرة لا في الوسائل ولا في الغاية – نحو استيلاء الطبقة العاملة على السلطة السياسية. لكن يتوجب علينا إلى ذلك الحين أن ننجز تحولات هائلة. ومن غير المرجح أن يُستكمل برنامج اشتراكي بيئي قبل الآجال المحددة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل جذري. ومن المرجح أيضاً ألا ينجح برنامج إصلاحي براغماتي في ذلك، لأننا، من بين أمور أخرى، بدأنا بالفعل في تجاوز نقاط اللاعودة الخطيرة.

لهذا السبب، يجب أن يتطور التعبير المألوف «اشتراكية بيئية أو همجية» إلى «الاشتراكية البيئية داخل الهمجية». أو بالأحرى، كيف نبني الاشتراكية البيئية من خلال تجاوز الهمجية. نحن لا نواجه سيناريو «إما كل شيء أو لا شيء». نحن نواجه سيناريو متقلب، يزداد كارثية باستمرار، ولا يوجد فيه مستقبل مؤكد. علينا تجنب أسوأ النتائج، ولهذا السبب يجب علينا تعزيز قوتنا. نحن نعلم أن الصراع الطبقي سيتصاعد وأن التنظيم الشعبي سيكون الإمكانية الوحيدة لتحقيق النصر وتجنب التراجع.

هذا أمر أساسي. كما قلنا، فإن اليمين المتطرف يحقق تقدما في معركة قيادة مشاعر الإحباط نحو تجذر رجعي. إن عدم أخذ ذلك في الحسبان في تحليلنا سيكون خطأ فادحاً. إن الانتشار الاجتماعي للمواقف الرجعية والعنصرية يُبطِل أي تقدم جزئي نحو الانتقال البيئي. إن رد الفعل الشعبي على ”الدانا“(منخفض جوي معزول على ارتفاعات عالية) في منطقة فالنسيا(21) مثال على ذلك. يدرك المعنيون الأمر تمامًا: ما حدد القدرة على الاستجابة لهذه الحالة هو وجود هياكل شعبية سابقة. وفي غيابها، سيؤدي تزامن الكوارث المناخية مع قوة اليمين المتطرف إلى تدمير روابط التضامن داخل المجتمعات المحلية، وسيتحول التذمر إلى تطرف في أسوأ معانيه.

وكما هو الحال مع الأزمات والانفجارات الاجتماعية، يمكننا أن نكون على يقين من أن هذا النوع من الكوارث وهجمات اليمين المتطرف سيحدث في المستقبل القريب. لهذا السبب يجب على أي منظمة اشتراكية بيئية تأخذ المسألة الاستعجالية للوضع على محمل الجد أن تستعد للتدخل. فالهزيمة ستكلفنا سنوات لا يمكننا تحمل خسارتها.

فبراير 2026

(1) ويليام ج. ريبِل وآخرون: « تقرير حالة المناخ 2025: كوكب على حافة الهاوية »، مجلة BioScience، المجلد 75، العدد 12، 2025، ص 1016–1027.

(2) علوم الحدود الكوكبية (PBScience)، 2025: « التقييم الصحي للكوكب 2025 »، معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ (PIK)، بوتسدام، ألمانيا.

(3) مولر، ينس د.؛ غروبر، نيكولاس؛ شنوِلي، ألين وآخرون: « تراجع غير متوقع في امتصاص الكربون في المحيط تحت درجات حرارة سطح بحر قياسية في 2023 »، مجلة Nature Climate Change، المجلد 15، ص 978–985 (2025).

(4) نانسي هاريس وميليسا روز: « انكماش مخزون الكربون في غابات العالم إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين بسبب الحرائق وإزالة الغابات المستمرة »، معهد الموارد العالمية، 24 يوليو 2025.

(5) معهد الموارد الطبيعية في فنلندا، 2025: « نتائج أولية لجرد غازات الدفيئة لعام 2023: أصبحت الغابات مصدرًا للانبعاثات لأن امتصاصها للكربون لم يعد يغطي انبعاثات تربة الغابات ».

(6) الصندوق العالمي للطبيعة (WWF): « تقرير كوكب حي 2024 ».

(7) إميليو سانتياغو موينيّو (2024): « الساعة لم تعد مجرد مؤشر بل بوصلة: من أجل جبهة شعبية مناخية »، مجلة Critic.

(8) خوسيه لويس رودريغيز (2024): « ما هي التحالفات؟ دفاع عن عدم الارتياح »، Corriente Cálida.

(9) كليمنتي ألفاريث (2025): « زان لوبيث، ناشط: ليس من الواقعي انتظار إلغاء الرأسمالية لتجاوز الأزمة المناخية »، صحيفة El País.

(10) سيزار ريندويليس (2025): « انقراض الماركسية (الماركسية السياسية أمام الأزمة الإيكولوجية الاجتماعية) »، Cuaderno digital de cultura.

(11) ماريانا رودريغيش وسينان إيدن (2025): « كل شيء على المحك: نظرية ثورية لوقف الانهيار المناخي ».

(12) والتر بنيامين (1939): « باريس، عاصمة القرن التاسع عشر ».

(13) دانييل بنسعيد (2013): « السياسة كفن استراتيجي ».

(14) مارتين موسكيرا (2023): « دروس من بعيد: الجبهة الموحدة وحكومة العمال في الأممية الشيوعية ».

(15) ستاله هولغرسن (2025): « ضد الأزمة: الاقتصاد والبيئة في عالم مشتعل ».

(16) جوشوا كلوفر (2025): « اضطراب. إضراب. اضطراب: العصر الجديد للانتفاضات ».

(17) فنسنت بيفينز (2025): « إذا احترقنا: عقد الاحتجاجات الجماهيرية والثورة التي لم تحدث ».

(18) ريتشارد سيمور (2024): « القومية الكارثية: انهيار الحضارة الليبرالية ».

(19) ستاثيس كوفالاكيس (2023): « انتفاضات الأرض: تركيب واستراتيجية العمل الجماهيري ».

(20) كاي هيرون، كير ميلبورن، بيرتي راسل (2025): « الوفرة الجذرية: كيف نفوز بمستقبل ديمقراطي أخضر ».

(21) "إسبانيا: العاصفة المثالية »، مانويل جاري راموس، 18 ديسمبر 2024، مجلة Inprecor.