في ظلِّ الصعود الواضح لشركات التكنولوجيا الكبرى وقادتها إلى مراكز النفوذ السياسي في بلدان عدة، بات ضروريا فهم الأسس التي تقوم عليها هذه الحركة وتبعاتها بصورة كاملة، وكذا طبيعة ارتباطها بأشكال أخرى للسلطة الاقتصادية والسياسية.
ناقش ماركس باستفاضة قدرة الرأسمالية الفريدة على تطوير قوى الإنتاج، حيث يدفع التنافس المحتدم بين الرأسماليين إلى الابتكار المستمر في سيرورة الإنتاج، ما يؤدي إلى ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال". كما خلص إلى أن التنافس يؤدي إلى ميل نحو تركز الشركات. في هذا الصدد، يوضح إرنست ماندل:
"يؤدي تطور نمط الإنتاج الرأسمالي إذن بالضرورة إلى تركز رأس المال وتمركزه. فمعدل حجم الشركات يتزايد باستمرار، وتُقهَر أعداد كبيرة من الشركات الصغيرة في ساحات التنافس أمام حفنة من الشركات العملاقة التي تسيطر على حصة متنامية من رأس المال والعمل والملكية والإنتاج في قطاعات صناعية بأكملها. [...] هكذا، تستمر المنافسة الرأسمالية في سيرورة نزع الملكية التي كانت أساس نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي ذاته. [...] إن تاريخ رأس المال هو تاريخ تدمير ملكية الغالبية العظمى، لصالح ملكية أقلية تتناقص أعدادها باستمرار". (1)
تاريخيًا، نلاحظ أن الرأسمالية أدت إلى تطور تكنولوجي هائل وإنتاج كميات ضخمة من السلع المادية وغير المادية. غير أن سيرورة نمو الإنتاج هذه، ولَّدت بدورها توترات اقتصادية واجتماعية. يتناول هذا المقال بإيجاز أحد مظاهر هذه الحركة، وهو التطور الحديث في تشكُّل البرجوازية، مشيرًا إلى أن الخمسين عامًا الماضية شهدت نموًا ضعيفًا نسبيًا تميز بانخفاض الاستثمارات وزيادات متواضعة في الإنتاجية، وهو ما يُعرف باسم "الركود المزمن". نحن إذن، أمام أزمة في تراكم رأس المال، ترافقها في الوقت ذاته عملية تركيز هائلة للثروة. وهاتان السمتان تُشكلان الإطار العام للتطور الحالي للرأسمالية الشائخة.
تركز الشركات وقوتها الاجتماعية والسياسية
سنتناول لاحقًا الأسباب الكامنة وراء أداء الرأسمالية في هذه المرحلة. أما الآن، فمن المهم تسليط الضوء على سمة جوهرية لهذه الفترة، وهي مفتاح لفهم الرأسمالية المعاصرة: تركز الشركات الشديد. تؤكد دراسات عديدة، لا سيما تلك الصادرة عن منظمات مثل صندوق النقد الدولي (2)، هذه السمة عبر مؤشرات مختلفة، أبرزها ارتفاع هوامش الشركات وأرباحها، التي تستأثر بها بشكل أساسي شركات كبرى قليلة العدد:
"تكمن النتيجة الرئيسية ليس فقط في ارتفاع الهامش الإجمالي، بل في التغيُّر الذي طرأ على توزيع هذه الهوامش: فبينما ظل المتوسط ثابتًا، ارتفعت القيم المئوية العليا بشكل كبير. يتمتع عدد محدود من الشركات بهامش ربحي مرتفع وهي ذات حجم كبير، بينما لا تشهد الغالبية العظمى من الشركات أي تحسُّن في هوامشها وتفقد حصتها من السوق " (3).
تُظهر البيانات الإحصائية الآثار السلبية لهذه الظاهرة على الاقتصاد الكلي، لا سيما انخفاض الاستثمار والشغل وحصة الأجور من الدخل القومي. كما تمنح قوة سوقية (4) غير مسبوقة لهذه الشركات القليلة، تمكنها من فرض أسعار أعلى من تلك السائدة في السوق التنافسية. وهذا ما يمكن وصفه بـ "الدخل" بالمفهوم (النيو)كلاسيكي، أو ما أسماه الاقتصادي كاليكي "الهامش الربحي" (5). سبق للمدرسة الماركسية، في إطار نظرية "رأس المال الاحتكاري"، أن أبرزت هذه التطورات: فالقدرة الإنتاجية الفائضة لدى الشركات العملاقة، مقترنة بزيادة التركيب العضوي لرأس المال الذي يقلل فرص الشغل ويخفض الاستهلاك، تؤدي إلى "تراكم زائد" أو صعوبة في استيعاب الفوائض بسبب ندرة فرص الاستثمار المنتج، وهو ما يقود بدوره إلى ركود اقتصادي. (6)
مع ذلك، تبقى هذه الرؤية غير كافية لفهم آليات التراكم المعاصرة، وذلك لسببين رئيسيين على الأقل. أولاً: إذا كان الاحتكار سمة أساسية للرأسمالية الحالية، فهو ليس الوحيدة؛ فهناك أبعاد أخرى بالغة الأهمية، لا سيما تطور منطق التراكم ذاته خلال الحقبة النيوليبرالية. ثانيًا: من الضروري تجاوز المنظور الاقتصادي المحض لرأسمالية الاحتكارات. فمع تركيز هذه الشركات لقوة سوقية غير مسبوقة تاريخيًا، فإنها تكتسب أيضًا نفوذًا اجتماعيًا وسلطة سياسية هائلة. وصف ماركس (وغيره من الاقتصاديين قبله) هذه السيرورة، لكنها اتخذت أبعادًا جديدة تُحدِّد اليوم شكل التنظيم الاجتماعي ذاته: فبعض هذه الشركات، التي سنتطرق إليها لاحقًا، تُشكِّل العلاقات الاجتماعية على نطاق شبه عالمي، وتشابكها المتزايد مع السلطة السياسية بات عنصرًا جوهريًا في نظام تراكمها. بكلمات أخرى، باتت الأوليغارشية سمة حاسمة في بنية الرأسمالية الراهنة.
يهدف هذا المقال إلى تطوير زاوية التحليل هذه، عبر استعراض موجز لتطور منطق التراكم في العقود الأخيرة، وتسليط الضوء على تأثير هذه التحولات في ازدهار قطاعات جديدة (وقديمة) من رأس المال، ورسم ملامح لحدود هذه القطاعات ومصالحها وتناقضاتها. ويهدف ذلك إلى استخلاص قطاعي رأس المال اللذين برزا نتيجة لهذا التطور، وهما: مديرو الأصول (Asset Managers) وأوليغارشيو التكنولوجيا. نختتم المقال ببعض الأفكار حول أهمية هذه السيرورات لفهم طبيعة الرأسمالية المعاصرة.
نهاية العولمة وموجات التطور الرأسمالي الطويلة
يتماشى "الركود المزمن" مع المرحلة الانكماشية للموجة الطويلة الرابعة من التطور الرأسمالي، ولكنه يتميز بخصائص غير مسبوقة، خاصة من حيث مدته. فبينما تُوثِّق البيانات المجمعة وبيانات القطاعات الأكثر دينامية مرحلة التوسع في هذه الموجة خلال "الثلاثين عامًا المجيدة" بعد الحرب العالمية الثانية (كما في صناعات السيارات والكيماويات والصلب والسلع الاستهلاكية المعمرة)، يثير ما حدث بعد استنفاد هذا الزخم جدلاً أكبر.
رأى بعض الكُتَّاب انتعاشًا في الثمانينيات مع العولمة، ولكن الحقيقة تُظهر أن معدلات الربح لم تتعافَ بشكل كبير. وحتى عندما ارتفعت، لم تُفضِ إلى نمو استثماري حقيقي. تتجلَّى أزمة التراكم في انخفاض معدل الربح وضعف مستوى الاستثمار. تجدر الإشارة إلى أن هذه السيرورة تتنوع بشكل كبير: ففي عام 2024، بلغ معدل العائد على رأس المال للمقاولات الكبيرة في الولايات المتحدة حوالي 12%، بينما لم يتجاوز 4% للمقاولات الصغرى.
مع ذلك، شهدت هذه السنوات ابتكارات تكنولوجية كبرى. لم تُنتج هذه الابتكارات سلعًا وقطاعات جديدة فحسب (كالهاتف الذكي أو "الميتافيرس" والذكاء الاصطناعي)، بل أحدثت تحولاً في سيرورات الإنتاج نفسها (كالروبوتات). سمحت هذه التحولات بظهور صناعات وشركات جديدة، ما مهَّد الطريق لبروز شرائح جديدة من البرجوازية وهو ما سنناقشه لاحقًا. لكنها فشلت في استعادة مستويات التراكم والاستثمار السابقة.
ناقشنا أسباب هذا "الركود الطويل" رغم الابتكار التكنولوجي في مقال سابق (7). وهنا، يجب التأكيد على أن هذه الظاهرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية "أمولة" الاقتصادات وصعود القطاع المالي ليصبح القطاع المسيطر. نما القطاع المالي نتيجة السياسات النيوليبرالية منذ سبعينيات القرن الماضي، كتحرير أسعار الصرف وحرية تداول الرساميل ورفع القيود عن القطاع المالي بشكل عام، ولكنه يعكس في الوقت ذاته استنفاد زخم الاقتصادات المتقدمة الإنتاجي. ردًّا على ذلك، انتقلت الشركات إلى مناطق تتوفر فيها يد عاملة رخيصة، وأعادت توجيه أرباحها نحو الاستثمارات المالية المجزية جدا أعلى من الاستثمارات الإنتاجية (8). انتشرت المنتجات المالية المعقدة وغير الشفافة، واستُخدم الائتمان الجماهيري لتحفيز الطلب الذي خبا بسبب ركود الأجور. حقَّق كل ذلك أرباحًا هائلة للقطاع المالي، لكن الثقل القاتل لرأس المال الوهمي في الاقتصادات المتقدمة تجلَّى بوضوح إبان أزمة 2007-2008 المالية.
النشاط النقدي وإعادة تشكيل رأس المال
أثَّرت أزمة الرهن العقاري بشدة على هيمنة القطاع المالي التقليدي لسببين رئيسيين. أولاً، أدَّى إفلاس البنوك وتراكم الديون المشكوك في تحصيلها وتشديد القيود التنظيمية بعد الأزمة إلى انخفاض ربحية القطاع. ثانياً، شهدت السياسة النقدية للبنوك المركزية تحولاً جذرياً، حيث انتقلت من حقبة أسعار الفائدة المرتفعة التي بدأت بـ "صدمة فولكر" (9) إلى سنوات طويلة من أسعار فائدة مرجعية منخفضة وبرامج ضخمة لشراء الأصول (التيسير الكمي) لمواجهة صدمات الركود. ساهم ذلك في تشكيل أوليغارشية جديدة تضم مديري الأصول وشركاتهم المالية وأوليغارشيِّي التكنولوجيا. وهذا ما سيجري تناوله في الأقسام التالية.
مع ذلك، لا ينبغي التسرُّعَ في إعلان نهاية هيمنة القطاع المالي التقليدي. فبعد الأزمة، شهد القطاع المصرفي تركيزاً قوياً، حيث قامت البنوك الكبرى بشراء ودمج البنوك الصغيرة المفلسة، ما شكَّل تكتلات ضخمة. وكما يُوضِّح بريت كريستوفرز Brett Christophers، فإن تعزيز القوة السوقية للبنوك سمح لها بعدم تمرير انخفاض أسعار الفائدة بالكامل إلى عملائها، ما خفَّف من تأثير السياسة النقدية التوسعية الجديدة (10). من ناحية أخرى، أدَّت هذه السياسة إلى ارتفاع كبير في قيمة الأصول المالية عموما، وهو ما استفادت منه البنوك أيضاً في أنشطتها التجارية الداخلية، لأن هذا "النشاط النقدي" دعم أسواق الأسهم والسندات.
يُبرِزُ هذا المثال الأخير سمة أساسية لنظام التراكم بعد الأزمة: تضخم أسعار الأصول. يُعَدُّ هذا التضخم نتيجة مباشرة لضخ البنوك المركزية لسيولة ضخمة في الأسواق. وقد أدَّى انخفاض الطلب العالمي، بسبب ركود الأجور الحقيقية الناتج عن سياسات التقشف، إلى مزيد من انخفاض ربحية رأس المال الإنتاجي، ما حفَّز المضاربة المالية التي تدرُّ دخلا بواسطة تقييم الأصول المالية وتداولها وليس عبر الاستثمار الإنتاجي. وبالمثل، يحفِّز هذا التطور إنشاء وتكاثر الشركات المالية التي تستغل هذه الثروة. وهكذا، اتَّجه تدفق السيولة النقدية الذي وفَّرته البنوك المركزية نحو الاستفادة من تضخم أسعار الأصول بدل تمويل الاستثمارات الإنتاجية.
وفي هذا السياق، إذا كان صحيحاً أن التمويل ظلَّ الشكل السائد للتراكم، فمن الصحيح أيضاً أن منطقه تغيَّر نوعياً. بعد أزمة الرهن العقاري، احتاج المستثمرون إلى أصول جديدة بسبب موجة حبس الرهون العقارية، التي شكَّلت "مادة خام" مهمة للنظام المالي. في هذا الإطار، تحوَّل السكن في جميع أنحاء العالم الغربي تقريباً إلى أحد الأصول المالية بامتياز، حيث يوفِّر عوائد استثنائية.
كما تُشرح ديزيري فيلدز Desiree Fields، فإن بناء هذه "الفئة الجديدة من الأصول" ينتج عن عوامل متنوعة (11). من ناحية، كان من الضروري إيجاد أصول جديدة لاستعادة ربحية رأس المال. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت تقلبات أسعار العقارات، وتخلِّي العائلات عن ممتلكاتها جراء عجزها عن سداد قروضها العقارية (أثناء أزمة 2008-2009)، ورغبة الملاك (خاصين وعموميين) في البيع، إلى جانب التدخلات الحكومية الهادفة إلى جعل هذا الاستثمار جذاباً (مزايا ضريبية، تخطيط حضري، إلخ)، في خلق بيئة جديدة من الفرص.
عندها شرعت صناديق الاستثمار في شراء العقارات بشكل جماعي في المدن الغربية الكبرى، ليس فقط للمضاربة عبر الشراء وإعادة البيع بأسعار متصاعدة، بل أيضاً لتأجيرها من أجل الحصول على دخل مستمر، ما شكَّل تحولاً جذرياً في هيكل ملكية هذه المدن (12).
كما أسندت خصخصة المرافق العامة الناتجة عن سياسات التقشف إلى مديري الأصول إدارة شركات خدمات عامة عديدة (الطاقة والبنية التحتية والنقل). وبسبب طبيعتها الاحتكارية والطلب غير المرن عليها (13)، وفَّرت هذه الاستثمارات دخلاً استثنائياً للمستثمرين، غالباً بفضل مدفوعات الدولة نفسها. وفي الوقت نفسه، أدَّى تآكل قدرات الدولة الداخلية إلى زيادة الاستعانة بمديري الأصول وشركات الاستشارة لتنفيذ مهام كانت تقليدياً ضمن نطاق القطاع العام، مثل إدارة الشركات والخدمات العامة،وإجراء الدراسات والتقييمات الفنية، أو تحليل المخاطر المالية، على سبيل المثال. وبالإضافة إلى كونها تدرُّ دخلاً استثنائياً، فإن هذه الخدمات تخلق عدداً لا يحصى من تضارب المصالح وفرص الفساد، على حساب المصلحة العامة.
قطاع مالي جديد
يُبرز هذا الواقع بجلاء ظهور شريحة جديدة ومؤثرة من رأس المال - شريحة مديري الأصول - التي تشهد نمواً متسارعاً بفضل النظام النقدي الجديد الذي يضخم قيمة الأصول الخاضعة لإدارتها (Assets Under Management – AuM) . وفي هذا القطاع تحديداً، تتسم بنية الملكية بقدر عالٍ من التركّز، إذ تهيمن عليه ثلاثة فاعلين رئيسيين يُعرفون بـ«الثلاثة الكبار»: بلاك روك (BlackRock)، وفانغارد (Vanguard)، وستيت ستريت (State Street). وفي مجال العقارات، تبرز أيضاً شركة بلاكستون (Blackstone) بوصفها فاعلاً مهماً، رغم كونها مملوكة جزئياً لكل من بلاك روك وفانغارد.
تمتلك هذه الشركات الثلاث مجتمعةً أكثر من 20 في المائة من أسهم الشركات المدرجة في مؤشر S&P 500(14)، ما يعني أنها تسيطر على حصص معتبرة في كبرى الشركات الأمريكية. وبناءً على ذلك، يُعد «الثلاثة الكبار»، ومعهم مديرو الأصول عموماً، مالكين كونيين (Universal Owners)، إذ لا يقتصر امتلاكهم على الأوراق المالية التقليدية، مثل أسهم الشركات، بل يمتد بشكل متزايد إلى الأصول الحقيقية، ولا سيما البنى التحتية والسلع والخدمات الأساسية، كالإسكان، وإنتاج الطاقة وتوزيعها، والنقل، والاتصالات. ويُجسّد استحواذ بلاك روك على ميناء بنما عام 2024 مثالاً واضحاً على ذلك، فضلاً عن قدرتهم على إدارة هذه الأصول وتوجيه تدفقات مالية هائلة.
تستمد هذه الشركات المالية الجديدة قوتها من الفرص التي أتاحتها السياسات النقدية للبنوك المركزية، ومن تحويل أموال الاستثمار نحو تطبيقات ذات طابع مضارباتي، إضافة إلى الخصوصية البنيوية للاقتصاد الأمريكي، ولا سيما الدين العام البالغ نحو 36 تريليون دولار، والقدرة الفريدة على استقطاب المدخرات ورؤوس الأموال من مختلف أنحاء العالم. وبهذا المعنى، فإنها تبحر عملياً في محيط فائق السيولة.
خلال العقد الماضي، ضاعفت شركات مثل أبولو (Apollo)، وبلاك روك، وبلاكستون، وكيه كيه آر (KKR) قيمة الأصول التي تسيطر عليها بمقدار خمس مرات. كما تعزز حضورها في الأنشطة المالية التقليدية، مثل الائتمان والتأمين؛ ففي العام الماضي، منحت شركة أبولو معاشات تقاعدية (منتجات تأمين التقاعد) تفوق ما منحته أي شركة تأمين أخرى في الولايات المتحدة (15).
ونظراً لقدرتها على العمل خارج القيود التنظيمية الصارمة المفروضة على البنوك التقليدية — وهو ما يفسر جزئياً ازدهارها في مرحلة ما بعد الأزمة — تتمكن هذه الشركات المالية من تحقيق هوامش ربح أعلى. وللسبب نفسه، كثّفت البنوك التقليدية إقراضها لهذه المؤسسات؛ إذ تضاعف حجم هذه القروض خمس مرات منذ عام 2015، وأصبحت تشكّل حالياً نحو عُشر إجمالي القروض المصرفية (16). وتسعى البنوك، عبر ذلك، إلى اقتطاع نصيب من أرباح ما يُعرف بالنظام المصرفي الموازي أو التمويل الموازي.
إن هيمنة هذه الشركات المالية الجديدة على مفاصل أساسية من الاقتصاد المعاصر تمنحها قوة هائلة (17)، ولا سيما قدرتها على ممارسة الضغط على الدول، وهي قوة تتعاظم بفعل التركّز الشديد داخل قطاع إدارة الأصول ذاته، الذي تسيطر عليه قلة محدودة من الفاعلين. وتنفق شركات مثل بلاك روك ملايين الدولارات سنوياً على أنشطة الضغط الموجّهة إلى الحكومات والسياسيين والبرلمانات (18). كما أن إسناد بعض وظائف الدولة إلى هذه الشركات، إلى جانب تشابكها الوثيق مع الحكومات والبنوك المركزية، يمنحها نفوذاً واسعاً في عملية صنع السياسات العامة (19). وفي هذا السياق، تؤكد الاقتصادية دانييلا غابور Daniela Gabor، التي تتابع عن كثب نقاشات التنظيم المالي، بوضوح: «لم تعد البنوك هي التي تمتلك السلطة، بل أصبح مديرو الأصول هم أصحابها الحقيقيون" (20).
أما المكوّن الثاني للأوليغارشية الجديدة، فينبع من القوة المتعاظمة لشركات تكنولوجيا الاتصالات، أي شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تضم عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين المعروفين، مثل ألفابت (Alphabet)، وميتا (Meta)، وأمازون (Amazon)، ومايكروسوفت (Microsoft). وقد شهدت هذه الشركات نمواً استثنائياً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وربما أصبحت اليوم قسم رأس المال الأقوى سياسياً. وهي من أبرز المستفيدين من السيولة التي ضختها البنوك المركزية، والتي انعكست في الارتفاع الكبير في رسملتها السوقية، إذ كانت أسهمها من بين الأعلى نمواً خلال هذه الفترة. وفي الوقت نفسه، راكمت هذه الشركات نفوذاً واسعاً في الحياة الاجتماعية والسياسية، بما يحمله ذلك من آثار عميقة وطويلة الأمد.
الجائحة والفوضى المالية
شهدت فترة الجائحة وما أعقبها تدخلًا حكوميًا غير مسبوق لدعم الاقتصادات، عبر حزم مالية ضخمة لدعم الأجور والشركات، وبرامج تيسير كمي موسعة، ما دفع بعض المحللين مثل آدم توز للتساؤل عما إذا كان كوفيد-19 قد أنهى عصر النيوليبرالية (21) – وهي قضية سنعود إليها لاحقًا.
تميزت هذه الفترة بعودة مؤقتة للتضخم، نجمت عن اختلال سلاسل التوريد بسبب الجائحة والحرب في أوكرانيا، بالإضافة إلى سياسات "جني الأرباح" التي انتهجتها بعض شركات التوزيع الكبرى. ردًا على ذلك، عادت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما رحب به القطاع المالي التقليدي. سمحت هذه الفترة التضخمية (2022-2024) أيضًا لبعض القطاعات الاحتكارية التقليدية، كالطاقة والتوزيع، بتحقيق أرباح استثنائية عبر توسيع هوامشها الربحية (22). إلا أن هذه المكاسب يُتوقع أن تتراجع مع عودة التضخم وأسعار الفائدة نحو مستوياتها المعتادة، ما يجعلها ظاهرة مؤقتة.
نحن الآن إزاء مرحلة انتقالية نحو نظام اقتصادي كلي، يتسم بأسعار فائدة منخفضة نسبيًا وبيع الأصول التي راكمتها البنوك المركزية. يضع هذا التحول القطاع المالي برمته في موقف حرج ويعمق انقساماته الداخلية. فالبنوك التقليدية تفضل أسعار الفائدة المرتفعة لأنها تعزز هوامش أرباحها في أنشطة الإقراض والاستثمار في السندات، لكنها تخشى التضخم لأنه يقلل من قيمة الديون المستحقة لها. على العكس من ذلك، يفضل مديرو الأصول (مثل صناديق الاستثمار) بيئة نقدية توسعية تتسامح مع التضخم (23)، لأن الارتفاع العام في أسعار الأصول يزيد من قيمة الأصول التي يديرونها (AuM) وبالتالي عمولاتهم، كما يفضلون أسعار الفائدة المنخفضة. ويوضح بنجامين براون هذه الآلية بقوله:
"المتغير الأهم لمديري الأصول هو المستوى العام لأسعار الأصول (24)، حيث تحسب عمولتهم كنسبة مئوية من إجمالي القيمة. فالتأثير الجماعي لتحركات السوق على محافظهم يفوق بكثير الأداء الفردي لأي صندوق... وهذا ما يفسر دعم شركة مثل بلاك روك للسياسات التوسعية التي تحافظ على ارتفاع أسعار الأصول، وضغطها المستمر لتبني سياسة نقدية متساهلة" (25).
تتجلى هذه التوترات في الخلافات بين هذين الفصيلين الماليين حول إدارة ترامب، كما وثق ذلك برون Benjamin Braun ودوران Cédric Durand (26). ذهب دوران في تحليل عام 2022 إلى أن تراجع هيمنة القطاع المالي أمر حتمي تقريبًا، مستندًا إلى مؤشرات مثل ضعف أسواق الأسهم (27)، وتراجع أرباح القطاع المالي من إجمالي الأرباح (28)، معتبرًا أن السياسة النقدية الأكثر تشددًا بعد الجائحة تشكل تهديدًا إضافيًا.
لكن هذه الاستنتاجات تتطلب حذرًا. أولاً، لا يوجد ضمان بأن البنوك المركزية لن تعود إلى سياسات توسعية تحت ضغط اللوبيات، كما يتجلى في الضغوط العلنية التي يمارسها ترامب على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لخفض الفائدة. ثانيًا، ثمة حركة تحرير مالي واسعة جارية بالفعل ولكنها أقل ظهورًا إعلاميًا: فقد أعلنت إدارتا ستارمر وترامب عن خطط لإطلاق حزم تحريرية جديدة للسوق بنهاية العام، تعيد إجراءات ما قبل أزمة 2008، بينما أعلنت المفوضية الأوروبية عزمها تحرير عملية "التوريق" (29) – وهي الآلية المالية التي أشعلت أزمة الرهن العقاري.
يضيف ترامب عنصرًا خطيرًا من عدم الاستقرار. إنه يستغل منصبه السياسي لأغراض تجارية شخصية؛ فإطلاقه لعملة ميمية رقمية ($TRUMP) عشية تنصيبه، وربط الوصول إلى المناسبات الرسمية بالاستثمار فيها، يكشف عن طبيعة مناوراته. انهارت قيمة هذا الأصل بنحو 25% بين يناير ومايو، ما تسبب في خسائر فادحة لبعض المستثمرين لجزء من مدخراتهم أو ثرواتهم جراء شراء ما تبين أنه احتيال. وينبع خطر آخر من انجذابه الشديد لتسويق العملات المشفرة ورغبته في إلغاء تنظيمها. فبينما كانت قيمتها أقل من 20 مليار دولار في بداية ولايته الأولى، فإنها اليوم أكبر بخمسة عشر ضعفًا. كما تشكل الأصول المشفرة (1.9 مليار) الآن جزءًا كبيرًا من أصوله العقارية (2.6 مليار)، وهما قيمتان متقاربتان. يخلق هذا المزج بين المنتجات المالية شديدة المخاطرة واستغلال المنصب الرسمي لتضخيم الثروة الشخصية حالة عدم يقين ومخاطر عميقة.
مُدركًا لهذه التحديات التي أشار إليها دوران، يضاعف رأس المال المالي ضغطه للحصول على ضمانات تشريعية، يطالب بمزيد من تحرير الأسواق، وخفض الضرائب، وفتح أسواق جديدةـ لا سيما سوق معاشات التقاعد. ستحدد نجاحات أو إخفاقات هذه الضغوط مسار القطاع المالي – تراجعًا أو انتعاشًا. بكل الأحوال، فإن المبالغة في تقييم الأصول، والموجة الجديدة من التحرير المنفلت، ينذران باحتمال حدوث أزمة مالية جديدة مرتبطة بانفجار هذه الفقاعة.
استمرار العجز الإنتاجي
من جهة أخرى، لن تتحقق استعادة القدرات الإنتاجية السابقة في الأمد القريب. فقد كشف وباء كوفيد-19بوضوح هشاشة سلاسل التوريد العالمية، وأبرز ما ينطوي عليه الاعتماد المفرط عليها من مواطن ضعف اقتصادي. ومع ذلك، إذا أُخذنا في الحسبان مخاوف الاقتصادات الأكثر تقدماً من تباطؤ نمو الإنتاجية، إلى جانب الصعود الصناعي والتكنولوجي المتسارع للصين، تبدو الظروف مهيأة للعودة إلى تبنّي سياسة صناعية. وقد باتت هذه السياسة تُدافع عنها علناً اليوم مؤسسات مثل المفوضية الأوروبية، رغم أنها عارضت تاريخياً تدخل الدولة، وذلك في أعقاب تقرير دراغي. ولم يعد الأمر يقتصر على الخطاب، إذ يجري تطبيق هذا التوجه فعلياً في معظم بلدان المركز الرأسمالي (30).
يثير هذا الواقع جملة تساؤلات: هل سنشهد عودة للرأسمال الصناعي الكبير؟ والأهم، هل سيقود ذلك إلى تحول هيكلي في الاقتصادات، تستعيد فيه الإنتاجية دورها المحوري على حساب الرأسمالية الريعية والمضاربات المالية؟ يبدو هذا الاحتمال ضعيفاً. ويقدم دوران ثلاث مبررات لذلك: أولاً، يظل حجم الاستثمارات المعلنة غير كافٍ؛ ثانياً، تتجه الأولويات في مسارات خاطئة، كما يظهر من التركيز المتزايد على رفع الإنفاق العسكري في أوروبا؛ ثالثاً، يؤدي العجز عن ضبط الفاعلين الخواص في هذه العملية إلى مجرد إعادة توجيه الموارد العمومية نحو رأس المال الخاص (31).
في الواقع، تعتمد كثير من هذه البرامج على ما تسميه غابور «إزالة المخاطر»، أي استخدام الموارد العامة لتخفيف المخاطر عن القطاع الخاص، بما يتيح له الاستثمار في القطاعات المرغوبة، وتوجيه الأموال وفقاً لمصالحه، بل وحتى تولي إدارة هذه الاستثمارات بشكل مباشر (32). ورغم أن هذا النهج قد يفتح هامشاً لاتخاذ قرارات تجعل السياسات التنموية والبيئية ممكنة، فإن الحقبة الجديدة للسياسة الصناعية، القائمة على مبدأ «مخاطر عامة وأرباح خاصة»، قد تعزز تراكم رأس المال لدى المجموعات الكبرى في قطاعات صناعية متخصصة مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقات المتجددة، وأشباه الموصلات، والدفاع، من دون أن تقود إلى إعادة هيكلة شاملة للاقتصادات أو إلى إحداث تحولات عميقة في تكوين رأس المال.
ومن جانب آخر، لا يملك مديرو الأصول، الذين يرحبون بهذا النوع من التدخل الحكومي، حافزاً حقيقياً لدفع دينامية الشركات التي يسيطرون عليها، ما يشكل عائقاً أمام انتعاش الاستثمار والابتكار. فبوصفهم «مالكين عالميين»، لا يبدون اهتماماً كبيراً بالأداء الفردي لكل شركة، إذ يمتلكون حصصاً في شركات متعددة عبر قطاعات مختلفة، وأحياناً في عدة شركات كبرى ضمن القطاع نفسه. وبناءً عليه، لا يهمهم أن تتفوق شركة ما في الإنتاج أو المبيعات على منافسيها، لأنهم غالباً ما يحتفظون بحصص اقتصادية في هذه الشركات المنافسة أيضاً. ينصب هدفهم الأساسي على رفع قيمة القطاع ككل، مع إعطاء أولوية لقيمة الأسهم على حساب نتائج الشركات الفعلية، لأن عمولاتهم تُحتسب انطلاقاً من الأولى (33).
القوة التكنولوجية على الصعيد العالمي
بعد بروزها بقوة في العقد الذي أعقب الأزمة، خرجت شركات التكنولوجيا الكبرى من الجائحة أكثر صلابة ونفوذاً من أي وقت مضى. أصبح مالكوها اليوم من بين أغنى رجال العالم، يمارسون تأثيراً مباشراً على الحكومات، بل ويشاركون فيها أحياناً بصورة متقلبة، كما في حالة ماسك وDOGE، دون إخفاء طموحاتهم السياسية ومشاريعهم الاجتماعية. وقد تجلّى ذلك بوضوح أثناء حفل تنصيب ترامب، حين شغل أصحاب عمالقة التكنولوجيا المقاعد الشرفية المعتاد أنها من نصيب رؤساء سابقين وشخصيات رسمية بارزة. وبذلك باتوا، في الوقت الراهن، من أكثر الفئات امتلاكاً للنفوذ السياسي.
تحوّل أباطرة وادي السيليكون، الذين دأبوا عموماً على دعم الحزب الديمقراطي، نحو ترامب، بل وإلى توجه أوسع يتسم بالرجعية والنزعة السلطوية. ويظهر ذلك في دفاع مارك زوكربيرغ عما يسميه «الطاقة الذكورية»، وفي الانزياح اليميني الحاد لشبكة X (تويتر سابقاً) تحت قيادة إيلون ماسك. وكان من أوائل قرارات ترامب إلغاء مرسوم أصدره بايدن، كان يلزم بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بتقاسم اختبارات السلامة مع الحكومة. كما منح ماسك، عبر وزارة DOGE، حق النفاذ إلى بيانات جميع الوكالات الفيدرالية. وعلى الصعيد الدولي، واصل ترامب الضغط على الدول الأخرى لإلغاء الأطر التنظيمية المفروضة على نشاط عمالقة التكنولوجيا، مستخدماً ذلك ورقة تفاوض في ملف الرسوم الجمركية (34).
غير أن نفوذ هذه الشركات لا يستمد فقط من قدرتها على التأثير في الإدارات. فهي تهيمن، بشكل شبه مطلق، على أكثر وسائل الاتصال انتشاراً في تاريخ البشرية، ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على توجيه السلوكيات والتلاعب بها على نطاق واسع (35). ولتحقيق ذلك، تجمع هذه الشركات على نحو دائم كماً هائلاً من البيانات التفصيلية حول تجاربنا الفردية والخاصة، وتوظفها في تدريب خوارزميات قادرة على التنبؤ بسلوكياتنا وتعديلها بدقة متزايدة. ثم تقوم ببيع حق الوصول إلى الشبكات الرقمية التي استحوذت عليها، إلى جانب أدوات التنبؤ والتأثير التي طورتها.
يقوم نموذجها الاقتصادي، كما تستند سلطتها السياسية، على الوصول شبه غير المحدود إلى هذه البيانات، وهو ما يتعارض على نحو متزايد مع مفاهيم الحرية والديمقراطية. ومن ثم، يغدو التحول السلطوي لهذه الأوليغارشية الجديدة، المدعومة برأسمال يكاد لا ينفد، شرطاً ضرورياً لاستمرار نموذجها التراكمي؛ إذ تمثل الرقابة العامة، والإشراف الديمقراطي، والحريات الدستورية عوائق ينبغي إزالتها من أجل إخضاع البشرية بصورة كاملة لمنظومة المراقبة الخاصة بها.
إزاء هذه الوقائع، شهدت سنوات الجائحة وما تلاها ازدهاراً للأبحاث الأكاديمية ذات المنظور الماركسي، التي سعت إلى توصيف هذه الظاهرة تحت مسمى «الإقطاعية التكنولوجية».
يعرّف فاروفاكيس Yanis Varoufakis الرأسمالية المعاصرة بوصفها نمط إنتاج جديد، إذ يكتب: «عندما تدخل إلى أمازون، فإنك تخرج من الرأسمالية»، لأن نموذج الشركة لا يقوم على إنتاج السلع وبيعها، بل على استخلاص الدخل بواسطة التبادلات التي تتم على منصتها (36). غير أن ما يميز الرأسمالية، في جوهرها، هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتحويل العمل إلى سلعة، وهو ما ينطبق بوضوح على أمازون والاقتصاد الذي تنتمي إليه. أما الريع، فليس عنصراً جديداً يحدد تحوّل نمط الإنتاج، إذ كان شكلاً من أشكال التراكم داخل الرأسمالية قبل بروز عمالقة التكنولوجيا، وإن لم يبلغ آنذاك المستوى الذي وصل إليه اليوم.
تبدو فرضية «التكنو-إقطاعية» التي يقدمها دوران أكثر إثارة للاهتمام، لأنها تركز على مسألة الاستيلاء على الفضاءات الرقمية، أو ما يسميه فاروفاكيس «المشاعات الرقمية». فبعد أن غدت هذه الفضاءات عنصراً أساسياً في البنية التحتية للاقتصاد والحياة الاجتماعية، أصبح تركّز ملكيتها، نتيجة شكل من أشكال التراكم البدائي الرقمي و«الاحتكار الفكري»، إشكالية مركزية. ويستغل «الإقطاعيون التكنولوجيون» هذا الوضع لمصلحتهم عبر حصر الوصول إلى هذه الفضاءات بمن يدفع «ريعاً»، مستمدين سلطتهم وثروتهم من خلق علاقات تبعية لشبكات يسيطرون عليها.
مع ذلك، ينبغي ألا تُغفل هذه المقاربات العلاقة القائمة بين الرأسمالية الريعية الخاصة بعمالقة التكنولوجيا وبقية أشكال التراكم الرأسمالي. فهذا التجاهل يحد من قدرة أطروحات مثل «الإقطاعية التكنولوجية» على الإحاطة الشاملة بنمط الإنتاج القائم، لأنها تفترض تداخلاً مع نمط إنتاج سابق بدل تفسير الكلية الرأسمالية المعاصرة.
وإلى جانب القطاع المالي الذي سبقت الإشارة إليه، تظل قطاعات رأس المال التقليدية محتفظة بقوة كبيرة. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في صناعة الأدوية التي ضاعفت هوامش أرباحها خلال العقود الأخيرة بفعل قوتها السوقية الواسعة (37). ويمكن كذلك استحضار حالة وول مارت (38)، التي بلغت مبيعاتها نحو 680مليار دولار وتوظف أكثر من 2.1 مليون عامل، ما يجعلها أكبر شركة في الولايات المتحدة والعالم وفق هذين المعيارين. ويتمثل نشاطها الرئيسي في تجارة التجزئة، حيث تهيمن على نحو 10 في المئة من السوق الأمريكية (باستثناء العقارات). وتكشف هذه المعطيات عن نتيجة لافتة، إذ تفوق نسبة رأس مال وول مارت إلى أرباحها تلك المسجلة لدى شركات آبل وميتا وأمازون ومايكروسوفت. وبعبارة أخرى، تجتذب وول مارت قدراً أكبر من المدخرات ورؤوس الأموال، ما يدل على أن تحليل القطاعات الجديدة المهيمنة على رأس المال لا ينبغي أن يتجاهل الشركات والقطاعات التقليدية، مثل قطاع التوزيع.
أيّ نوع من الرأسمالية؟
نختتم هذا المقال بتقديم خلاصة عامة لطبيعة نظام تراكم رأس المال القائم. شهدت السنوات التي تلت الأزمة إعادة تركيب عميقة لبنية رأس المال، تمثلت في تراجع نسبي لدور البنوك التقليدية، وصعود لافت لمديري الأصول، وترسيخ موقع شركات التكنولوجيا الكبرى كأحد المكونات المهيمنة في رأس المال العالمي. ورغم أهمية هذه التحولات، فإنها لا تكفي لإخراج الرأسمالية من طورها الراهن ضمن الموجة الطويلة، أي مرحلة «الركود المزمن». وفي الوقت ذاته، تتسم هذه التحولات بتعدد أشكالها، بما يمنع اختزال الرأسمالية المعاصرة في «منطق واحد» مهيمن (39). لذلك، نفضّل التركيز على جملة من الاتجاهات البنيوية الأساسية.
أولاً، الريع. في سياق أزمة التراكم الممتدة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، والانخفاض المتواصل في معدل الربح، يؤدي عجز الرأسمالية عن استعادة ديناميتها الإنتاجية إلى دفع أكثر قطاعات رأس المال حيوية نحو أشكال ريعية من التراكم (40)، كما تبيّنه مختلف الأمثلة الواردة في هذا النص.
في هذا الإطار، اقترح بريت كريستوفرز مفهوم «الرأسمالية الريعية» لوصف مرحلة تتفوق فيها الريوع على الأرباح بوصفها المحرّك الرئيسي للتراكم، وهو تطور لم يتصوره ماركس ولا الاقتصاديون الكلاسيكيون (41). ويترتب على ذلك إعاقة الابتكار والمنافسة ونمو القوى المنتِجة، مع تكثيف تركّز الملكية وتعميق التفاوتات الاجتماعية. ورغم إمكانية النقاش حول اعتماد كريستوفرز مفهوماً واسعاً للريع يسمح بإدراج معظم الأنشطة الاقتصادية ضمنه، فإن الاتجاه العام الذي يشير إليه حقيقي، وكذلك عواقبه.
ثانياً، النزوع نحو الشمولية السلعية. تفرض مواجهة تراجع معدل الربح إدماج عناصر جديدة، كانت سابقاً جزءاً من العلاقات الاجتماعية، في دائرة تراكم رأس المال، عبر تحويلها إلى سلع أو أصول يُستخرج منها الدخل. ويتعزز هنا ما يمكن تسميته بالنزوع «البولاني» (42) للرأسمالية المتأخرة ما بعد الصناعية، حيث يجري تسليع مزيد من أبعاد وجودنا استجابةً لعجزها الإنتاجي، بدءاً من السكن والخدمات العمومية، وصولاً إلى خبراتنا الفردية في شكل اهتمام وبيانات. وبهذا المعنى، كما تشير نانسي فريزر، تواصل الرأسمالية التهام مجالات أوسع من حياتنا (43).
ثالثاً، الاتجاه المتلازم نحو الأوليغارشية والاستبداد. يؤدي التركّز غير المسبوق للشركات في هذه المرحلة من الرأسمالية إلى محاولة إخضاع السياسة والحياة الجماعية. وتتجلى هذه الظاهرة في بعدين رئيسيين. فمن جهة، يؤدي تقلص فرص الاستثمار المنتج إلى جعل الاستيلاء على السلطة السياسية الوسيلة الأكثر نجاعة لضمان ربحية رأس المال، وهو ما تيسّره عقود من السياسات النيوليبرالية التي أضعفت قدرات الدولة وعمّقت تركّز القوة الاقتصادية، القابلة للتحول بسهولة إلى سلطة سياسية داخل اقتصاد السوق. وفي هذا السياق، يشير ديلان رايلي وروبرت برينر Dylan Riley et Robert Brenner إلى أن "هذا الشكل الجديد من التراكم يرتبط بسلسلة من آليات «الاحتيال المنظم سياسياً»، تشمل الإعفاءات الضريبية المتزايدة، وخصخصة الأصول العامة بأسعار زهيدة، وسياسات التيسير الكمي، وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية لتشجيع المضاربات المالية، فضلاً عن الإنفاق العام الضخم الموجّه مباشرة إلى الصناعة الخاصة، وما يخلّفه ذلك من آثار عامة على المجتمع" (44).
ومن جهة أخرى، يتعارض تكثيف الاستغلال – بعد عقود من كبح الأجور وتفكيك قوانين العمل – إلى جانب النموذج الاقتصادي لبعض قطاعات الأوليغارشية، ولا سيما شركات التكنولوجيا الكبرى، تعارضاً مباشراً مع الديمقراطية والحريات العامة وأشكال المقاومة الاجتماعية. وبفعل ذلك، يجري التعامل مع هذه الأخيرة تدريجياً بوصفها عوائق ينبغي تجاوزها، بما يفتح المجال أمام حلول استبدادية جديدة.
أخيراً، الحرب. فالتراجع العام في الربحية على المستوى العالمي فاقم التناقضات بين الاقتصادات الرأسمالية الكبرى. ويُعدّ نظام الرسوم الجمركية الذي اعتمده ترامب تعبيراً واضحاً عن هذا المسار، إذ يجسّد نهاية مرحلة العولمة، ويسعى إلى فرض «ضريبة» السيادة العالمية على أوروبا واليابان وكندا وغيرها. وفي السياق ذاته، يُنظر إلى صناعة الحرب على نحو متزايد بوصفها حلاً لاستعادة القدرات الإنتاجية في المركز الرأسمالي، وهي رؤية تتقاسمها قوى مثل حلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية وعدد من القوى الرئيسة في أوروبا. ويتوقع دوران، وربما عن وجاهة، أنه في ظل استحالة استعادة دينامية رأس المال، لا يبقى سوى مسار بديل واحد:
"أن تواصل المصالح الريعية والاحتكارية توجيه مجتمع يتسم بتفاقم اللامساواة والاستبداد والركود، وأن تتحول بنياته السياسية تدريجياً إلى شكل من أشكال الأوليغارشية المؤسسية. وسيظل رأس المال الوهمي المتراكم مجمداً وغير موظف، ولن تعود السلعية الأداة التي تسمح للأرباح بالنمو انطلاقاً من العمل المجرّد. وبدلاً من ذلك، ستستغل فئة ضيقة من الأثرياء للغاية التكنولوجيات الجديدة لضمان دخولها وإعادة إنتاج نمط حياتها الفاخر، في عالم آخذ في التدهور ويزداد عسكرة" (45).
ينبغي تجنب هذا المسار.
- أكتوبر 2025
*ديوغو ماتشادو: باحث في العلاقات الدولية، ومناضل في حزب بلوكو دي إسكويردا (كتلة اليسار) في البرتغال، وفي الأممية الرابعة.
** فرانسيسكو لوسا اقتصادي ومناضل في حزب بلوكو دي إسكويردا (كتلة اليسار) في البرتغال، وفي الأممية الرابعة.
نُشر هذا المقال على موقع Viento sur. تمت الترجمة من الاسبانية إلى الفرنسية بالتعاون مع À l’encontre وتمت مراجعتها من قبل المؤلفين.
**************************
- إرنست ماندل، مدخل إلى النظرية الاقتصادية الماركسية، 1975.
- فيديريكو ج. دييز، تامبونليرتشاي دانيال لي، سوكانان Federico J. Diez Tambunlertchai Daniel Leigh,Suchanan، «القوة السوقية العالمية وآثارها على الاقتصاد الكلي»، صندوق النقد الدولي، 15يونيو 2018؛ وينجي تشين، فيليغاس-سانشيز، فيديريكو ج. دييز، رومان أ. دوفال، فيليب إنغلر، جيايو فان، كيارا ماجي، مارينا مينديز تافاريس، دانيال أ. شوارتز، إيبي شيباتا، كارولينا، «تصاعد القوة السوقية للشركات: قضايا سياساتية ناشئة»، صندوق النقد الدولي، 15 مارس 2021.
- يان دي لوكر، يان إيكهوت، وغابرييل أونغر، «صعود القوة السوقية وتداعياته على الاقتصاد الكلي»، The Quarterly Journal of Economics، المجلد 135، العدد 2، مايو 2020.
- تُعرَّف القوة السوقية بأنها قدرة شركة أو مجموعة شركات على التأثير في الأسعار أو الكميات أو شروط التبادل داخل السوق، ولا سيما فرض أسعار أعلى بشكل مستدام من تلك التي تسود في ظل المنافسة، نتيجة التركّز، أو الحواجز أمام الدخول، أو السيطرة المتزايدة على العرض.
- بريت كريستوفرز، الطبقة، والأصول، والعمل في الرأسمالية الريعية، 19 مارس 2021، دار بريل؛ ميشال كاليكي، مختارات من المقالات حول ديناميات الاقتصاد الرأسمالي (1933–1970)، كامبريدج، 1971.
- جون بيلامي فوستر، «رأس المال الاحتكاري بعد نصف قرن»، Monthly Review، 2016؛ بول أ. باران وبول م. سويزي، رأس المال الاحتكاري: مقال في المجتمع الصناعي الأمريكي، 1966، ماسبيرو (1968).
- فرانسيسكو لوسا، «مع مرور الوقت: لماذا تطول الموجة الطويلة إلى هذا الحد؟»، Journal of Evolutionary Economics، المجلد 31، يوليو 2021.
- سيدريك دوران، «هل انتهت الهيمنة المالية؟»، New Left Review، العدد 138، 2022؛ ويليام لازونيك، «الوضع الطبيعي الجديد هو تعظيم قيمة المساهمين: الاستخراج المفترس للقيمة، تباطؤ الإنتاجية، واختفاء الطبقة الوسطى الأمريكية»، المجلة الدولية للاقتصاد السياسي، 2 أكتوبر 2017.
- تشير «صدمة فولكر» إلى السياسة النقدية التقييدية التي قادها بول فولكر بين عامي 1979 و1982، عقب تعيينه رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في 6 أغسطس 1979. وقد جاءت استجابة للصدمة النفطية الثانية في أواخر 1979، وأسهمت في خفض التضخم في الولايات المتحدة، لكنها تسببت في ركود عميق عام 1982، مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2%، وأسهمت عالمياً في تفجير أزمة ديون البلدان النامية.
- بريت كريستوفرز، الرأسمالية الريعية: من يملك الاقتصاد ومن يدفع ثمنه؟، 2022، فيرسو.
- ديزيريه فيلدز، «بناء فئة أصول جديدة: التراكم المالي القائم على العقارات بعد الأزمة»، Economic Geography، المجلد 94، العدد 2، 2018.
- خوسيه ميغيل كالاتايود وآخرون، «الملاك الجدد للسكن: كيف أعادت الصناديق الدولية تشكيل سوق العقارات»، ElDiario.es، 15 مايو 2021.
- غير مرن: أي يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار النسبي.
- يشير مؤشر S&P 500 إلى سلة تضم 500 شركة كبرى مدرجة في البورصات الأمريكية (NYSE وNASDAQ)، وتديره شركة Standard & Poor’s، ويغطي نحو 80% من القيمة السوقية لسوق الأسهم الأمريكية.
- «التمويل الأمريكي، الفريد دائماً، أصبح اليوم فريداً في خطورته»، The Economist، 31 مايو 2025.
- «صراع العمالقة»، The Economist، 23 مايو 2025.
- جوردان بوي، «بلاك روك: العملاق المالي الذي يثقل كاهل قرارات أوروبا»، Investigate Europe، 17 أبريل 2019.
- بروك ماسترز، «بلاك روك تكثّف إنفاقها على الضغط السياسي في الولايات المتحدة في مواجهة الهجمات المناهضة لمعايير ESG»، Financial Times، 29 يناير 2023.
- سريدهار ناتاراجان وإريك مارتن، «تعميق روابط بايدن مع بلاك روك عبر أحدث تعيين في وزارة الخزانة»، بلومبرغ، 12 أغسطس 2022.
- جوردان بوي، المرجع السابق.
- آدم توز، «هل أنهى كوفيد العصر النيوليبرالي؟»، The Guardian، 2 سبتمبر 2021.
- إيزابيلا م. ويبر، «استهداف تضخم البائعين»، Project Syndicate، 13 يوليو 2023.
- تشير إلى حزمة من التدابير الرامية إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، غالباً عبر توسيع الكتلة النقدية أو خفض أسعار الفائدة.
- تدل أسعار الأصول الإجمالية على القيمة الكلية للأصول المالية في السوق، وتقاس عادة عبر مؤشرات تمثيلية.
- بنجامين براون، «الخروج، والسيطرة، والسياسة: القوة البنيوية وحوكمة الشركات في ظل رأسمالية مديري الأصول»، Politics & Society، المجلد 50، العدد 4، ديسمبر 2022.
- بنجامين براون وسيدريك دوران، «خريف أمريكا البرودلية»، Le Grand Continent، 29 مايو 2025 (نشر 27 يوليو 2025).
- يشير مصطلح «الأسهم الخاصة» إلى الاستثمارات في الشركات غير المدرجة في البورصات، أي الشركات الخاصة.
- سيدريك دوران، المرجع المذكور.
- التوريق هو عملية تحويل الأصول غير السائلة، مثل القروض والديون الاستهلاكية، إلى أوراق مالية قابلة للتداول في الأسواق.
- سيمون إيفينيت، آدم جاكوبك، فرناندو مارتين، ميشيل روتا، «عودة السياسة الصناعية في البيانات»، 3 يوليو 2024، مكتبة ويلي أونلاين.
- سيدريك دوران، «الدول الجوفاء»، NLR/Sidecar.
- إيثان شون، «رسائل بلاك روك: داخل الشراكة الوثيقة مع حزب العمال»، Open Democracy، 22 نوفمبر 2024؛ دانييلا غابور، «حزب العمال يضع خططه لبريطانيا في أيدي المؤسسات المالية الخاصة»، The Guardian، 2 يوليو 2024.
- يان فيشتنر، إيلكي م. هيمسكيرك، وخافيير غارسيا-برناردو، «القوة الخفية للثلاثة الكبار؟ صناديق المؤشرات السلبية، إعادة تركيز ملكية الشركات، والمخاطر المالية الجديدة»، Business and Politics، المجلد 19، العدد 2، 2017.
- سيدريك دوران، «الإقطاعية التكنولوجية بوصفها ليفياتاناً زائفاً»، Inprecor، 15 فبراير 2025.
- فرانسيسكو لوسا، المستقبل لم يعد ما لم يكن عليه أبداً، Bertrand Editora، 2021؛ شوشانا زوبوف، عصر رأسمالية المراقبة: الصراع من أجل مستقبل إنساني في مواجهة حدود سلطة جديدة، 2019، Zulma (2020).
- يانيس فاروفاكيس، العبيد الجدد للاقتصاد، 2023، Les Liens qui Libèrent (2024).
- فيليغاس-سانشيز، «تصاعد القوة السوقية للشركات»، صندوق النقد الدولي، 2021.
- وول مارت شركة أمريكية متعددة الجنسيات في مجال التوزيع الكبير، أسسها سام والتون، وتُعد المجموعة الأولى عالمياً في هذا القطاع.
- مصطلح مستعار من التحليل النفسي، يشير «السيد الدلالي» إلى المفهوم المركزي الذي يدور حوله النظام بأكمله.
- ديوغو ماتشادو، «أزمة التراكم، عدم الاستقرار، والهمجية»، Rede Anticapitalista، مايو 2025.
- كريستوفرز، المرجع نفسه.
- في كتابه التحول الكبير (1944)، حلّل كارل بولاني الرأسمالية كنظام يميل إلى تسليع مجالات من الحياة الإنسانية لا تُعد بطبيعتها سلعاً، مثل العمل والأرض والنقود، واصفاً إياها بـ«السلع الوهمية».
- نانسي فريزر، الرأسمالية آكلة لحوم البشر، 2022، Agone (2025).
- ديلان رايلي وروبرت برينر، «سبع أطروحات حول السياسة الأمريكية»، New Left Review، العدد 138، 2022.
- سيدريك دوران، «استكشاف حدود رأس المال»، New Left Review، العدد 136، 2022.